Подпись: أول أيار والدور الاممي الخاص للطبقة العاملة العربية
  

جورج حداد
ghaddadbg@hotmail.com
 


الحوار المفتوح العدد 338: 05.04.2008

 


 
يتم في كافة انحاء العالم الاحتفال بمناسبة اول ايار، بوصفه يوما او عيدا للعمال.
تاريخيا، كرست هذه المناسبة على اثر الاحداث التي وقعت في اول ايار 1886 في مدينة شيكاغو الاميركية، حيث قام العمال بالاضراب، وساروا في تظاهرة مطالبين بحقوقهم في تخفيض ساعات العمل ورفع الاجور وما الى ذلك. ومن اجل كسر شوكتهم، عمدت السلطة المتواطئة مع الرأسماليين الى دس بعض العملاء الاستفزازيين في صفوف المظاهرة، وقام احدهم بإلقاء قنبلة على رجال الشرطة، أوقعت فيهم بعض الاصابات، مما دفع الشرطة الى الرد على الاستفزاز، فسقط بعض الضحايا من العمال، وكسر الاضراب، وتم اعتقال عدد من الزعماء النقابيين، الذين اعدم بعضهم بتهمة قتل الشرطة، وحكم على البعض الاخر بالسجن. وبالصدفة سجن فيما بعد احد اولئك المجرمين الاستفزازيين، لارتكابه احدى الجرائم، وأخذ في السجن يتباهى بعلاقته بالشرطة كاشفا دوره في المظاهرة، فانكشفت المؤامرة، وجرى تبرئة الزعماء النقابيين والعمال مما نسب اليهم، بعد وقوع الواقعة. وفي تموز 1889، قررت الاممية الاشتراكية، التي تعتبر الاشتراكية الدولية الحالية استمرارا لها، اعتماد الاول من ايار كيوم عالمي للعمال، تخليدا لتضحياتهم وعدالة قضيتهم. ومنذ ذلك الحين، برز مفهومان في النظر الى هذا اليوم:
الاول ـ يعتبر الاول من ايار عيدا لكفاح العمال من اجل تحررهم الطبقي والانساني، ويقول به الشيوعيون الحقيقيون، المؤمنون بقانون الصراع الطبقي، وحتمية انتصار الطبقة العاملة على البرجوازية، واقامة الاشتراكية على انقاض الرأسمالية والامبريالية. والآن، بعد انهيار تجربة الاشتراكية في "وطنها الاول" الاتحاد السوفياتي، ومن ثم في دول اوروبا الشرقية التي كانت تابعة له، لا ندري كم من "الشيوعيين" السابقين لا زال على "تفاؤله التاريخي" ونظرته الى اول ايار كيوم "عيد نضالي" يحمل بشائر الانتصار للطبقة العاملة والكادحين وقضية الاشتراكية!
والثاني ـ ويقول به الاصلاحيون الانتهازيون، الذين ينظرون الى اول ايار بوصفه عيدا للعمل، الذي يشترك فيه العمال والرأسماليون، لانتاج الخيرات المادية وتحقيق "العدالة الاجتماعية" بالمفهوم البرجوازي الذي لا يخرج عن نطاق تجميل وجه الرأسمالية في المتروبولات، على حساب الشعوب المظلومة في البلدان المستعمرة والأطراف.
وأبرز تيار اصلاحي انتهازي اليوم يتمثل في الاشتراكية الدولية، التي ترى ان الدمقراطية البرجوازية والاشتراكية العمالية لا تتعارضان، بل تكمل احداهما الاخرى، وأن ما يسمى الدولة الدمقراطية الاجتماعية يمكن ان تجمع بين القواعد الرأسمالية لاقتصاد السوق والمبادئ "الاشتراكية" للعدالة الاجتماعية، لتحقيق ما يسمى "الرأسمالية ذات الوجه الانساني!" وهي مفهومة انتهازية متناقضة القطبين، إذ ان الرأسمالية هي الشكل الابشع والاكثر عريا للاستغلال، وبالتالي فهي العدو الرئيسي للانسانية، التي هي على طرفي نقيض مع الرأسمالية.
