مواجهة خطاب التنميط  والعنف الغربي

بين التناول العلمي  والالتزام الأيديولوجي

رؤية تحليلية في فكر فهمي هويدي

 

صالح سليمان عبد العظيم

salehabdelazim@hotmail.com

 

الحوار المفتوح العدد 16: 2/2/2007

 

في يوم 4/9/2001، كتب عبد المنعم سعيد المثقف المصري  البارز، والذي يعمل مديراً لمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام‏,‏ كما أنه، أحد الناشطين في مجموعة كوبنهاجن التي نتجت عن إتفاقية أوسلو وتشكلت لدفع عملية السلام والتطبيع مع إسرائيل، مقالاً في جريدة الأهرام القاهرية  بعنوان "استنكار الاستنكار... وشجب الشجب"، تعرض فيه بالتحليل والنقد للأصوات التي استنكرت وشجبت ما قامت به المؤسسات السياسية الرسمية العربية من استنكار وشجب لما تقوم به اسرائيل تجاه الفلسطينيين من قتل وهدم وتشريد.  اشتملت هذه الأصوات على التيار الشعبي من جانب، وعلى عموم المثقفين من جانب آخر.  وفي هذا السياق، كانت الحجج التي ارتكز إليها عبد المنعم سعيد أننا يجب أن نضبط كلماتنا، ولا نشجب أو نستنكر إلا بعد أن ندرك حقيقة الأرض التي نقف عليها، مؤكداً، رغم ذلك، أنه لا يهدف من وراء كلامه تثبيطاً للهمم، أو تقويضاً للعزائم.

  

         فيما تلي ذلك، رد عليه فهمي هويدي بمقال آخر ، نُشر في نفس الجريدة يوم 11/9/2001، بعنوان "في لزوم استنكار الاستنكار"، وواضح من العنوان موقفه المضاد تماماً لرفض استنكار الاستنكار الذي  قال به عبد المنعم سعيد في مقالته سالفة الذكر.  يرفض هويدي ما جاء به عبد المنعم سعيد، ويتهمه بأنه كتب ما كتب من أجل عيون الأنظمة والحكومات العربية، متناسياً أو متجاهلاً ما يمكن أن تقوم به الشعوب العربية من جانب، والمثقفون العرب  من جانب آخر، من مواقف وطنية ومؤثرة في المنطقة العربية.   من أجل ذلك، يضع، أو يرمي هويدي نفسه وقلمه في رحاب الشعوب والمثقفين بوصفهم المعادل الموضوعي لهشاشة الأنظمة والحكومات العربية.

 

بالطبع لا يحدد هويدي، عن أية شعوب، وعن أية مثقفين، يتحدث.  ما هى نوعية الشعوب التي سوف يكون لها الكلمة الفصل تجاه ما يحدث في المنطقة، ومن هم المثقفين الذين سوف يشكلون معادلاً ما أمام إنتهازية الأنظمة العربية ورخاوتها؟   أسئلة لا نعرف لها إجابة هنا، ولا في أى مكان آخر من كتابات هويدي.  إضافة إلى ذلك، يندفع هويدي بقلمه الحاد، ليكمل لنا أن عبد المنعم سعيد يُغلق منافذ المقاومة المختلفة والمتاحة أمام الشعوب والمثقفين العرب، حيث يعمل من طرف خفي في خدمة التوجهات الرسمية التي لا تمل ليل نهار الحديث عن السلام وعدم خوض الحروب مع إسرائيل.  وتمتلأ مقالة فهمي هويدي بالعديد من الكلمات الرنانة والمدغدغة للمشاعر مثل المسئولية، والكرامة، والشرف، والمقاومة، والمواجهة... إلخ من سلة هذه المفاهيم والكلمات النارية.

