Подпись: الهوان العربي  

جورج حداد كاتب لبناني مستقل
ghaddadbg@hotmail.com
 


الحوار المفتوح العدد 336: 1.05.2008

 

 


 تحاول الآلة الدعائية الهائلة، الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية واعوانها العرب، تمويه واخفاء الطابع او المحتوى الحقيقي للصراع العربي ـ الاسرائيلي/الاميركي. واهم اشكال التضليل هي:

1 ـ إضفاء طابع سياسي آني وضيق على الصراع، ومحاولة خلق الانطباع بأنه صراع مرحلي مرتبط بالظروف السياسية الراهنة، وببعض القوى السياسية والمسلحة لا غير:

أ ـ ففي العراق كانت الادارة الاميركية وآلتها الاعلامية تربط الصراع بوجود نظام صدام حسين، وهي تربطه حاليا بوجود "القاعدة" وما يسمى "التنظيمات الارهابية"، ويقوم المحتلون ومعهم الحكومة العراقية "الدمقراطية جدا!!!" بإلهاء الناس بما يسمى "الخطط الامنية" تارة في الانبار وطورا في الموصل واخرى في بغداد؛ وتحاول تلك الحكومة اليوم، ومعها الشيوعيون المتأمركون امثال فخري كريم وحميد مجيد موسى والاسلاميون "الماكدونالدز" امثال عبدالعزيز الحكيم والقيادات العشائرية الكردية امثال بارزاني وطالباني، ـ يحاولون جميعا اقناع الناس بأن "الوجود" العسكري الاجنبي، الاميركي وغير الاميركي، هو "ضروري" لامن العراق، وهم يعملون على تكريس الاحتلال الى اجل غير مسمى عبر ما يسمى "اتفاقات امنية" مع اميركا وواجهتها المسماة "الامم المتحدة"؛

ب ـ وفي لبنان اصبحت الخيانة الوطنية والقومية "وجهة نظر" "روحانية" و"فلسفية" و"وجودية"، يسمونها "فلسفة الحياة" (حسب تعبير وليد جنبلاط)، او يسمونها "دفاعا عن حقنا في الحياة" (حسب تعبير "الماركسي المزيف" كريم مروة ـ الحوار المتمدن - العدد: 1989 - 2007 / 7 / 27)، ـ وهي "وجهة نظر" يتوجب علينا "احترامها" والاخذ بها وتطبيقها، وتقديمها على منطق المقاومة التي يسمونها "فلسفة الموت"، ويجب ـ عملا بـ"فلسفة الحياة" هذه ـ نزع سلاح حزب الله او انتظار قيام اسرائيل، بدعم اميركا، بشن حرب تدميرية جديدة على لبنان للقضاء على المقاومة، وهو ما عجزت عنه في حرب تموز 2006، وحينذاك ستحل مشاكل لبنان، وسيعيش لبنان بشكل أفضل(!!)؛ وحتى اغتيال احد قادة حزب الله، وهو الشهيد عماد مغنية، يدخل ضمن اطار "فلسفة الحياة" هذه، وقد قال الناطق بلسان الادارة الاميركية "ان العالم اصبح افضل بالتخلص من هذا الرجل"؛

ج ـ وفي فلسطين المحتلة يحاولون الايحاء بأن فرض الاستسلام التام على الشعب الفلسطيني المظلوم هو الطريق الى تحقيق ما يسمى "السلام العادل والشامل" مع اسرائيل، وحينما قام عشرات الآلاف من سكان غزة المحاصرين بتحطيم جدار العزل والتدفق على مدينة رفح المصرية لشراء الدواء والغذاء والمحروقات المنزلية وحليب الاطفال صرح وزير الخارجية المصري (لا فض فوه!) بأن الفلسطيني الذي سيخترق الحدود سنكسر رجله، وبدأت السلطة المصرية ببناء جدار عازل مصري ضد اهالي غزة؛ وكل ذلك طبعا لعدم تشجيع "حماس" على "الانقلاب" المزعوم الذي تنفذه في غزة، ولدفع مسيرة الاستسلام الى الامام.