ويبرر الاصلاحيون الانتهازيون ما كان يجري من صراع عنيف بين العمال والرأسماليين، والذي عبّرت عنه مظاهرة اول ايار الاميركية في 1886، وتوّجه انتصار الثورة الاشتراكية الروسية في 1917، بالقول إنه انما يعود الى حقبة ولت الى غير رجعة، هي حقبة الرأسمالية الفردية المتوحشة. وهم يرون ان الدمقراطية الاجتماعية كفيلة بالحد من الانانية الفردية للرأسمال، وتأطيره في النسيج الاجتماعي، مثلما هي كفيلة بتقويض الانظمة الشمولية (التوتاليتارية)، التي قيدت الشخصية الانسانية، كما جرى بالنسبة للاشتراكية السوفياتية. وبهذه النظرة فإن الاصلاحية الانتهازية تنقل مركز الثقل في الصراع الاجتماعي ـ الطبقي من دائرة ملكية وسائل الانتاج والوضع الطبقي السائد او المسود المرتبط بهذه الملكية، الى دائرة توزيع واعادة توزيع الخيرات المنتجة وميزان القوى السياسية والاجتماعية (الاحزاب والنقابات الخ) المؤثرة في تعديل نسب التوزيع واعادة التوزيع. علما ان القرار الاخير، المقرر والحاسم، في عملية التوزيع واعادة التوزيع، انما يعود الى الطبقات والفئات مالكة وسائل الانتاج، مهما كان وضع ميزان القوى السياسية والاجتماعية، ووضع السلطة السياسية المباشرة المتولدة عنه.
وتتباهى الاشتراكية الدولية ان التاريخ "يسير معها"، حيث ان احزابها والاحزاب القريبة منها، هي التي تحكم الان، او تتداول السلطة، في اميركا الشمالية واوستراليا وغالبية دول اوروبا الغربية، واهمها بريطانيا والمانيا وفرنسا وايطاليا، وان غالبية الاحزاب البرجوازية ذاتها المناوئة لها، تبنت الكثير من منهجيتها ومفاهيمها الاجتماعية، بحيث اصبحت تحافظ عموما على مبادىء بناء وتطوير الدولة الدمقراطية الاجتماعية. ولكن الاشتراكية الدولية، واحزابها الاصلاحية الانتهازية، التي تتباهى بالانجازات الاجتماعية التي تحققت لصالح الشغيلة في المتروبولات، تنسى عن عمى تاريخي او تتناسى عن قصد ان الرأسمال، ولا سيما في زمن "العولمة"، انما هو ظاهرة عالمية. وفي وقت تقوم الطبقات الاحتكارية الامبريالية ببعض التنازلات الاجتماعية في المتروبولات، فإنها تشدد قبضتها على بلدان ما يسمى "العالم الثالث" والبلدان الفقيرة والنامية، وتنهب خيراتها وشعوبها بابشع الصور واكثرها وحشية، بالترافق مع كل تقاليد الاستعمارية للقمع والارهاب والاستغلال والاحتلال. وبالنظر الى ما يجري في فلسطين والعراق وافريقيا الخ، يحق لكل تقدمي في العالم ان يتساءل: عن اي دمقراطية اجتماعية يتشدق امثال "الاشتراكي" المزيف، الخائن والمجرم الدولي طوني بلير، اذا كانوا هم و"حلفاؤهم" يمنحون ـ اذا منحوا ـ بعض الفتات للعمال والمواطنين العاديين في اوروبا واميركا الشمالية، في حين ان الامبريالية والصهيونية تستعبد وتنهب تسعة اعشار شعوب الارض؟!
وبين هذين المفهومين لاول ايار، وعلى خلفية التطورات التاريخية المتسارعة في اعقاب سقوط النظام السوفياتي وبروز ما يسمى العولمة، واتساع رقعة الاصلاحية الانتهازية لتشمل قسما كبيرا جدا من الاحزاب الشيوعية السابقة "المسوفتة"، فإن اول ايار اصبح فعلا يبحث عن هوية حقيقية!