 

         في الأسبوع الثالث، وتحديداً يوم 18/9/2001، ورغم وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، آثر عبد المنعم سعيد، رغم درايته "بالهول العظيم" الذي حدث في أمريكا، على حد قوله، أن يُخصص مقالته الأسبوعية للرد على ما جاء في مقالة فهمي هويدي السابقة.  كان من الممكن، أن يتلافي عبد المنعم سعيد الرد على هويدي، متعللاً بالكتابة عن يوم "الهول العظيم"، لكنه رغم هذا الهول، آثر أن يرد وأن يدافع عن نفسه، أمام قرائه، وأمام الخطاب الهويدي المناقض لخطابه. 

النقطة الأساسية في مقالة عبد المنعم سعيد، والتي حاول من خلالها أن يُظهر الفرق بين خطابه، وبين خطاب هويدي من ناحية، والتيار الذي يمثله هويدي من ناحية أخرى، هو علمية خطابه، وارتكازه على أسس البحوث والدراسات الاستراتيجية، وكيفية إدراة الصراعات، وتأسيس السيناريوهات البديلة، ووضعها أمام صناع السياسة، والقائمين عليها.  يعني ذلك، من طرف خفي، لا علمية، وربما ديماجوجية وعفوية واندفاعية خطاب هويدي ومن يمثلهم، الأمر الذي يمكن أن يصل بنا، إذا استهدينا بكتاباتهم إلى حالة من الفوضى التي لا تُحمد عقباها. 

 

لا يعني ذلك، أننا أمام كتابة علمية، بما تعني الكلمة من معاني ومتطلبات، فعلينا أن لا ننسى، أن عبد المنعم سعيد يكتب في جريدة يومية، بلغةًٍ يهدف من ورائها أن تُقرأ من قبل العديد من القراء، وليس الصفوة التي ينتمي إليها، ويحمل برودتها الفكرية.  لذلك، فالأمر لا يسلم أيضاً من استخدام كلمات المقاومة، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ومهاجمة اسرائيل، ورئيس وزرائها، ربما بلغةٍ أقسى وأشد ضراوة مما يستخدم هويدي ذاته.

 

         نحن هنا، وكما بدا من خلال محاجات ومناقشات ومناوشات هذين العلمين البارزين، وكما حاول أن يبرز كلٌ منهما، أمام خطابين مختلفين.  أحدهما- وهو هويدي- يستخدم لغة محببة للعامة، تدافع عن العرب والعروبة، الإسلام والمسلمين، والآخر – وهو سعيد- يتمترس بالعلم دليلاً، لا يليق بنا خذلانه إن أردنا التقدم والتطور، حتى لو تعارض ذلك مع ما يؤمن به العامة. 

 

تثير هذه المناقشة بين هويدي وسعيد حدة الخلافات المثارة في عالمنا العربي المعاصر، والتي من خلالها يؤكد البعض على لغة تقترب من دغدغة مشاعر العامة، ومقاومة الآخر، والإعلاء من شأن الشعوب العربية والإسلامية.  في نفس الوقت، الذي يؤكد فيه البعض الآخر على ضرورة تلمس الواقع بشكلٍ عقلاني وموضوعي، وألا تخدعنا الكتابة في الاستفاضة في مشروعات المقاومة الوهمية، التي لا تتناسب مع أوضاعنا المهترئة الحالية.  تثير هذه المناقشات ضرورة الوقوف على محددات الخطاب العلمية الواقعية من جانب، والأيديولوجية الذاتية من جانب آخر، فليس كل ما هو أيديولوجي غير علمي، وليس كل ما هو علمي، غير أيديولوجي.  من هنا، وفي ضوء تحليلنا لكتابات فهمي هويدي يمكن أن نحدد طبيعة وملامح هذا الخطاب في ضوء المراوحة بين ما هو علمي واقعي، وما هو أيديولوجي ذاتي بالأساس.  وهذه هى الإشكالية الرئيسة في هذه الدراسة، والتي تتعلق بمدى مراوحة الخطاب الفكري بين الأسس العلمية، والإلتزامات الأيديولوجية.

