ما
يستحيل أن
نعرفه ما
يستحيل
البوح به ،
|
نوال
السعداوى
الحوار
المفتوح
العدد 9 : 24/1/2007
منذ
الطفولة
المبكرة
أدركت أن هناك
ما يستحيل
البوح به
لنفسى أو
لأقرب الناس
إلىّ .
أولها
: علاقتى
بالله .
ثانيها
: علاقتى
بجسدى .
كان
أخى يتمتع
بحريات وحقوق
ليست لى ،
لمجرد أن الله
خلقه ذكرا .
فى
غرفتى أغلقت
الباب علىَّ
وبكيت لأنى
خُلقت بنتا
وليس ولدا ، كانت
هذه أول دموعى
فى الحياة .
ثم
جففت دموعى
وقررت كتابة
خطاب إلى الله
أسأله لماذا
يفضل أخى
علىَّ ، رغم
أنه بليد فى
المدرسة وفى
البيت ، وأنا
متفوقة فى
دراستى ، وأساعد
أمى فى أعمال
البيت من
تنظيف وطبخ
ودعك المراحيض
وترتيب
السراير بما
فيها سرير أخى
.
لم
أعرف عنوان
الله فى
السماء ، وبقى
الخطاب مختفيا
فى مكان سرى
فى غرفتى ، لا
أقترب منه حتى
أشعر بالذنب ،
لأننى تشككت
فى عدالة الله
، ويستبد بى
الخوف من
الحرق فى نار
جهنم ، وأخيرا
تخلصت من
الخطاب بحرقه
فى النار .
كان
الله يتجسد فى
خيالى
وأحلامى على
شكل رجل عيناه
حمراوتان
مليئتان
بالغضب علىَّ .
لم
أعرف سبب غضب
الله وأنا فى
السابعة من
العمر ، ثم
بدأت أدرك
بالتدريج أن
هذا الغضب
يتعلق بجسدى
الذى خلقه
الله وخلق فيه
عضوا جنسيا اسمه
البظر ، عضو
آثم ملأه الله
بالرغبة
الجنسية ،
وأمرنا بقطعه
بالسكين حتى
يصبح الجسد
طاهرا نظيفا ،
لا ينجذب الى
الجنس الآخر .
هكذا
تعرضت فى
طفولتى
المبكرة
لعملية جراحية
بشعة ،
لاستئصال
البظر من جسدى
، شعرت بالألم
والعار
والخزى من
نفسى ، لم
أملك الجرأة
لأسأل الله
كيف يخلق فى
جسمى عضوا ثم
يأمر بقطعه "لأنه
عضو فاسد
الأخلاق" ،
ولم أملك
الجرأة لأسأل
أمى (أو أسرتى) عن
أى شىء يتعلق
بقطع البظر من
أجساد البنات
الأطفال ،
ويسمونها عملية
الطهارة
بالعامية ،
والختان
باللغة الفصحى
.
فى
التاسعة من
عمرى فاجأنى
ما يسمونه
الطمث أو
الحيض ، رأيت
الدم فى
سروالى
الداخلى ،
وكتمت الأمر
فى نفسى ،
تصورت أن غشاء
بكارتى تمزق
فى الليل وأنا
نائمة ، أن
روحا شريرة من
الجان دخلت من
تحت عقب الباب
، ومزقت
الغشاء الذى
خلقه الله فى
جسدى ليؤكد به
عذريتى وطهارتى
من الإثم ،
تعذبت عدة
أيام بسبب
تدفق الدم من
بين فخذى ،
تصورت أنه
عقاب من الله
على شكوكى فى
عدالته ، أو
مرض خطير
أصابنى ، ثم عرفت
أنه الحيض
الذى يصيب كل
النساء شهريا
، وأن دم
الحيض ليس مثل
الدم المقدس
النقى فى أجسادنا
، بل هو دم نجس
مدنس ، لا
أتخلص من نجاسته
إلا
بالاستحمام
الجيد بالماء
الساخن والصابون
، وقراءة بعض
الآيات
المطهرة الواردة
فى كتاب الله .