لا شك ان العدالة الاجتماعية التي استشهد لأجلها عمال شيكاغو، هي قوة جذب يسير نحوها التاريخ البشري، وإن كان بثمن كبير من التضحيات الانسانية. ولكن هذا السير لا يتم بخط مستقيم، لا فيما يتعلق بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا بالنسبة للدول والقوى السياسية الفاعلة. وهذا ينطبق على احزاب الاشتراكية الدولية ومفاهيمها التوفيقية التي، وهي تستقبل في ساحتها الفكرية والسياسية افواجا من الشيوعيين السابقين، وبعض الرأسماليين الدمقراطيين والمحافظين المتحررين، من الخطأ لها أن تعتقد انها كانت تسير منذ البدء في خط مستقيم، جذب اليها قوى وتيارات مناوئة سابقة، وأصبح مصدر " استلهام" لقوى وتيارات مناوئة حالية.
فالخط المستقيم للاشتراكية الدولية يسير في اتجاه معاكس تماما للتطور الاجتماعي الحديث، الذي اخذت الاشتراكية الدمقراطية تقصّر تماما عن اللحاق به، الى درجة التناقض مع ذاتها اولا، ومن ثم مع المجتمع الدولي بأسره.
فمفهوم الدولة الدمقراطية الاجتماعية ذاته، يصبح لا اكثر من ورقة تين لا تكاد تخفي عورة، او حقيقة، النظام الاقتصادي الحديث ما فوق القومي (الكوسموبوليتي، الكوني او المعولم). فهناك هوة واسعة جدا، وتتسع باستمرار بوتيرة لا مثيل لها، بين هذا المفهوم وبين النظام السائد فعلا في "القرية الكونية" المتصاغرة.
ان اساس مفهوم الدولة الدمقراطية الاجتماعية يقوم على مفهوم اجتماعي آخر هو "العقد الاجتماعي" بين الحاكمين والمحكومين، المالكين والعاملين.
فلنر كيف كان يطبق في السابق "العقد الاجتماعي" على العمال، الذين يمثلون لا أقل من 90 بالمائة من سكان البلدان المتطورة، التي تمثل بدورها لا اكثر من 15 بالمائة من سكان المعمورة. ومن ثم لنر كيف يطبق اليوم عليهم وعلى "القرية الكونية" بأسرها:
ـ ان "الشراكة النظرية" بين الرأسمال والعمل، التي يفترض ان يجسدها ويضبطها "العقد الاجتماعي" والدولة الدمقراطية الاجتماعية، تعني قيام علاقة متكافئة بين الطرفين اللذين يحتاج كل منهما الى الآخر كي يحقق ذاته. أي أنها تعني المزاوجة "العادلة" بين الرأسمال، كقيمة اقتصادية جامدة مشروطة (هي عبارة عن تجسيد للعمل السابق الذي استحوذ عليه الرأسماليون)، وبين العمل، كقيمة طبيعية ـ اقتصادية متحركة غير مشروطة. وبكلمات اخرى، فإن هذه الشراكة تعني أن المجتمع، كوحدة متكاملة، يضع في الاستخدام كامل الرأسمال، وكامل قوة العمل، ومن ثم يتطلب حفظ الحقوق والواجبات الاقتصادية والطبيعية لكل من اصحاب الرأسمال، وأصحاب قوة العمل، على السواء، الامر الذي يستنتج منه نظريا تحقيق الضرورة الاجتماعية المتمثلة في المحافظة على "حقوق" الرأسمال وحقوق قوة العمل، وتطويرهما كميا ونوعيا.