 

وسوف تنطلق الدراسة الراهنة في تحليلها لخطاب فهمي هويدي من نقطة محددة من التاريخ المعاصر، منذ الهجمات التي تلقتها أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001.  فمنذ هذه اللحظة زادت حدة وصفاقة الخطاب الغربي بعامة، والأمريكي بخاصة نحو العرب والمسلمين، إضافة إلى حدة وصفاقة خطاب ما يُسمى بالليبراليين الجدد وبعض أبناء الأقليات العربية، المقيمين في الخارج غالباً.  فالأوصاف الجاهزة والمحددة سلفاً من قبل أجهزة الإعلام الغربية، إضافة للكتاب والصحفيين الجاهزين دائماًً للحديث عن كل ما يشين العرب والمسلمين، قد أصبحت جزءاً من خطاب الحياة اليومية الغربية بعامة، والأمريكية على وجه الخصوص. 

 

من هنا فإن اختيار هجمات الحادي عشر من سبتمبر كنقطة تاريخية في الزمان مسألة على قدرٍ كبير من الأهمية، والمشروعية البحثية  في آن.  بالطبع إن الإنطلاق من هذه النقطة التاريخية بالغة التحديد، لا يعني انقطاعها عما قبلها، بقدر ما يعني بالأساس، أننا سوف نركز على الخطاب الغربي الذي تلى هذا التحديد التاريخي، من خلال الكيفية التي واجه بها الخطاب الهويدي هذا الخطاب، مع محاولة تحديد مواصفات هذا الخطاب والسمات المرتبطة به.

    

وعلينا ونحن نقرأ الدراسات والمقالات التي كتبها فهمي هويدي، إضافة إلى العديد من المقابلات التي أُجريت وتُجرى معه، والتي تُشكل في مجموعها، ما نُطلق عليه هنا، الخطاب الهويدي، ألا ننسى في الوقت نفسه أن هويدي، رغم دفاعاته المستمرة والمتلاحقة عن الإسلام والمسلمين، وعن العرب والفلسطينيين، قد أصبح هو نفسه مصدر قوة.   وتنبع هذه القوة من خلال الإمكانات المتاحة له للكتابة في العديد من الصحف العربية الكبرى، حيث ينشر مقالة أسبوعية كل يوم أربعاء في جريدة الشرق الأوسط، إضافةً إلى مقالته الأسبوعية التي ينشرها في جريدة الأهرام القاهرية كل يوم ثلاثاء، ويتم توزيعها في سبع دول عربية هي الكويت، وقطر، والبحرين، والإمارات، والأردن، ولبنان، والسعودية.  إضافة إلى ذلك يكتسب هويدي تأثيره وقوته من خلال تلك الحالة شبه التقديسية من جانب، والولائية من جانب آخر، التى يضفيها عليه قُراؤه، أو بشكلٍ أكثر تحديداً، أتباعه ومريدوه.  

 

ويمكن للمرء متابعة تعليقات القراء على مقالاته في جريدة الشرق الأوسط، حيث نجد، رغم العديد من حالات النقد الموجهة له، العديد والعديد من حالات الوله والإعجاب البالغ به.  والمسألة التي نهدف إليها هنا من خلال ذلك، هى أن نبين المدى الواسع والهائل الذي ما تزال تمارسه الصحافة العربية المكتوبة على عقول القراء والمتابعين لها، ليس فقط في عالمنا العربي، بل من خلال كافة أرجاء العالم المعاصر، بما في ذلك القارئ المسلم بشكلٍ خاص. 

 

ولأن هويدي يتحول بمرور الوقت إلى مثقف حامل لعناصر القوة الغير متوفرة للعديد غيره من المثقفين، فإن ما يكتبه يصبح جديراً بالتحليل والإنتباه، واضعين في الاعتبار أنه يمثل سواء علنياً أو ضمنياً، سواء موضوعياً أو ذاتياً، واجهة لأهم التيارات الموجودة على الساحة العربية المعاصرة، إن لم يكن على الساحة العالمية ذاتها، ألا وهو التيار الإسلامي، بغض النظر عن إضافة اللاحقة معتدل، أو متطرف، وبدون أن يعني ذلك أيضاً أننا نتعامل مع الإسلام على أنه إسلام واحد.  فالإسلام أكبر من أن يُوضع في تصنيف واحد، صارم وقاسٍ ومضلل، وهذا ليس حُكماً ذاتياً، قدر كونه ينطلق من إعتبارات التاريخ والجغرافيا، وجدلية البشر وقدرتهم على التطور والموائمة والصراع والمواجهة.       