وينسى انصار "فلسفة الحياة" الجدد والقدماء ان يخبرونا: هل كانت المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية موجودة، يوم احتل الانجليز العراق في الحرب العالمية الاولى، ويوم أعطى الانكليز ما يسمى "وعد بلفور"، ويوم وضع الجنرال غورو قدمه على قبر صلاح الدين الايوبي وطرق عليه بعصا الجنرالية صائحا "عدنا يا صلاح الدين"، ويوم غزا الصليبيون القدس وذبحوا الآلاف من اهلها في المسجد الاقصى لـ"تطهيره" بالدم من "رجس الكفار"، ويوم وقف رئيس العصابة "اليهودية" موسى (الذي علينا ان نسميه: نبيا!) على جبل الطور ودعا ـ باسم "اليهوه" ـ الى الاستيلاء على ما يسمى "ارض الميعاد" وابادة سكانها الاصليين نساء وشيوخا واطفالا، والاستيلاء على بيوتهم ومدنهم التي لم يبنها "شعب اسرائيل"، كما تقول التوراة ذاتها.

2 ـ اضفاء طابع ديني متبادل على الصراع، والادعاء ـ بالاخص ـ بأنه صراع ضد الاصولية الاسلامية، التي ترفض قبول العيش مع الآخر، ولا سيما ابناء "الديانة!" اليهودية التي هي ديانة "توحيدية!"، "الهية!" و"ابراهيمية" مثلها مثل المسيحية والاسلام (!!!). ويستند هذا التفسير على مقولات بعض "الاسلاميين!!" المزيفين، الاغبياء او العملاء، الذين هم ايضا يعطون الصراع طابعا دينيا، ويرفضون ـ استطرادا ـ العيش مع المسيحيين او النصارى، على مختلف طوائفهم ومذاهبهم، ولا مع الصابئة المندائيين، ولا مع اليزيديين، وحتى انهم يكفـّرون القسم الاكبر من المسلمين المعتدلين انفسهم. وبهذا التفسير الديني البحت للصراع، تنعكس الآية، ويصبح المعتدي (اليهودية والصهيونية والامبريالية الاميركية) معتدى عليه؛ وتصبح المشكلة ليس في الغزو الامبريالي الصهيوني، بل في التطرف الاسلامي؛ ويصبح الحل هو في تلاقي الاديان السماوية، على طريقة الصلاة المشتركة التي نظمها انور السادات في حينه بعد اتفاق كامب دايفيد الخياني، والتي جمعت شيخا وكاهنا وحاخاما فوق جبل الطور بسيناء، حيث تلقى في زمانه الشامان موسى "وعد الرب!" باستباحة "ارض الميعاد!" والاستيلاء عليها وابادة اهاليها الاصليين.