فهل هذه العلاقة المتكافئة والضرورية اجتماعيا هي التي كانت قائمة، او هي التي تقوم اليوم بين الرأسمال وقوة العمل في البلدان الرأسمالية عامة، والبلدان المتطورة خاصة؟
الجواب هو : كلا! بل ان ما كان ولا يزال يجري هو الاستغلال النسبي والمطلق لقوة العمل في المتروبولات، والنهب الفظيع والاستغلال غير المحدود والقمع الوحشي لشعوب الاطراف، التي هي قارات باسرها وتمثل تسعة اعشار البشرية.
وهنا تبدو المفارقة التاريخية التي يفترض ان تدفع الاشتراكية الدولية الى اعادة النظر في مفهومها التوفيقي. ونكتشف هذه المفارقة في مراجعة المراحل التي تم فيها تطور الرأسمالية:
المرحلة الاولى ـ وهي مرحلة الرأسمالية الناشئة، والتي يطلق عليها البعض تسمية "الرأسمالية الفردية المتوحشة". وقد امتدت هذه المرحلة حتى نهاية الحرب العالمية الاولى. وفيها استطاعت الرأسمالية شق طريقها داخل مجتمعاتها الاصلية، على حساب انماط الانتاج الاخرى. كما برزت للوجود ظاهرة الاستعمار، الذي قام بفتح وتقاسم البلدان والشعوب الاخرى.
في هذه المرحلة لم يكن يوجد "حق" العمل، بل كانت توجد عملية اكراه، حيث كان يفرض العمل على العامل، بالقوة المجردة او بقوة سياط الجوع، بدون ان يحصل على بدل اتعابه "العادل" (اي الذي يعادل كمية ونوعية السلع التي انتجها)، بمقاييس السوق الرأسمالي ذاته. وكان الفلاحون الفقراء المطرودون من اراضيهم، والحرفيون المفلسون وصعاليك المدن، والزنوج الذين بيعوا عبيدا لاميركا، يساقون كالقطعان للعمل في المانيفاكتورات والمؤسسات الصناعية والزراعية الرأسمالية، لسد الحاجة الى اليد العاملة، والنقص النسبي فيها. ومن جهة ثانية، كانت كل خيرات شعوب المستعمرات، الطبيعية والمنتجة، موضوع نهب لا يرحم من قبل المستعمرين.
ان النقص في اليد العاملة في تلك المرحلة كان يعود لسببين رئيسيين:
أ ـ ان حصة "القيمة الجديدة"، الناتجة عن "القيمة الزائدة" التي يضيفها العمل الجديد الى المنتوج، كانت اكبر بكثير من حصة "القيمة السابقة" المتمثلة في حصة الرأسمال المعاد انتاجه (الآلات، الخامات، الخ). وذلك بسبب التخلف التكنولوجي وضآلة الرساميل الثابتة حينذاك.
ب ـ ان العمل الذهني والماهر كان يمثل نسبة مئوية ضئيلة، بالقياس الى العمل اليدوي البسيط، الذي يتطلب اعدادا اكبر من اليد العاملة.
وبفعل هذين العاملين، فإن حاجة الرأسمال النسبية والمطلقة الى اليد العاملة، خصوصا البسيطة، كانت كبيرة جدا، اكبر من حاجتها الى الراسمال الثابت، وخصوصا الآلات المتطورة ذات الاسعار العالية والانتاجية العالية.
وفي هذه الظروف لم يكن يتم فقط "التجنيد الاكراهي" لاكبر عدد ممكن من العمال، بل وكان يتم ايضا اجبارهم على العمل فوق طاقتهم لمدة 18 ساعة وأكثر في اليوم، وفي ظل اوضاع قاسية جدا ولاانسانية. كما كان يستخدم على نطاق واسع عمل الاطفال والنساء شبه العبودي، لتعويض نقص اليد العاملة، ولتخفيف "الاعباء المالية" عن اصحاب الرساميل. وعلى خلفية هذه الحاجة الرأسمالية القصوى، النسبية والمطلقة، لليد العاملة، كان يجري تشجيع الفلاحين المفقرين وصعاليك المدن الاوروبية للهجرة الى "العالم الجديد" الذي سموه "اميركا"، والذي "اكتشفه" اللص الاستعماري كريستوف كولومبوس واضرابه. وعلى الخلفية ذاتها، تمت اكثر العمليات اللاانسانية في التاريخ البشري، التي يندى لها جبين اي انسان له حد ادنى من حس الكرامة البشرية، ونعني بها عملية صيد الزنوج بعشرات الملايين في افريقيا، وشحنهم في ظروف لا يتصورها عقل بشري ـ حيث مات تسعة اعشارهم في الطريق ـ للعمل في جحيم "العالم الجديد"، الذي بني على جماجم الهنود الحمر وبعرق ودماء ودموع "العبيد" الافارقة وفقراء وصعاليك اوروبا.