 

السمات والملامح المشكلة لخطاب فهمي هويدي:

 

ترتكز الدراسة الراهنة على عدم الفصل بين الخطاب الغربي المتطرف، الأمريكي منه بالأساس، والخطاب الإسرائيلي المتضافر مع تطرف الخطاب الغربي في عدوانيته، والذي يستقي المزيد والمزيد من عدوانيته من تدعيم الخطاب الغربي له.  ورغم وجود بعض الخطابات الغربية المعاصرة الموضوعية والمناصرة لقضايا العرب والمسلمين، إلا أن حجمها لا يُعتد به، حيث مازالت في طور التكوين وتحتاج إلى المزيد من الدعم، ليس فقط من جانب الهيئات والمؤسسات الغربية، بل أيضاً من جانب العالمين العربي والإسلامي، إضافةً إلى الأصوات الأخرى الحرة والشريفة.  يُضاف إلى ذلك أيضاً الخطاب العربى الممالئ للغرب، "وربما" المتعاون معه ضد التوجهات الوطنية والقومية العربية والإسلامية.  وفي ضوء ذلك، سوف نحاول فيما يلي الوقوف على أهم الملامح الخاصة بخطاب هويدي، والجوانب المختلفة التي يتناولها بالنقد والتحليل.  أولاً من منطلق وصفي لتحديد أهم ملامح هذا الخطاب، ثم من منطلق نقدي للوقوف على مدى علمية هذا الخطاب، وأهم جوانبه الأيديولوجية.

 

أولاً: كشف مؤامرات الآخر وممارساته العدوانية (ماديا ومعنويا)

 

         ترتكز التوجهات الفكرية لفهمي هويدي بالأساس على التشكيك في الآخر الغربي بشكلٍ عام، والأمريكي بشكلٍ خاص.  ويحكم هذا التشكيك المقولات الفكرية لهويدي التي تحدد سلفاً انتقائيته الذاتية؛ فحيثما لا توجد موضوعية بإطلاق، كما يفترض البعض، تتدخل الجوانب الذاتية، والأهواء الخاصة.  وحتي لو بدت للبعض مرتبطة بمعطيات الواقع المعاش، إلا أنها تظل محكومة باعتبارات التوجهات الذاتية، أو لنقل هنا الأيديولوجية.  

 

ومن ضمن المحددات الأيديولوجية لصيقة الصلة بالخطاب الهويدي تشكيكه الكبير بنوايا الخطاب والأهداف الأمريكية بالأساس.  يقول هويدي حول طبيعة المبادرات الأمريكية في المنطقة العربية من خلال نقده الصريح والحاد لقناة الحرة الأمريكية "إن الأصل هو عدم البراءة في المبادرات الأميركية التي تخصنا، لأنها لن تخرج عن أحد إحتمالين : خدمة المصالح الأميركية، أو خدمة الأطماع الإسرائيلية." ( 3/11/2004).  وهنا لا يفصل هويدي بين العدوان الأمريكي، ومثيله الإسرائيلي الصهيوني فكلاهما وجهان لعملة واحدة سماتها القهر والقتل والتشريد والإبادة.  إضافة إلى ذلك، يؤكد هويدي على أن الكثير مما يلحق بأمريكا هو الجزاء المقابل لدفاعها المستميت عن إسرائيل، ومساعداتها التي لا تعرف حدوداً.  يقول هويدي حول إعتداءات سبتمبر 2001:

 

هل كان يمكن أن تتعرض الولايات المتحدة لذلك الهجوم لو أنها كانت أقل إنحيازاً لإسرائيل؟‏..‏ و‏..‏ هل كتب علي المواطنين الأمريكيين أن يدفعوا ثمن تأييد ساستهم وحكومتهم لإسرائيل مرتين‏:‏ مرة من أموالهم‏(‏ ذكر الدكتور ادوارد سعيد أن مجموع ما قدم لإسرائيل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين وصل إلي‏92‏ مليار دولار‏)‏ والمرة الثانية من دمائهم‏.‏ كما حدث في الفاجعة الأخيرة‏,‏ التي وصل عدد ضحاياها حتي الآن إلي نحو‏7‏ الاف شخص" (25/9/2001).