3 ـ اضفاء طابع قومي عنصري متبادل، عبري ـ عربي، على الصراع. والادعاء بأن اليهود ـ كل اليهود ـ هم عبرانيون. وبأن هؤلاء العبرانيين المزعومين هم الذين كانوا سكان فلسطين قبل 3000 سنة، اي قبل المسيحيين، وخصوصا قبل العرب ـ المسلمين، الذين ـ حسب هذا التفسير ـ هم دخلاء على فلسطين وقد جاؤوا اليها غزاة وفاتحين قبل اقل من 1500 سنة. وتقول هذه الحجة، او هذا التفسير العنصري للصراع، ان العبرانيين القدماء والعرب القدماء هم من ارومة واحدة، وان لغتيهما هما لغتان قريبتان، وان العنصرين كانا يعيشان بسلام ووئام قبل الاسلام، وان الاسلام والفتح الاسلامي هو الذي وضع الحواجز وذر الشقاق بين الاقوام القديمة التي كانت تعيش في فلسطين والمنطقة؛ وانه اذا كان بالامكان في الماضي طرد العبرانيين اليهود من فلسطين، على يد الرومان او المسلمين العرب او المسيحيين الصليبيين، فإن الزمن الراهن لا يسمح بمثل ذلك، وان الحل للصراع هو في العودة الى "السلام العادل والشامل" و"التآخي" بين العبرانيين والعرب المعتدلين. وهنا ايضا تنعكس الآية، وتقع المسؤولية على "العرب المتطرفين" (ويضاف اليهم اليوم المسلمون "الفرس المتطرفون") الذين يرفضون الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية (= عبرانية) ويرفضون "حل الدولتين": الاسرائيلية والفلسطينية؛ وبناء على هذا التفسير للصراع، فإن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين (وهنا بيت القصيد) تصبح "محلولة" تلقائيا، بزعم ان ما يسمون "اليهود العرب" او "اليهود الشرقيين" قد هجروا او هُجّروا من المغرب والعراق واليمن الخ، وعلى اسرائيل ان تتدبر امرهم في "بلدهم الاصلي"، وفي المقابل فإن العرب (= الفلسطينيين) الذين هجروا او هُجّروا من فلسطين، على البلدان العربية (اي بلدانهم الاصلية) ذات الاراضي الواسعة ان تتدبر امرهم، وان "المجتمع الدولي" والمتمولين الكبار اليهود والعرب عليهم ان يساعدوا ماليا على توطين اليهود (= العبرانيين) العائدين، في "وطنهم الاصلي" اسرائيل، وتوطين اللاجئين العرب (= الفلسطينيين) في البلدان العربية بين اخوتهم واشقائهم العرب؛ وبذلك تعود المياه الى مجاريها بالصلح والاعتراف المتبادل و"سلام الشجعان" و"السلام العادل والشامل" بين العبرانيين والعرب الذين جاؤوا جميعا من صلب جد واحد هو "سيدنا ابرهيم" (ادام الله عزه)، وان كان الاولون جاؤوا من رحم الست (ساراي او سارة) والاخرون جاؤوا من رحم الجارية (هاجر). (وين المشكل؟ ما فيه مشكل! انه مجرد "خلاف عائلي" بين ابناء "ضرتين" فاضلتين، تغمدهما الله بواسع رحمته!).

وهذا التفسير المسطح يخلط عن عمد بين الدين الاسلامي والعروبة:

فأولا ـ ان "الكنعانيين" (احد اهم روافد الامة العربية) هم سكان فلسطين الاصليين، وهم الذين سكنوها وعمروها قبل ظهور "الديانة!" اليهودية، وقبل مجيء العبرانيين بألوف السنين. وحينما غزا العبرانيون المتهودون فلسطين، فإنهم لم يأتوا الى ارض قفراء مجهولة الاسم. بل اتوا ـ وكما تعترف التوراة ذاتها ـ الى "ارض فلسطين" "ارض الكنعانيين واليبوسيين الخ"، التي كانت عامرة وفيها مدن وكروم الخ.

وثانيا ـ بعد ظهور المسيحية، فإن المسيح وتلامذته وقسما كبيرا من اليهود انفسهم، بالاضافة الى الكنعانيين الخ، تحولوا الى المسيحية. وبعد ظهور الاسلام، فإن القسم الاكبر من سكان فلسطين تحولوا الى الديانة الاسلامية. فهل التحولات الدينية تلغي تلغي الانتماء الوطني والقومي، وبالتالي تلغي "فلسطينية" المسيحيين والمسلمين، وتلغي "عروبة" (كنعانية الخ.) الفلسطينيين؟!

XXX

حيال هذه المحاولات المشبوهة لربط الصراع الدائر بالاوضاع السياسية الراهنة فقط، او بالترهات والاكاذيب التي تلبس لبوس "الدين" و"القومية" حسب المفاهيم التي تنتجها مطابخ الكذب الاميركية ـ الصهيونية، والتي تهدف الى تضليل الجماهير وإذكاء الفتن من ضمن الخطة الاميركية لنشر "الفوضى البناءة" او "اللااستقرار البناء"؛ ـ حيال ذلك من الضروري جدا العودة الى اسس الصراع بين الامة العربية والصهيونية والامبريالية. فهذه الاسس تعود بجذورها الى نشأة "الديانة!" اليهودية ذاتها، بشكل خاص، والى نشأة ظاهرة الرأسمالية والعبودية والغزو والاستعمار والامبريالية بشكل عام. ومن ثم من الضروري ازالة الكثير من الاضاليل والمفاهيم الخاطئة حول طبيعة الصراع العربي ـ الاسرائيلي/الامبريالي؛ وفضح الدور التخريبي، التدميري، الاستغلالي والاستعماري الذي اضطلعت به "الديانة!" اليهودية منذ ظهورها الى اليوم.