وبالتالي فإن "العقد الاجتماعي" كان يتم خرقه بشكل صارخ، في المتروبولات ذاتها، لحساب احد طرفيه، الرأسماليين، الذين كانوا يأخذون اكثر بكثير من "حقوقهم"، على حساب الطرف الاخر، العمال، الذين كانوا يأخذون اقل بكثير من حقوقهم.
وبنتيجة ذلك كان لا بد من ان يأخذ العمال في مقاومة هذا الخلل التاريخي في العلاقة بين الرأسمال والعمل. والى هذه المرحلة بالضبط تعود مناسبة اول ايار، كرمز للنضال العمالي.
وقد اتخذت المقاومة العمالية شكلين رئيسيين:
الاول ـ الشكل الاصلاحي، الذي تمثل في ظهور الاشتراكية الاصلاحية والنقابات، والنضال من اجل تحسين ظروف العمل ومستوى معيشة العمال كبشر، ضمن نطاق النظام الاجتماعي، الرأسمالي، القائم. اي بكلمات اخرى: تحسين ظروف "العبودية" الحقيقية للعمال، لا تحريرهم من العبودية.
والثاني ـ الشكل الاصلاحي الحقيقي، اي الشكل الثوري، الذي تمثل في ظهور الاشتراكية الراديكالية، التي قالت بأن يتم الرد على خرق "العقد الاجتماعي" من قبل الرأسمال، بخرقه من قبل الطرف الآخر. أي مثلما يقوم اصحاب الرأسمال بالاستيلاء بالقوة على قوة عمل العمال (وكل رأسمال هو، في الحساب الاخير، "قوة عمل" سابقة في حالة جامدة، مستلبة من اصحابها الحقيقيين، اي العمال الذين صنعوها)، ان يقوم هؤلاء بالاستيلاء بالقوة على الرأسمال، (اي استعادة ما سلب سابقا منهم، وهو ما يسميه ماركس: نزع ملكية نازعي الملكية)، ووضع "عقد اجتماعي" جديد نوعيا. وقد استند هذا المفهوم "الانقلابي" الى الطابع الاقتصادي وحسب للرأسمال، الذي لا يستطيع ان يوجد وينمو بدون الاستحواذ على قوة العمل، والطابع الاقتصادي ـ الطبيعي لقوة العمل، التي لا تدين بوجودها الى الرأسمال، بل الى الطبيعة البشرية ذاتها، التي تجعل قوة العمل "السلعة" الوحيدة القادرة على: أـ انتاج واعادة انتاج الرأسمال ذاته، بشكل سلع جديدة. ب ـ انتاج واعادة انتاج ذاتها بقيمة اعلى من "سعرها" او "قيمتها" الاقتصادية السابقة، وهو ما يعطي السلع الجديدة "قيمة" او "سعرا" اعلى من مجموع الكلفة السابقة (الرأسمال والاجور).
وقد اختتمت هذه المرحلة الاولى بقيام الثورة الاشتراكية في روسيا، التي دشنت مرحلة جديدة من العلاقات المتناقضة بين الرأسمال وقوة العمل.