 

تبدو هذه الإنتقائية هى الموضوعية ذاتها في ظل الأدلة المتوفرة حول القمع والممارسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية.   فإذكاء الحساسيات المذهبية والعرقية في العراق، وإنتهاكات معاملة الأسرى العراقيين في سجن أبوغريب، والممارسات البشعة مع السجينات العراقيات، والقتل المتواصل للمدنيين العراقيين، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، إضافةً إلى ما تقوم به إسرائيل من قتل، وتدمير، وإنتهاكات يومية، كلها تعزز من إنتقائية فهمي هويدي، حيث يتحول ذلك التركيز على خطاب محدد إلى تجسيد حى لما يوجد في الواقع المعيش. (حول العديد من أشكال القمع والقتل الأمريكي والإسرائيلي، انظر هويدي 12/10/ 2004؛ 19/10/2004؛ 21/4/2004؛ 7/1/ 2004).  وربما تصبح كلمة إنتقائية هنا غير ملائمة، في ظل عدم إمكانية التمييز والمفاضلة بين شرور أمريكا، وحسناتها، على الأقل في المنطقة العربية!!

  

ويدعم هويدي خطابه بأدلة تؤكد عليها الممارسات الأمريكية في العراق، إضافةً إلى ما تمدنا به الصحافة الأمريكية بالأساس.  يتساءل هويدي: ما الذي فعله الإحتلال الأمريكي في العراق حتى الآن؟ حيث يجيب قائلاً إن الإحتلال الأمريكي قدم الطائفية على المواطنة، وشكل مجلس الحكم بناء على الإختيار وليس الإنتخاب، وعهد بأغلب مشروعات الإعمار إلى الشركات الأمريكية، وفتح البلاد أمام الإسرائيليين، إضافة إلى ما قام به من أعمال إعتقال وقتل وهدم وتشريد وتعذيب. (انظر هويدي 10/12/2003؛ وحول الوجود والإنتشارالإسرائيلي في شمال العراق على وجه الخصوص انظر هويدي 5/11/ 2003).

 

         يستفيض هويدي في معظم كتاباته حول العنف الأمريكي، لصيق الصلة بالتاريخ الأمريكي ذاته، والذي يتجرع العرب آثاره هذه الأيام.  لا يقف هويدي فقط عند فضيحة سجن أبوغريب، وممارسات التعذيب واسعة المدى، بل يعود بالذاكرة قليلاً، حيث غزو أفغانستان، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، والتعذيب الواسع المدى لأسرى طالبان، والمجاهدين العرب، إلى الحد الذي يصل فيه هويدي، اعتماداً على أدلة منظمات حقوق الإنسان الدولية، إلى وجود شكل متعمد من أشكال التصفية الدموية للأسرى الأفغان العُزّل. (انظر هويدي 5/5/ 2004). 

 

ويركز هويدي على الممارسات الأمريكية بالأساس التي تدعم الدكتاتورية في العالمين العربي والإسلامي، وتقف حجر عثرة أمام الرغبات الشعبية الحقيقية، ويستشهد في ذلك بما حدث في أفغانستان إبان الانتخابات الأخيرة، حينما ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية الفوز مُقدماً للرئيس حامد كرزاى في الإنتخابات، بوصفه الحليف الأهم والأوفى لها، بغض النظر عن الرفض الشعبي المطلق له ( انظر هويدي 13/10/2004).  لاتقف المسألة عند هذا الحد، حيث يبين هويدي تعويل الرئيس الأمريكي على إنجاح كرزاى كعامل تدعيم له في الانتخابات التي فاز بها فيما بعد.  ولا يبتعد هذا المشهد عما حدث في العراق حيث الكتيبة الحاكمة التي جاءت محمولة على الدبابات والطائرات الأمريكية من جانب، واكتسبت صك قبولها مروراً بالبوابة الإسرائيلية من جانب آخر (انظر هويدي 5/10/2004). 

