التوازن المفقود بين الأرض والسكان فى مصر

 

فتحى سيد فرج

fathifarag_2000@yahoo.com

 

الحوار المفتوح العدد 3. 16/1/2007

 

 

 

مــقــدمــة

تشكل العلاقة بين السكان والموارد الطبيعية فى مصر وضعا لا مثيل له فى أى مكان آخر من العالم ، فالمؤشرات الديموغرافية تشير إلى أن سكان مصر قد تضاعفوا خلال قرنين من الزمن 25 ضعفا ( 2.5 مليون نسمة عام 1800وصلوا إلى 63.9 عند عام 1999 ) وما تزال معدلات النمو السكانى فى مصر مرتفعة وتفوق المعدلات العالمية ، فى ظل نمو محدود للموارد الطبيعية وانخفاض مؤشرات النمو الاقتصادى بوجه عام .

ويحلوا للمسئولين ترديد أن التزايد السكانى هو السبب الرئيسى لما تعانيه مصر من مشاكل ، وهو الذى يحرمنا من جنى ثمار التنمية ، والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند حدود التزايد السكانى ، بل ما يفاقم الأوضاع المتردية أن هذا التزايد ينحصر فى مساحة جد ضيقة من أرض الوطن بشكل يفوق قدرة هذا الحيز الضيق عن استمرار استيعاب هذا التدفق البشرى .

والأمر الأكثر خطورة هو أن الموارد الطبيعية بشكل عام ، والأرض والمياه بشكل خاص ، تتعرض لقدر كبير من الفقد والتدهور عاما بعد عام بل ويوما بعد يوم ، بما يؤدى إلى نضوب هذه الموارد أو عدم صلاحيتها لاستمرار الحياة عليها فى الأمد المنظور .

ويشير جمال حمدان فى أوراقه الخاصة إلى أن " مصر اليوم آما القوة أو الانقراض ، آما القوة وآما الموت ، فالمتغيرات أخذت تضرب فى صميم الوجود المصرى ، فالأرض أصبحت معرضة للتآكل الجغرافى لأول مرة فى التاريخ كله وإلى الأبد ، مغلقة بيولوجيا بلا صرف ، لا تتجدد مياهها أو تربتها ، وبيئة تلوث نموذجية ، وبعد أن كانت مصر سيدة النيل ظهر لها منافسون ومطالبون ومدعون بحقوق ، رصيدها المائى اصبح ثابتا ومحدود ، بلغ سكانها ذروة غير متصورة بينما القاعدة الأرضية والمائية فى ثبات أو انكماش أو انقراض بعد أن تعدى عامل السكان إمكانات الأرض ، وهو لا يتجاوز إمكاناتها فحسب وإنما يقلصها بقدر ما يتوسع إسكانا فى المدن والقرى والطرق ، حتى سيأتى اليوم الذى تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر ، لتصبح كلها مكان سكن ، دون مكان عمل ، أى دون زراعة ، أى دون حياة ، لتتحول كلها فى النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة ، مع كل هذه الانكماشات الداخلية آتت الكوارث الخارجية بالجملة ، وأصبحت المتغيرات الداخلية تخرب المكان ، والمتغيرات الخارجية تخرب المكانة " ورغم هذا القدر الكبير من النظرة التشاؤمية ، إلا أنه يعبر عن حقائق قد تكون صادمة طالما استمرت هذه الأوضاع ، ما لم تتغير فى وقت قريب .

أولا السيناريو المتشائم

تعانى مصر خاصة فى السنوات الأخيرة من أزمة مستحكمة على جميع الأصعدة ، فالاقتصاد المصرى أصبح يعانى من اضمحلال شامل لقاعدته الإنتاجية ، ولم تتمكن الدولة من تأسيس اقتصاد يصلح للتفاعل مع المتغيرات العالمية ، أما فى مجال الثقافة فالمجتمع أصبح يعيش حالة حيرة شاملة وفقدان القدرة على الإبداع والتمتع بقدر من الحريات الفكرية ، وفى مجال السياسة فقدت الدولة هيمنتها على توجيه حركة المجتمع ، وعدم الرغبة فى السماح بصيغة ديمقراطية أو تأمين حقوق الإنسان وكرامة الفرد ، وبالتالي فأن المجتمع والدولة فى حالة افتقاد للعمل الجاد وحسن المبادرة والقدرة على تجميع الأمة وراء هدف محدد ، ويسود مناخ من التشاؤم وعدم الاكتراث جنبا إلى جنب واللجوء إلى الحلول الفردية ، مع هواجس تدور حول إصلاحات غامضة ومتناقضة ، ومشروعات غير مدروسة تنبئ بالفشل ، وهذه الإصلاحات والمشروعات تتبدل وتتغير بتغير الأشخاص ، وهناك انفصال بين العقول المفكرة وبين متخذي القرار ، ولا يتم الاستفادة من الرؤى والاطروحات التى تحاول وضع خطط أو تصورات استراتيجية للخروج من هذه الأزمات .