المرحلة الثانية ـ وهي مرحلة الرأسمالية المتطورة، وتمتد من الحرب العالمية الاولى، وحتى بداية السبعينات، حينما تم استكمال نهوض اوروبا من الدمار الذي سببته الحرب العالمية الثانية. وتميزت هذه المرحلة بالخصائص الرئيسية التالية:
أ ـ الوعي السياسي والاجتماعي الكبير للعمال، بفعل الاحداث الكبرى كالحربين العالميتين والثورة الاشتراكية وثورات التحرر الوطني ومحاربة وهزيمة الفاشية، وتراكم التجربة النضالية، مما جعل النضال النقابي والعمالي اكثر قدرة على تحصيل الحقوق وتحسين شروط العمل.
ب ـ ظهور الاتحاد السوفياتي الذي ـ بالرغم من كل سلبيات النظام الشمولي (التوتاليتاري) ـ أمّـن ظروفا اجتماعية للعمال لا عهد للرأسمالية بها. وقد أثر ذلك تأثيرا مباشرا على الدول الغربية التي، تحت ضغط عامل الخوف من الشيوعية، وجدت نفسها مضطرة لمنح عمالها الكثير من الحقوق المالية والاجتماعية، بدءا من ضمان حق العمل، وتحسين شروطه، وانتهاء بضمان حق السكن كما في بعض البلدان السكندينافية وغيرها. ويذكر في هذا الصدد ان اول قانون عمل اميركي انما صدر في الثلاثينات. وقد علق يوما احد الكتاب الاميركيين بأن الفضل في ذلك يعود الى روسيا.
ج - النضال التحرري الذي خاضته الشعوب المستعمرة، والذي ادى إلى الانهيار شبه التام للنظام الاستعماري القديم، بعد الحرب العالمية الثانية، وحرمان الدول الاستعمارية من النهب اللاعقلاني المفضوح للخامات ولخيرات تلك البلدان.
د - اضطرار الدول الاستعمارية لتحسين علاقاتها نسبيا مع البلدان المستعمرة سابقا، وذلك تحت تأثير وعي شعوب تلك البلدان، وخصوصا مع وجود الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي السابق الذي دخل كمزاحم جدي في ساحة العلاقات الدولية. (وحكاية بناء السد العالي في مصر، ورفض البنك الدولي تمويله، وتأميم قناة السويس وتداعياته الدرامية، ثم بناء السد من قبل الاتحاد السوفياتي السابق، هي نموذجية على هذا الصعيد).
هـ - التطور التكنولوجي، الذي عزز حصة الرأسمال (أي "القيمة السابقة") مقابل العمل (أي "القيمة الجديدة") في المنتوج، مما مكن الرأسمالين من تعويض "الخسارة" الشكلية في زيادة "كلفة العمل" المتمثل في منح مزيد من الحقوق للعمال والتكاليف الاكبر نسبيا التي اصبحت مفروضة على نهب خيرات البلدان المستعمرة سابقا.
المرحلة الثالثة ـ وهي مرحلة الاقتصاد المعولم، وقد بدأت طلائعها في السبعينات، وترسخت وتوسعت في الثمانينات، واتخذت طابعا كاسحا في التسعينات وما بعد. واهم ما تتميز به هذه المرحلة ما يلي:
أ ـ في وقت كان فيه الرأسمال المالي الكبير يتجه نحو "التعميم الكوني" او "العولمة"، بكل ما يتبع ذلك من سياسة الهجوم على مختلف الاصعدة والمستويات، المالية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية، كانت التجربة "الاشتراكية الاولى" (السوفياتية) تتجه نحو التقوقع على ذاتها، وتتخذ مواقع دفاعية، بحيث لم يعد للبيروقراطية السوفياتية المترهلة ما تقدمه لا لمجتمعها ولا للمجتمع الدولي، فاستسلمت صاغرة امام الهجمة الرأسمالية ـ الامبريالية المعولمة. وليس بدون عبرة ان الكثير من الكوادر والقيادات والكتل وحتى الاحزاب "الشيوعية!" السابقة المسوفتة، خارج الاتحاد السوفياتي ذاته، قد التحقت الآن بركب الهجمة الاميركية للهيمنة على العالم باسم الدمقراطية والليبيرالية واقتصاد السوق.