ويأتي على رأس هذه الاضاليل، التي يتستر خلفها دعاة "السلام" مع اسرائيل، الادعاء بأن "الدين!" اليهودي هو "دين سماوي!"، "الهي!"، "توحيدي!". وان الصراع العربي ـ الاسرائيلي هو في اساسه صراع ديني: يهودي ـ اسلامي/مسيحي، كما اسلفنا. وان هذه الاديان الثلاثة هي في جوهرها لها منبع واحد؛ وان مسؤولية النزاع تقع على عاتق القادة الدينيين والسياسيين من كل الاطراف، وان الحل المنطقي هو في التآخي الديني مع اليهود واقامة "السلام" معهم.

ان هذا التفسير يقوم من الاساس على منطلق خاطئ، ذلك ان "الدين!" اليهودي هو "دين استثنائي ـ عنصري" أي "غير توحيدي"، باعتراف اصحابه انفسهم، الذين يسمون انفسهم "شعب الله المختار!"؛ ولو لم يكن الدين اليهودي دينا استثنائيا، مختلفا وشاذا عن مختلف الاديان الاخرى، وخصوصا الدينين التوحيديين المسيحية والاسلام، فلماذا ظل انتشاره محدودا جدا بالرغم من قدمه السحيق؟

اننا لا ندعي لانفسنا الاهلية (ولا نملك طبعا الرغبة) في المناقشة "اللاهوتية" و"الدينية الماورائية" البحت للدين اليهودي او اي دين آخر. بل كل ما يهمنا هو الطابع "الانساني" "البشري" "المجتمعي" للدين اليهودي. مثلا: ان الدين اليهودي يدعو الى ابادة العرب. ونحن لا يهمنا اذا كان الداعي ("الموسى" او "اليهوه" او كائنا من كان) هو "الله" ذاته الذي يؤمن به المسيحيون والمسلمون ايضا. وحينذاك كيف يقول السيد المسيح "مملكتي ليست من هذا العالم"؟ وكيف يقول القرآن الكريم عن العرب "خير أمة اخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر"، في الوقت الذي يدعو فيه "الله" التوراة الى ابادة العرب (الكنعانيين الخ.). اي "الله" نصدق؟ او من هو "الله"؟ ان "الذات الالهية" هي "فوق البشر"، "اكبر واوسع وفوق الفكر البشري" وطبعا هي "فوق اي محاسبة بشرية"؛ ونترك لرجال الدين الاجلاء ان يحلوا لنا هذه الالغاز، اذا كان بامكانهم ان يحلوها، وخاصة ان يعطونا على الاقل "طرف خيط" يرشدنا الى "الحكمة الالهية" من الدعوة التوراتية لابادة العرب والاستيلاء على بلادهم واراضيهم وبيوتهم ومدنهم.

بين ظهور اليهودية وظهور المسيحية انتظرت الانسانية الف سنة، ثم انتظرت اكثر من ستماية سنة اخرى حتى ظهور الاسلام؛ ثم انتظرت اكثر من الف واربعماية سنة حتى ظهور اسرائيل، ولم تحل هذه المشكلة "الالهية!"، بل على العكس نجد ان اليهود يطبقون يوميا الدعوة التوراتية لابادة العرب رجالا ونساء واطفالا. ونجد ان العصا السحرية لموسى وسيف يشوع بن نون ومقلاع داود قد تحولت الى دبابات ميركافا وطائرات اشباح واباتشي وصواريخ ذكية وقنابل عنقودية؛ فهل هذه مشيئة "الله" ووصيته لـ"شعبه المختار!"؟! لنترك رجال الدين الاجلاء في عليائهم وسماواتهم، ولننظر الى الواقع البشري، الواقع الانساني الاليم الذي ينتج اليوم، ونتج عبر التاريخ، عن ممارسة "اليهودية!". ولنتساءل حينذاك، كبشر، هل اليهودية هي "ديانة!" ام عصابة اجرامية استعمارية تتستر بالدين؟!