المشكلات تصل إلى حد الكوارث التى تتجلى فى تدنى مستوى الإنتاج الصناعى ، وانخفاض معدل الصادرات ، واستمرار حالة الكساد التجارى وتدهور أسعار الحاصلات الزراعية ، وارتفاع معدلات البطالة ، وأتساع التلوث فى الأرض والمياه والهواء ، وانتشار العشوائية فى السكن والمرور وسلوكيات البشر ، وانخفاض أداء الجهاز الإداري ، وتدنى مستوى الخدمات فى التعليم والصحة والنقل والمواصلات والإسكان .

قد يكون السبب فى كل ذلك مقدار ما تتعرض له الموارد الطبيعية خاصة من الأرض والمياه إلى تدهور وإهدار كبير ينعكس على مجمل الحياة فى مصر ، وإذا استمرت هذه الحالة فسوف يستمر تدنى نوعية الحياة بصفة عامة مما يصعب معه استمرار البقاء فى بر مصر ، ويمكن تبيان ذلك من خلال الاستعراض الآتى :

 

 

 

 

( جدول 1)

مؤشرات العلاقة بين السكان ومساحة الأرض الزراعية

خلال الفترة من 1897إلى 1997 م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السنة السكان المساحة الزراعية نصيب الفرد من التزايد تزايد

بالمليون مليون فدان المساحة م2 السكانى المساحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1897 9.7 5.09 2184 ــــ ــــ

1917 12.7 5.27 1722 30 % 3. %

1937 15.9 5.28 1386 23 % 1.. %

1957 25.3 5.74 966 62 % 8. %

1977 38.8 5.53 588 51 % بالسالب

1997 62.7 7.52 504 61 % 36 %

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلال القرن 546 % 47 . %

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2006 73.7 8.3 473 18 % 10 %

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لعل بيانات هذا الجدول توضح بجلاء مدى الاختلال بين تزايد السكان ، وتزايد مساحة الأرض الزراعية فى مصر خلال قرن من الزمان ، فبينما تضاعف السكان حوالى 5.5 مرات ، ظلت مساحة الأرض فى حالة ثبات نسبى حتى بعد منتصف القرن ، ولم تزد إلا بمقدار النصف تقريبا قرب نهاية القرن ، وهذا يعكس حجم الفارق بين أهم مورد لاستقرار البشر وقدرتهم على إنتاج غذائهم ، وتدبير حاجاتهم الأساسية من السكن والمرافق والأنشطة الاقتصادية الأخرى ، وبين الطوفان البشرى الذى يتزايد باستمرار بمعدلات مرتفعة .

وبالتمعن فى هذا الجدول يتضح مقدار التزايد النسبى للسكان كل 20 عاما ، والذى لا يقل عن 23 % وقد يصل إلى أكثر من 60 % فى بعض المراحل ، أما المساحة الزراعية فلم تصل نسبة التزايد النسبى فيها أكثر من 8 % خلال الخمسينات ، وعادت إلى التناقص السلبى خلال السبعينات . وإن كانت حققت زيادة تصل إلى 36 % خلال الثمانينات والتسعينيات ، إلا أن متوسط نصيب الفرد كان فى تناقص مستمر طوال القرن بفعل التباين الصارخ بين تزايد السكان والأرض ، فبعد أن كان نصيب الفرد فى بداية القرن يصل إلى أكثر من نصف فدان ، تدنى إلى مستوى أقل من 1/8 من الفدان فى نهاية القرن ، والحبل على الجرار فى استمرار هذا التباين ، مما يجعلنا نقدر صدق جمال حمدان فى رصد حقائق الواقع وإن كانت مفزعة .

ومما يؤكد ذلك ما يرصده المختصين وعلماء الأراضى فى مصر فيشير د . عاطف كشك إلى عديد من التقديرات لمعدلات اختفاء الأراضى الزراعية تحت استعمالات العمران ، فخلال السبعينيات بلغت نحو 52 ألف فدان سنويا ، وهناك من يرتفع بالرقم إلى 60 ألف فدان سنويا ، ويعرض لرأى جمال حمدان من أن جملة الفاقد حتى 2000 سيصل إلى 2.5 مليون فدان ، وهذا الفاقد يعادل كل ما ينتظر استصلاحه من الأراضى ، رغم الفارق الكبير فى قيمة المفقود من الأراضى القديمة ، وبين ضعف إنتاجية الأراضى الجديدة إضافة إلى تكاليف استصلاحها . ويحذر بعض العلماء ومنهم فاروق الباز بأن الأمر لو استمر بهذا المعدل فأن الأراضى الزراعية ستنقرض خلال 60- 90 عاما على الأكثر .

