| |
كنت أعتقد , ولفترة طويلة من عمري الفكري والثقافي ، أنّ النظام الحاكم
في الجمهورية العربية السورية , هو نظام علماني بكل ما تعني الكلمة من
معنى , نظام قائم ومرتكز على مبدأ الفصل بين الدولة والدين .
وكان ذلك الاعتقاد مستندا الى معرفتي المتواضعة , والتي زادت وضوحا
بمرور الزمن وسعة القراءة والاطلاع , بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي
يحكم ويتحكم في الشعب السوري منذ ما يقارب الخمسين عاما متواصلة ,
وبأيدولوجيته القومية الاشتراكية المعروفة .
ولكن هذا الاعتقاد زال وامحى منذ وعيت الحقائق السياسية والأيدولوجية
لذلك النظام , والبعيدة كل البعد عن أيدولوجية البعث , التي على الرغم
من أنها أيدولوجية ( عنصرية ) قائمة على النظرية النازية , نظرية (
النقاء العرقي ) , وأيدولوجية دكتاتورية انقلابية .., الا أنها
بالتأكيد ليست أيدولوجية طائفية بالمعنى الديني للطائفية , وان كانت
طائفية بالمعنى القومي أو العرقي .
وهكذا تأكد لي بما لا يدع مجال للشك , بأن النظام الحاكم والمتحكم في
سوريا هو نظام ذو طابع طائفي , بالمعنى الديني , وذلك استنادا الى
الحقائق التالية :
الأولى :
أن الأسرة الحاكمة والمتحكمة في الشعب السوري , أسرة الأسد , تنتمي الى
الطائفة العلوية الشيعية , وهي طائفة أقلية في سوريا ذات الغالبية
السنية , والتي تتركز في محافظتي الساحل , اللاذقية وطرطوس . وهذا
كواقع ليس مما يعيبها . لكن ما يعيب هو المضي في الحكم وفق العقلية
الطائفية لتلك الأسرة وتلك الطائفة في السيطرة على زمام الأمر في سوريا
, والسيطرة على مقدرات الشعب السوري .
الثانية :
أن القضاء على تنضيم الاخوان المسلمين - وبالقوة العسكرية - في أوائل
الثمانينات من القرن العشرين كان بدوافع طائفية وليس لاعتبارات سياسية
كما زعم النظام وقتها . وأعتقد أن المسألة هذه ستتضح أكثر بتحليل تلك
الاحداث في المستقبل , وعقب تغيير النظم الحالي .
الثالثة :
التحالف المشبوه مع نظام الملالي , النظام ( الشيعي ) الثيوقراطي في
ايران . وهو تحالف يرتكز - مهما ادعى النظام السوري - على الانتماء
الطائفي الشيعي للأسرة العلوية الحاكمة في سوريا و النظام الشيعي
الاثنى عشري في ايران .
ومن المعروف أن هذا التحالف نشأ أساسا ضد النظام العراقي الصدامي (
السني ) السابق, وان كانت الخلافات البعثية بين الاسد الاب وصدام حسين
هي الظاهرة على السطح حينها .
أليس من المستغرب أن يتحالف النظام السوري , المدعي والمتبني للفكر
القومي العربي , مع الخطر الايراني الموجه أولا وآحرا ضد العرب ؟
الرابعة :
التحالف الغريب والعجيب بين النظام السوري وحزب الله اللبناني , والدعم
اللامحدود لذلك الحزب , سياسيا وعسكريا , على حساب الاستقرار السياسي
والاجتماعي للشعب اللبناني .
الخامسة :
وآخر - حتى الساعة طبعا - تلك الحقائق , وهي الدافع لكتابة هذا المقال
, تتعلق ( بانتفاضة ) النظام السوري ضد الطائفة السنية السلفية في
طرابلس شمال لبنان , وذلك مناصرة للطائفة العلوية في المنطقة , بعد
الاحداث الدامية , المؤسفة , بين الطائفتين . وقد تمثلت تلك الانتفاضة
للنظام السوري في هذه القضية بحشد عشرة آلاف جندي من القوات الخاصة
السورية على الحدود اللبنانية المحاذية لطرابلس في ( اشارة سياسية )
تقول للبنانيين : ان لم تحترموا اخواننا العلويين فاننا سنتقدم لعمل
اللازم . وذلك بعد مطالبة ( بصيغة الأمر ؟؟ ) الأسد الابن للرئيس
اللبناني ميشيل سليمان بارسال قوات لبنانية للتدخل ضد السلفيين . والذي
, كما يبدو لم يحقق رضى النظام السوري بصورة كاملة , أي بضرب السلفيين
في طرابلس وتأديبهم لتطاولهم على الاسياد العلويين, من وجهة نظر النظام
السوري طبعا , ما دفع ذلك النظام لحشد تلك القوات ......
|
|