ان الذي يهمنا ـ بشريا ـ هو: ان الاقوال "التوراتية"، والممارسة اليهودية المبنية عليها، هي "دعوة للقتل" و"تحريض على القتل" و"عمليات ابادة وقتل"؛ وبالمفهوم البشري الارضي البسيط فإن "الداعي او المحرض على القتل" و"المؤمن: ناقل او المبشر بهذه الدعوة" و"منفذ هذه الدعوة" هم شركاء في "جريمة التهديد بالقتل" ومن ثم في "جريمة القتل".

والتاريخ البشري، والتاريخ الديني بالاخص، هو مليء بالنزاعات والصراعات، التي استمر بعضها عشرات ومئات السنين. ولكن هذا لا يلغي "استثنائية" الحالة اليهودية. وهنا لا بد من ايراد الملاحظات التالية:

1 ـ في الغالب تلقى مسؤولية النزاعات او الصراعات الدينية والمذهبية على عاتق "البشر"، اي رجال الدين والسياسيين الذين يقودون تلك الاديان والمذاهب.

2 ـ حينما توجد نصوص دينية "نزاعية" او "عدائية" او "تحريضية"، فهي تكون موجهة ضد "اعداء الدين المعين": "الكفار"، "المشركين"، "اعداء الله" الخ. دون تسمية "شعب معين" او "امة معينة" او "قبيلة معينة"، بالمعنى العنصري او القومي. وبالتالي فإن التوجيه المعادي يكون له طابع "عقيدي"، "ديني"، "مذهبي"، "ايديولوجي" او "فكري"، وليس عنصريا او قوميا.

3 ـ اما الدين اليهودي فهو "في اساسه" وفي "صلب عقيدته"، اي في "عقده الاصلي" و"عقيدته الاصلية"، ينص على "الثقافة" العنصرية: الدعوة الى التفوق العرقي او القومي من جهة (الادعاء بأن بني اسرائيل هم "شعب الله المختار!")؛ والدعوة الى ابادة شعب معين (الدعوة الى القضاء على العرب، وابادتهم واغتصاب مدنهم وبيوتهم وحقولهم واراضيهم) من جهة ثانية؛ والى اذلال و"كسر" واستخدام واستغفال جميع الشعوب الاخرى (ممارسة الربا مع "الاجنبي"؛) ("وأرسل هيبتي امامك وأكسر جميع الامم الذين تصير اليهم واجعل جميع اعدائك بين يديك مدبرين" ـ سفر الخروج، الفصل 23، الرقم 27) من جهة ثالثة.

وكل ذلك يأتي لا في بعض الشروح والنصوص الدينية الثانوية، بل في النص الديني اليهودي الرئيسي، الذي هو في متناول كل من يريد، والمسمى "الكتاب المقدس!" جدا اي "التوراة".

وهناك فارق جوهري، مثلا، بين ان يدعو احد الاديان الى محاربة "الكفار" او "اعداء الله"، وبين الدعوة الى ابادة العرب (الكنعانيين وغيرهم) بالاسم. فالدعوة الاولى هي شكل من اشكال الصراع الديني؛ اما الدعوة الثانية فهي موقف عنصري مفضوح، لـ"شعب معين" ضد "شعب آخر"، وان كان باسم الدين.