أصبحت
أيام الحيض فى
حياتى عذابا ،
وعارا ،
وفضيحة ، يجب
أن أخفى كل
مظاهرها عمن
حولى فى البيت
أو فى المدرسة
أو الشارع ،
ويجب ألا يعرف
أحد موعد هذه
الفضيحة ، ولا
يرى شيئا منها
، وإن كانت
بقعة صغيرة من
الدم تتسرب
إلى ملابسى
الخارجية .
كان
مستحيلا أن
أعرف سبب
الحيض حتى
دخلت كلية الطب
ودرست علم
وظائف
الأعضاء
ومنها عضو
الرحم فى جسد
الأنثى .
أما
عملية الختان
فلم نعرف عنها
شيئا فى كلية الطب
، لأن علم
الجنس كان غير
موجود ضمن
المقرر ، وبظر
المرأة لم يكن
موجودا فى أى
كتاب من كتب
الطب
الإنجليزية
أو العربية ،
وكذلك غشاء البكارة
لم ندرس شيئا
عنه فى كلية
الطب ، لقد
درسنا
الأعضاء
التناسلية للمرأة
فقط مثل الرحم
والمبايض .
وتخرجت
فى كلية الطب
عام 1955 ، إشتغلت
طبيبة عدة
سنوات دون أن
أعرف شيئا عن
مضار ختان
الإناث أو
الذكور ، إلا
أننى امتنعت
عن إجراء أية
عملية منها ،
أدركت
بالذكاء الفطرى
أنها عمليات
ضارة ويجب
تحريمها
للأطفال
البنات
والأولاد ،
ولم يقنعنى
أبدا ما أسمعه
من الأطباء أو
رجال الدين أن
الله هو الذى
أمر بختان الإناث
والذكور ،
فكيف يأمر
الله بقطع شىء
خلقه فى جسم
الإنسان ؟ هل
يقع الله فى
هذا التناقض الصارخ
؟
كان
الفقر أيضا
يبعث على
الخزى والعار
فى نفوس
الفقراء ،
وكان علىَّ أن
أخفى مظاهر
الفقر عن
زميلاتى
وزملائى ، كنت
أخفى عمتى
الفلاحة
الفقيرة حين
يزورنى فى
بيتى أحد من
الصديقات
والأصدقاء ،
أو أقول لهم
أنها واحدة من
الجارات
وليست من
أسرتى ، وكنت
أخفى الثقب فى
السجادة
بقدمى حتى لا
يراه أحد .
حتى
أدركت
بالتدريج أن
الفقر ليس عيب
الفقراء ،
وليس هو إرادة
الله ، بل هو
عيب النظام
الطبقى الذى
يحكمنا .
كانت
مصر فى طفولتى
مستعمرة
بريطانية ،
منهوبة
الموارد
بالاستعمار
الخارجى ،
وبالحكومة
المصرية
التابعة لهذا
الاستعمار فى
ظل الملك
فاروق ، وكان
المدرسون
والمدرسات
يمدحون الملك
والإنجليز ،
ويتملقون
التلميذات من
الطبقة
العليا ،
وكانت البشرة
البيضاء
والشعر
الناعم من
سمات الجمال ،
وكانت خالتى
شقيقة أمى
تدربنى على
تغطية بشرتى
السمراء
بمسحوق
البودرة الأبيض
، وتكوى شعرى
المجعد
بالمكواة
الساخنة
ليفقد
تموجاته
وبصبح ناعما
كالحرير .
كنت
أشعر بالعار
والقبح بسبب
بشرتى
السمراء ،
وشعرى المجعد
، حتى تخلصت
بالتدريج من
أثر المدارس
الحكومية
وغير الحكومية
، والمقررات
التى فرضت
علينا حتى تخرجت
فى كلية الطب
، وبدأت أفتح
عينى على
الحقائق ،
واكتسب معارف
جديدة من خلال
تجاربى فى الحياة
، وقراءاتى المتعددة
خارج
المقررات
المدرسية .
فى
سنين
المراهقة كنت
أكتم كل ما أشعر
به من تغيرات
جسمية ونفسية
، وأخفى رغباتى
الجنسية .