 

إضافةً إلى ذلك يكشف هويدي عن سعادة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بفوز الرئيس الجزائري بوتفليقة، وهو الداعي إلى التعاون مع الغرب من جانب، والأكثر مرونة مع إسرائيل من جانب آخر (هويدي 14/4/2004).  ولعل عدم سعادة هويدي بفوز بوتفليقة يعكس من جانب آخر المسكوت عنه بخصوص ترحيب الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بنتائج الانتخابات الجزائرية الآن، ومعارضتها لهذه النتائج بعد فوز الإسلاميين بها في التسعينيات.  وهذا المسكوت عنه في بعض الأوقات نجده مطروحاً لدي هويدي في أوقات أخرى، حينما يتحدث عن المقابر الجماعية للمدنيين الجزائريين التي عُثر عليها، ودور العسكريين، ورجال الأمن في هذه المذابح.

  

ويربط هويدي بين هذه الممارسات المختلفة، وبين الدعوة الأمريكية الخاصة بأهمية الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، وهي الدعوة التي هللت لها الأبواق الأمريكية، والكثيرمن الأبواق المحلية، التي يُطلق عليها العديد من الأوصاف مثل "المارينز العرب"، و"التكفيريين الجدد"، و "الأمريكيين المستغربين من بني جلدتنا".  وهم على حد قول هويدي، "الذين هم بيننا لكنهم يقفون في معسكر «الضد» لمقاصدنا وأحلامنا.  أجسامهم معنا، لكن عقولهم وقلوبهم على الضفة الأخرى، أبعد ما تكون عنا." (هويدي 25/8/2004 ؛ وانظر أيضاً، هويدي 5/10/2004 ؛ وهويدي 31/8/2004؛ وهويدي 4/2/2004). 

ويؤكد هويدي على ضرورة ألا نتغافل عن الوقوع في حبائل الإيهام الأمريكي بدمقرطة العالم العربي؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لا تسعي بالأساس سوى إلى تحقيق مصالحها، سواء تحققت من خلال الديمقراطية، أو من خلال أعتي الأنظمة الفاشية والدكتاتورية.  ولا يُحمل هويدي، في الوقت نفسه، الولايات المتحدة الأمريكية مسئولية ما يحدث عندنا؛ فتغيير أوضاعنا السياسية، والقيام بعمليات إصلاح سياسية واسعة النطاق، هو ، في النهاية، من صميم مسؤولياتنا الذاتية.  فمن حقنا تحديد مصالحنا، وبالمثل فمن حق الولايات المتحدة أن تحدد مصالحها وأولوياتها بغض النظر عما سوف يلحق بنا.  يقول هويدي "لا تثريب عليهم بطبيعة الحال، حيث الدفاع عن مصالحهم أمر بديهي، ولم يقل أحد أنهم مسؤولون عن إصلاح أوضاعنا السياسية، وإن زعموا ذلك، وواهم ومغفل من يصدق ذلك الزعم، إذ الأصل أن نغير نحن ما بأنفسنا أولاً، حتى تتغير أحوالنا وتتحسن." ( هويدي 13/10/2004).  وفي هذا السياق، يبين هويدي خطر الدعاوى الكثيرة المشاعة في المنطقة العربية التي تتحدث عن العراق الجديد، وعن السودان الجديد، وعن ليبيا الجديدة... إلخ من أشكال التجديد التي تتحفنا بها الإدارة الأمريكية يوماً بعد يوم، والتي لا تحمل في طياتها سوى مخاطر التقسيم، وإندلاع التوترات الدينية والعرقية.