وبهذا فإنه ـ اي الدين اليهودي ـ يختلف اختلافا جوهريا وجذريا عن اي دين آخر. ولا تنطبق عليه حتى مفهومة "التعصب الديني"، التي تعني عمليا "التعصب لموقف" او "التعصب لقناعة" ضد "موقف" آخر او "قناعة" اخرى؛ انما هو مبني على "التعصب الفطري" او "تعصب الدم" او "التعصب الدموي" ضد شعب معين او الشعوب الاخرى. وبهذا تنتفي عنه الصفة "الالوهية" او "الدينية" التي تتميز بها الاديان "السماوية" الاخرى، وحتى بعض غير "السماوية"، التي تدعو الى نشر "الايمان" و"العقيدة" لدى الجماعات والشعوب الاخرى، لا الى "الابادة" و"القتل" و"السلب" و"النهب" و"الاستغلال" و"الربا" كما هو ما يسمى مجازا "الدين!" اليهودي!

ولشرح هذه النقطة حول "شذوذ" "الدين!" اليهودي عن الاديان الاخرى، ليسمح لنا القارئ بأن نقدم مثال مقارنة عن الجمعيات او المنظمات في المجتمع المعاصر:

يتجه المجتمع المعاصر اكثر فأكثر نحو الانخراط في الاحزاب والجمعيات والمنظمات والنوادي على اختلافها: من الاحزاب السياسية الكبرى، الى الجمعيات والمنظمات والنوادي الخيرية والثقافية والرياضية والنقابية وحقوق الانسان والدفاع عن الحريات و"الرفق بالحيوان" والعناية بالبيئة وبالنظافة في المدن الخ الخ الخ. والانتساب الى الاحزاب والجمعيات هو امر طبيعي تماما ويدل على النضج الاجتماعي للانسان المعاصر ورقي المجتمع المدني. ونشوء الاحزاب والجمعيات والروابط والنوادي هو تعبير او انعكاس للنشاط "المفيد" في المجتمع الانساني المعاصر.

ولكن في المقابل يوجد في المجتمع المعاصر نشاط "مغاير" و"غير مفيد": تخريبي، ضار، فسادي وافسادي واجرامي. وهذا الجانب المظلم يعبر عن نفسه ايضا في نوع آخر من الجمعيات والمنظمات، التي تمثل الوجه السلبي للمجتمع المعاصر، ويدل وجودها على انحطاط المجتمع المدني وليس على رقيه، ونقصد بها: المافيات والعصابات وجماعات الجريمة المنظمة، التي اصبحت سمة ملازمة للمجتمع الرأسمالي الحديث.

وقلما يوجد انسان لم يسمع بتنظيم "المافيا": من وجهة النظر التقنية والآلية التنظيمية فإن "المافيا" هي جمعية بكل معنى الكلمة، بل ربما تكون "ارقى" و"اكثر تماسكا" و"اكثر انضباطا" و"اكثر فعالية" و"اكثر مردودية" من اي جمعية اخرى او تنظيم نقابي او حزبي او اهلي او حتى عسكري، آخر. ومع مرور الوقت، فإن الجريمة المنظمة تصبح اكثر فأكثر هي المهيمنة على الدورة الحياتية في النظام الرأسمالي المعاصر. ويصبح الرؤساء والملوك والامراء ورؤساء الوزارات والوزراء والنواب وقادة الاحزاب والنقابات والسينما والتلفزيون والصحافة والبنوك والبورصات والشركات الكبرى (وخصوصا الشركات متعددة الجنسية)، ـ يصبحون اكثر فأكثر واجهات وادوات للمافيا ولـ"منظمات" الجريمة المنظمة.

ومع ذلك فليس من الطبيعي ان ينظر احد الى "المافيا" او اي عصابة من عصابات الجريمة المنظمة على انها "جمعية طبيعية" وشرعية، كأي جمعية او ناد او حزب او منظمة اخرى. فـ"المافيا" ومنظمات الجريمة المنظمة هي "جمعية" من "طبيعة اخرى"، "طبيعة مخالفة للطبيعة" الاجتماعية. والمواطن، خصوصا اذا كان مواطنا صالحا، "لا يحق له" ان ينتسب الى المافيا، حتى لو كان عمله فيها "انسانيا"، اي يقوم فقط على دفن قتلى المافيا وتقديم المساعدة المالية وغيرها لايتامهم. فحرية الانتساب الى الاحزاب والجمعيات والتنظيمات لا تشمل طبعا حرية الانتساب الى المافيا، لان المافيا ليست "جمعية اجتماعية" وانسانية، بل هي "جمعية ضد المجتمع البشري" وضد الانسانية. طبعا ان القانون يعاقب على الجرائم الصغيرة والكبيرة التي ترتكبها المافيا. واكثر من ذلك: ان القانون "يمنع" المافيا، ويعتبر مجرد الانتساب اليها جريمة تخضع للعقاب. وان جميع افراد عائلات واقرباء رجال المافيا، حتى الاطفال والنساء والعجزة، وحتى لو لم يكونوا هم انفسهم اعضاء في المافيا، الا انهم دائما يكونون تحت الشبهات والمراقبة من قبل رجال الشرطة والقضاء والمواطنين العاديين.