ب ـ بين نهاية الحرب العالمية الثانية والسبعينات، وجد الرأسمال المالي الكبير متنفسه في اعادة تعمير وانهاض اوروبا الغربية واليابان المدمرتين. فانصبت غالبية الرساميل، وخاصة الرساميل المنهوبة من البلدان المستعمرة والمتخلفة التي تدر ارباحا بمقاييس خيالية لا تضاهيها الارباح التي تجنى في البلدان المتطورة، ـ انصبت في هاتين المنطقتين. فكانت "الاعجوبة اليابانية"، و"اعجوبة" نهضة اوروبا الغربية من جديد، و"اعجوبة" هيمنة الطفيلي الاميركي الآتي من خلف المحيط، على الطرفين.
ج ـ بعد تحقيق هذه "الاعاجيب" الثلاث، بدأت المراوحة، ووقف الرأسمال المالي الكبير امام جدار مسدود هو: تقلص فرص ارباح التوظيف في البلدان الرأسمالية المتطورة، وعدم مصلحة الرأسمال المالي الكبير في "التوظيف الطبيعي" في البلدان المتخلفة، التي يريد المحافظة على تخلفها من اجل تسهيل استمرار نهبها، والتي لا يأمن جانبها، في حال امتلاكها زمام التطور الرأسمالي ذاته.
د ـ بدأت تنشأ على نطاق واسع لا سابق له ـ على قاعدة "اممية" او "عولمية" الرأسمال الاحتكاري الكبير وحاجته الى منافذ جديدة للتوظيف وجني الارباح ـ بورصات الاسهم والاوراق المالية والشركات متعددة الجنسية، الباحثة عن فرص التوظيف والارباح في كل مكان، متجاوزة بل محطمة في طريقها جميع مفاهيم "الاسواق الوطنية". وانتقلت نقطة الارتكاز الرئيسية في الدائرة الاقتصادية من عملية الانتاج ذاتها الى العملية المالية (تجارة الاسهم والسندات والعملات)، بحيث اصبح الاقتصاد الوطني لدول وشعوب باسرها، بل ولجميع الدول والشعوب، بما في ذلك المتروبولات، تحت رحمة طغمة قليلة من طواغيت الرأسمال المالي الاحتكاري الكبير، ولا سيما الاميركي، اليهودي/الانغلو ـ ساكسوني.
هـ ـ نظرا لخصوصيات الدولة الاميركية، لا سيما لجهة ابتعادها عن مخاطر ساحات القتال في الحربين العالميتين الاولى والثانية، على عكس "العالم القديم"، مما ادى الى تكدس الرأسمال المالي الكبير، اليهودي والانكلو ـ ساكسوني، فيها، فقد تمتعت "السوق المالية" الاميركية بميزات لم تتمتع بها اي "سوق مالية وطنية" اخرى. فكان من الطبيعي ان تقود الرأسمالية المالية الاحتكارية الكبرى، الاميركية، هجمة "العولمة" الرأسمالية، وعلى رأسها الرأسمال المالي الكبير، الامبريالي، اليهودي/الانكلو ـ ساكسوني.
و ـ كانت الضحية الاولى لهجمة الرأسمال المالي الكبير المعولم ما سمي في وقته "النمور الآسيوية"، التي استطاعت، لفترة من الزمن، المرور خلسة، من وراء ظهر الرأسمال المالي المعولم، اليهودي/الانكلو ـ ساكسوني، مستغلة الظروف المعقدة للحرب الباردة بين المعسكرين السابقين. ولكن لم يكد الخطر الشيوعي (السوفياتي) يغيب عن الشاشة، حتى كشر الرأسمال المالي المعولم عن انيابه وافترس بعض تلك "النمور" (اندونيسيا، ماليزيا والفيليبين) بسرعة وسهولة لا تكاد تصدق. وتمت السيطرة على الاقتصاد التايواني والكوري الجنوبي، دون تدميره كما جرى في "النمور" الاخرى، خوفا من "الشيوعية" التي لا تزال قائمة في الصين الشعبية وكوريا الشمالية.