 

في هذا السياق، يركز هويدي في محاولته إيجاد مخرج للأزمة على ضرورة التعبئة الديمقراطية الحقيقية، التي سوف تمثل خط الدفاع الأول ضد الممارسات الأمريكية.  وهنا لا يبتعد خطاب هويدي الإسلامي المعلن عن أى خطاب وطني آخر، يساري أو ليبرالي.  فمن وجهة نظره أن الديمقراطية الحقيقية غير المفروضة من خلال المشروعات الغربية، الأمريكية بالأساس، والتي تخدم مصالح الخارج أكثر من مصالح الداخل، هى المتطلب الرئيس لنا في معركتنا الحالية ضد الإستعمار الأمريكي والصهيونية في المنطقة. 

  

لا يقف هويدي فقط في خطابه على إظهار الممارسات العدوانية العسكرية الأمريكية

المباشرة، لكنه يربط ذلك أيضاً بممارسات وتأثيرات الخطاب الأمريكي المعاصر الذي يحاول أن يقنع العالم بمدى صحة مقولاته.  فرغم إنسياق الكثيرين في كل أرجاء العالم وراء الخطاب الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الذي صور الحدث بوصفه هجوماً علي الحريه والحضاره والحق والعدل، فإن هويدي من موقع رفضه المسبق للهيمنة الأمريكية، ذلك الموقع المُوجِّه لمعظم، إن لم يكن، لكل كتاباته، قد وضع الحدث في إطاره الصحيح حيث لا يجب التهويل من شأنه لخدمة أهداف الولايات المتحدة الأمريكية، الراغبة في تجييش العالم لخدمة مصالحها الشخصية.  وخطورة هذا الخطاب المصاحب لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أنه، وعلى حد قول هويدي:

 

يعود بالولايات المتحده سنوات الي الوراء‏,‏ إذ يغريها بالسعي لقسمة العالم مرة أخري‏,‏ مع تكريس موقعها في زعامة العالم الحر‏,‏ وتلك أجواء تستصحب تناميا للقوي اليمينية داخل الولايات المتحدة‏,‏ وتهديداً للحريات العامة والمدنية‏,‏ الأمر الذي سيكون العرب والمسلمون في مقدمة ضحاياه‏,‏ باعتبارهم منسوبين إلي قوي الظلام المفترضة‏,‏ وذلك ينذر بموجة جديدة من الإرهاب والعنصرية‏,‏ قد لا تختلف كثيراً عما تعرض له اليابانيون في الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية‏.‏" (هويدي 18/9/2001، جريدة الأهرام القاهرية)

 

 

وفي هذا السياق، لا يقف هويدي في خدمة الخطاب الأمريكي، كما يفعل الكثيرون من

الكتاب العرب المعاصرين، الذين لا هم لهم سوى الحديث عما أصاب الأمريكيين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ناسين في نفس الوقت ما تعرض ويتعرض له العرب والمسلمون قبل وفي أعقاب هذا الحدث.  يُكمل هويدي ما حدث بعد سبتمبر 2001، مبيناً أنه في ظل الدفاع المستميت عما حاق بأمريكا ومكانتها العظمى، كان العرب والمسلمون في معظم، إن لم يكن، في كل أرجاء العالم يتعرضون لهجوم وعنف الحياة اليومية الغربية تجاههم.  يقول هويدي:

 

...ما إن وقع التفجير في نيويورك وواشنطن حتي كانت له أصداؤه السريعة في مختلف الأقطار الغربية‏,‏ فضلا عن الولايات المتحدة بطبيعة الحال‏,‏ فأغلقت مدرسة للمسلمين في كندا‏,‏ والقيت قنبلة حارقة علي مسجد بأستراليا‏,‏ واعتدي بالضرب علي محجبات في لندن‏,‏ وحطم مطعم يملكه أحد المسلمين في برلين‏,‏ وأخلت الشرطة مسجداً في لشبونة‏,‏ واضطر بعض المسلمين الأتراك إلي حلق لحاهم في هولندا‏!‏" (هويدي 18/9/2001).

 

المسألة الهامة التي يكشفها هويدي أيضاً هى إنتقائية الممارسات الغربية، والأمريكية

منها بالأساس تجاه الأ