وبالمقارنة بين "الديانة!" اليهودية وغيرها من الاديان"الطبيعية"، فإن "الديانة!" اليهودية بين الاديان، هي اشبه ما تكون بالمافيا بين غيرها من الجمعيات والمنظمات "الطبيعية". وبكلمات اخرى ان "الديانة!" اليهودية هي "ديانة!" مافياوية او مافيا دينية.

ولا بأس من اجراء المقارنة التالية بين المنتسب الى اي جمعية او تنظيم عادي، وبين المنتسب الى المافيا، ومن ثم المنتسب الى "الديانة!" اليهودية:

1 ـ ان اي منتسب الى حزب او تنظيم او ناد ما، يفتخر ويتباهى بانتسابه ويتظاهر علنا به ويضع شارة الحزب او النادي على صدره ويرفع علمه (اذا وجد) في بيته. وهو غير مضطر لان يكذب ويخفي انتماءه الا في حالات الاضطهاد والملاحقة، فيما يتعلق بالمنتسبين الى الاحزاب والتنظيمات المعارضة في الانظمة الدكتاتورية او المعادية لتلك التنظيمات.

2 ـ اما المنتسب للمافيا، فهو يحرص على التخفي وعلى عدم البوح بحقيقة انتسابه. ولاجل اخفاء حقيقته وحقيقة نشاطه، فهو يلجأ الى الكذب، والى تغطية نشاطه الحقيقي، بنشاط تمويهي كاذب، كأن يفتتح مكتبة او اي "محل" او مكان عمل مناسب قبالة، مثلا، البنك الذي يراقبه لمصلحة المافيا من اجل السطو عليه؛ او كأن يفتتح مطعما لتغطية عمله في استلام وتسليم شحنات المخدرات او القيام بتوزيعها على "الزبائن".

3 ـ اما "الديانة!" اليهودية فهي "تجمع الضدين" اي انها لا تستحي بطبيعتها المافياوية، بل هي تفتخر بذلك وتنادي به بأعلى صوتها وفي اقدس كتبها، او في كتابها المقدس الرئيسي، الذي هو التوراة، التي تدعو الى اغتصاب ارض العرب وسلبهم وتقتيلهم وابادتهم. ولكنها لا "تجرؤ" على البوح بذلك استنادا الى اي "قوة خارقة" لليهود كبشر، بل استنادا الى كذبة كبيرة مسبقة، وهي الادعاء بأن "جرائميتها" المافياوية هي ارادة "ربانية!"، "الهية!"، وان ما تقوم به من دعوة ابادة وجرائم ضد العرب انما هو تنفيذ لـ"وعد الهي!" و"عهد الهي!"، و ـ حسب منطوق هذا "الوعد الالهي!" و"العهد الالهي!" (!!!) ـ فإن العصابة الاجرامية اليهودية (وقبل 3000 سنة من "المانيا فوق الجميع" لهتلر) تعتبر نفسها هي "افضل البشر" طرا و"فوق البشر" جميعا، لأنها هي "شعب الله المختار!" المكرس نفسه لا لشيء آخر سوى لتنفيذ "عهد الله!" و"وعد الله!". وبكلمات اخرى فإن "الله" الهودي المزعوم يصبح هو "الغطاء السماوي" لجرائمية المافيا، وعلى البشر ان يسلموا بـ"شرعية" هذه الجرائمية، وخصوصا على العرب ان يسلموا رقابهم للذبح ونساءهم للفضح، لأن هذه هي "ارادة الله!" التوراتي.