ويعرض د .محمد مدحت مصطفى بيانات إحصائية من واقع دراسة قام بها معهد التخطيط القومى توضح أشكال الفقد فى الأراضى الزراعية خلال الفترة من 1983- 1990 ففى إطار التدهور المباشر والذى يؤدى إلى خروج الأرض من نطاق النشاط الإنتاجى ، كالتجريف والتبوير والبناء عليها وأشكال أخرى من التصحر والتعرية بلغت جملة المساحة المفقودة 53.4 ألف فدان . إضافة إلى تدهور غير مباشر نتيجة الإفراط فى استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية والمخلفات الصناعية ، وأساليب إدارة المياه من رى وصرف ، وعدم التزام بالدورة الزراعية التى تمنع تتابع المحاصيل ، وكل ذلك يؤدى إلى انخفاض إنتاجية الموارد الزراعية .

 

ويركز عاطف كشك فى هذا الصدد على أثار تكثيف وتحديث الزراعة فى مصر ، باعتباره عاملا أساسيا فى تدهور الأرض ، فكل قطعة من الأرض لها قدرة تحددها الطاقة الكامنة فيها ، ويمكن زيادة إنتاجية الأرض بإضافة بعض المدخلات ، ولكن ذلك لن يستمر طويلا ، إذ يختل بعدها التوازن الذى يحكم علاقة الأرض بعوامل تكوينها ، كما يضيف أشكال أخرى من التدهور غير المباشر مثل ، انتشار الأراضى الغدقة والمتأثرة بالأملاح ، وخطورة زحف الصحراء على أطراف الوادى والدلتا ، والتلوث بالمواد المشعة . كما يلفت النظر لظاهرة تفتت الحيازات لما تمثله من عدم قدرة صغار الفلاحين من المحافظة عليها لفقرهم وقلة حيلهم ، وعدم قدرتهم على صيانتها أو تحسينها ، وانقطاع صلاتهم بالخدمات التى يمكن أن يتمتع بها كبار المزارعين مثل ، الاستفادة من نتائج البحث العلمى والإرشاد والتسليف .

وفى بحث آخر لد .مدحت مصطفى عن " مشكلة الاعتداء على الأراضى الزراعية " يعلق فيه على الغاء الأمر العسكرى الخاص بحظر تبوير وتجريف الأراضى وإقامة مبان أو منشآت عليها يذكر الآتى :

· فى صباح30 سبتمبر2003 ظهرت الصحف تحمل إعلان رئيس الجمهورية بإلغاء الأوامر العسكرية .

· فى ليلة 1أكتوبر وخلال أقل من 48 ساعة انطلقت آلاف السواعد المسلحة بأسلحة الدمار الشامل لتقوم بلاعتداء على أكثر من 1000 موقع للبناء عليها .

· طوال شهر أكتوبر تخبط المحافظين ، فبدون الأمر العسكرى لا يملكون أية سلطة تجاه المخالفات ، لان المحكمة الإدارية العليا منعت وزير الزراعة أن يفوض المحافظين فيما هو مفوض فيه .

· فى 12 يناير 2004 يدلى وزير الزراعة بتصريح : يذكر فيه أنه سيتم التنازل عن القضايا والأحكام الخاصة بحبس المواطنين المعتدين بالبناء مراعاة للبعد الاجتماعى وحرصا على استقرار الأسر المصرية ، وأنه لا هدم لأى مبنى ما دام يعيش به سكان إلا فى حالة وحود بديل توفره المحافظة .

هذا وبعد السماح للبناء فى المتخللات نجد ظاهرة التوسع فى التبرعات الوهمية ، مثل التبرع بقراريط قليلة على بعد أكثر من كيلو من القرية لبناء مدرسة ، بعدها يتم الاعتداء على المساحة بين القرية والمدرسة ، ويرى د. مدحت أن هذه الكارثة تعود بسبب : أن الزيادة السكتنية مستمرة ولن تتوقف على المدى المنظور ، وأن إقامة السكان الجدد داخل الكتلة السكنية الحالية مستحيل إلا بالقضاء على ( الدجاجة التى تبيض ذهبا – أى الأرض الزراعية ) والمستفيد الأول هم سماسرة تقسيمات الأراضى .

الخلل إذن ليس الأرض ولكن فى النظام الاقتصادى والاجتماعى الذى عجز عن توفير احتياجات المواطنين للمساكن خاصة الفقراء ، والغريب فى الأمر أن الحكومة تعتبر أكبر متعدى على الأراضى بغرض المنفعة العامة ، ويتم التوسع فى ظاهرة التعدى فى المواسم الانتخابية التى ترتفع فيها الأصوات مطالبة بتوصيل الكهرباء والمياه حتى للعشوائيات ، والأكثر غرابة مشاركة الفلاحين أنفسهم فى التعدى على الأرض بشكل اضطراري لعدم وجود بدائل للبناء عليها .

وهذا الوضع ينعكس على مجمل حياة المصريين ، ويسبب مجموعة من الفجوات ، فنرى اتساع حجم الفجوة الغذائية ، وتزايد حدة الفجوة العمرانية ، بين احتياجات المصريين للسكن والمرافق والخدمات العامة والمنشآت الاقتصادية ، وبين ضيق المكان ، مما يسبب اعتداء على أهم ثروة تكونت عبر آلاف السنين ، ومن الصعب بل من المستحيل تعويضها ، وهى الأراضى الزراعية القديمة فى الوادى والدلتا