ز ـ بعد افتراس "النمور الاسيوية" السابقة و"هضمها"، بدأت المراوحة من جديد، ووقف الرأسمال المالي الكبير المعولم، ولا سيما اليهودي/الانكلو ـ ساكسوني، امام ملامح ازمة وجودية كبرى، يواجه فيها ثلاثة تحديات:
الاول ـ اتساع وترسيخ عملية توحيد اوروبا (القديمة والجديدة، حسب تقسيمات رامسفيلد) على طريق انشاء "الولايات المتحدة الاوروبية"، وهو اخشى ما تخشاه اميركا والصهيونية العالمية، خصوصا اذا سارت على ما يرام امور التعاون الاوروبي الغربي ـ الروسي، والاوروبي ـ العربي.
الثاني ـ بعد التخلص من زمرة غورباتشوف ـ يلتسين الخائنة، المرتبطة بالصهيونية، وتوجيه ضربة سياسية ومالية الى الرموز الصهيونية ذاتها ف روسيا الاتحادية (بيروزوفسكي، تشورني، خودوركوفسكي وغيرهم)، بدأ العملاق الروسي يقف على قدميه من جديد، بكل قدراته العسكرية والاقتصادية والجيو ـ سياسية الاستثنائية (الاسلحة النووية، الصواريخ الهائلة التي لا تزال موجهة الى جميع الاهداف الاميركية "المفضلة"، النفط، الصناعة والاحتياط الاقتصادي الهائل، الموقع المتوسط والعلاقات الجيدة مع الصين والهند وايران والبلدان العربية، من جهة، ومع اوروبا الغربية من جهة ثانية، واخيرا لا آخر المليون يهودي روسي في اسرائيل الذين تمتلك روسيا نفوذا كبيرا عليهم ويمثلون "ورقة لعب" او "ورقة ضغط" رئيسية في يدها).
الثالث ـ بسبب الاقتصاد الهامشي، غير المنتج وغير التوظيفي، للبلدان العربية النفطية، والارتفاع المتواصل لاسعار النفط، فإن هذه البلدان، ولا سيما السعودية، اخذت تكدس رساميل بترو ـ دولار اسطورية، خصوصا في البنوك الاميركية. وحتى وقت قريب، لم تكن هذه الرساميل النفطية "العربية ـ الاسلامية" تشكل اي مشكلة للرأسمال المالي الاميركي، اليهودي/الانكلو ـ ساكسوني، بل على العكس، فهو كان يستفيد منها ايما استفادة. وكانت هذه الرساميل، الى جانب تصدير النفط، تمثل القاعدة المادية لشهر العسل بين اميركا والانظمة التقليدية في تلك البلدان. وكانت الفوائد المحتسبة لهذه "الودائع" تتدنى طردا مع ضخامتها. وفي بعض الحالات بلغ من ضخامة هذه الرساميل، الميتة فعليا بالنسبة لاصحابها، ان البنوك لم تعد تدفع لهم عليها فوائد، بل على العكس اخذت تحتسب عليهم بدل "خدمة ايداع". ولكن مع الوقت بدأ "الجيل الجديد" من اصحاب هذه "الودائع"، مباشرة او بواسطة السماسرة والمستشارين، يتعلمون استعمال "كنوزهم" او "ودائعهم" الميتة، وتحويلها الى رأسمال متحرك، اخذوا يوظفونه في اسواق الاسهم المالية في اميركا واوروبا والعالم. وبالتدريج بدأ الراسمال المالي الكبير اليهودي/الانكلو ـ ساكسوني يتلمس نشوء مزاحم جديد، هو الرأسمال المالي العربي ـ الاسلامي، الى جانب المزاحم "الداخلي" التقليدي القديم، الكاثوليكي ـ الاوروبي، ناهيك عن المزاحم "الخارجي" ـ الروسي والصيني.
ح ـ امام هذه التحديات، بد