ان اجهزة الشرطة الاميركية اذا داهمت منزل اي مواطن اميركي من اصل عربي او مسلم، ووجدت لديه اي منشورات او كتابات اسلامية ضد الصهيونية والامبريالية، او حتى اذا وجدت كتاب تعليم ديني مدرسي للاطفال او حتى نسخة من القرآن الكريم، فإنها تعتقله بتهمة حيازة هذه المواد الاعلامية "الارهابية" التي تعتبرها "معادية للسامية" (اي معادية لليهود)، وتلقي به في غوانتنامو او اي سجن سري او غير سري تابع للمخابرات الاميركية، ويتعرض للتعذيب "المشروع" و"المقونن" او "غير المشروع". ولا يخرج من السجن الا بعد سنوات، وبعد دفع كفالة مالية كبيرة، والتأكيد بأنه ليس مسؤولا عن هذه المنشورات، لا كتابة ولا توزيعا الخ. وانه تلقاها ببريده العادي كما يتلقى اي اعلان من اي شركة لتنظيف وكوي الملابس.

وان المفكر الليبيرالي الجديد، والماركسي المزيف القديم، العفيف الاخضر وبوقه الصغير السيد اشرف عبدالقادر، وفوقهما كل الآلة الاعلامية الاميركية ـ الصهيونية، يدعون الى تغيير الكتب الاسلامية وخصوصا مناهج التعليم الاسلامية، لانها تنتقد اليهود والنفاق اليهودي وما اشبه.

وهذا كله طبعا يدخل تحت عنوان "الدمقراطية" و"الحرية الفكرية" و"حرية الاديان" ومكافحة "معاداة السامية" (= اليهودية) التي تعتدي على حرية "المعتقد الديني" لليهود الاجلاء، عظم الله جلال قدرهم.

اما ان الكتابات اليهودية تكذب 2 ملياري مسيحي حول مجيء السيد المسيح وصلبه، ويدعي بعضها انه دجال وابن عاهرة اسمها مريم ضاجعت جنديا رومانيا اسمه يوسف بانتيرا، فهذه "حرية رأي" و"حرية معتقد" مصانة بالقوانين "الدمقراطية" الحريصة على "حقوق الانسان" و"حقوق الحيوان" جميعا؛

فهل هناك "كيل بمكيالين" و"ازدواجية معايير" اكثر واوقح واحط من ذلك؟!

ان التوراة اليهودية (ولم يثبت الى الان وجود توراة غير التوراة الموجودة بين ايدي اليهود، والمودودة في جميع البلدان العربية وجميع بلدان العالم طرا) تدعو علنا وعلى رؤوس الاشهاد الى اغتصاب ارض العرب من الفرات الى النيل، والى ابادة العرب نساء ورجالا واطفالا، ويعتبر هذا "كلاما ربانيا!" نقله او ادعاه رئيس عصابة ينبغي علينا ان نصدقه ونصدق انه "كليم الله!" يدعى موسى، هو ـ حسب رواية التوراة ذاتها ـ ليس سوى لقيط تحول الى قاتل وقاطع طريق ومدعي نبوة. ومثل اي مافيا في عصرنا، فإن "الدين!" اليهودي هو، ومنذ البداية، مفروض بالقوة، وتحت طائلة القتل، على ابناء العشيرة العبرانية ذاتها، وهذا ما تعترف به التوراة ذاتها؛ اذ حينما جرى اختلاف بين موسى وهارون على قيادة العصابة التي جوعت المصريين ونهبتهم وهربت من وجههم، قام هارون بنصب العجل الذهبي، وقام موسى بحفر الحجرين او اللوحين، وحينما رأى موسى ما فعل هارون عمد الى اجبار العبرانيين على ابتلاع الذهب الذي صنع منه هارون "العجل الذهبي" ثم اعمل السيف في رقابهم ("فلما دنا من المحلة رأى العجل والرقص فاتقد غضب موسى فرمى باللوحين من يدي&