أما
الحب فكان
محرما على
البنات ، رغم
أن الراديو لا
يكف ليل نهار
عن إذاعة
أغانى الحب
الملتهب ،
وأغلبها قائم
على الحرمان ،
أو على الحب
العذرى
الروحانى
الطاهر الذى
يعلو على الجسد
المدنس .
هكذا
كان مستحيلا
أن أعترف
لنفسى أننى
وقعت فى الحب
، أو أننى
مشتعلة من
الداخل برغبة
جنسية ، أو
عاطفية ، كان
الحرمان هو
القانون
السائد
المفروض علينا
نحن البنات
والنساء ، أما
الرجال
فكانوا يطاردوننا
ويحاولون
الإيقاع بنا
دون تأنيب ضمير
، بل بالتفاخر
بالرجولة ، كانت
الازدواجية
الأخلاقية هى
القاعدة ،
الرجل يصبح
رجلا أكثر حين
يصطاد الفتاة
، والفتاة
تصبح ساقطة إن
استجابت له أو
صدقت كلامه .
فى
مرحلة
المراهقة
والشباب لم
يكن فى إمكانى
البوح بتجارب
الحب ، حين
يخفق القلب ،
وتتصاعد
ضلوعى
بالدقات
القوية . كان
الحرمان يلهب
العواطف المكبوتة
، أغلب تجارب
الحب فى حياتى
من طرف واحد ،
هو أنا ، لأنى
لم أكن أعترف
بالحب ، ولا
يعرف الطرف
الآخر ما يدور
فى أعماقى ،
ولا يمكنه أن
يسمع خفقات
قلبى .
كانت
القيم
الأخلاقية
المزدوجة
تمنعنى من الاعتراف
بالحب ، لأن
الفتاة التى
تقع فى الحب تفقد
احترامها فى نظر
الناس ، بل
وفى نظر الرجل
الذى تحبه ،
كان الرجال لا
يثقون فى
الفتاة
الصادقة التى
تكشف عن مكنون
صدرها ،
يتصورون أنها
فتاة سهلة رخيصة
، أما الفتاة
المدربة التى
تلعب بهم ،
وتغدر بهم ،
فهى من تفوز
بحبهم .
أما
الزواج فهو
منفصل عن الحب
، فالرجل لا
يتزوج إلا العذراء
البتول التى
لم تقع أبدا
فى الحب ، حتى
فى حبه هو ،
ولهذا تخفى
البنات
والنساء عن أزواجهن
كل شىء يتعلق
بالحب أو
الجنس أو
أعماق القلب ،
ويمكن للزوج
أن يتفاخر
أمام زوجته والناس
بتجاربه خارج
الزواج ، أما الزوجة
فالمفروض أن
زوجها هو أول
رجل فى حياتها
، بل الرجل
الوحيد .
لكن
زوجى (د. شريف
حتاتة) كان
مختلفا عن
أغلب الرجال
فى بلادنا ،
بل وفى بلاد
كثيرة من
العالم ، لم
يكن يؤلمه أن
أكشف عن
تجاربى
السابقة ، بل
كان يشجعنى
دائما على البوح
والتخفف مما
ينوء فى صدرى
، أو يسبب لى الألم
أو الشعور
بالعار .
كان
حادث الختان
فى طفولتى من
الأحداث
المؤلمة التى
كتمتها بسبب
الإحساس
بالخزى
والعار ، وقد
حاولت أن أكتب
عن هذا الحادث
دون جدوى ،
كان مستحيلا
لى أن أبوح
للناس بما حدث
لى ، كأنما
اقترفت ذنبا ،
كأنما أنا
المذنبة وليس
المجتمع أو
النظام
الحاكم فى
العائلة
والدولة
والدين .
وفى
يوم كنت فى
الهند مع زوجى
، فى جنوب
الهند المطل
على المحيط ،
وكتبت بضع
صفحات عن حادث
الختان فى
طفولتى ،
ساعدنى البعد
لأن أكتب بحرية
دون القيود
الاجتماعية
المفروضة
علينا فى
الوطن وبين
الأهل .
أعطيتها
لزوجى
ليقرأها ،
فأعجب بها
وقال لى إنشريها
، إلا أننى
مزقت الورق
وألقيت به فى
المحيط . وظل
زوجى يشجعنى
حتى كتبتها
مرة أخرى ، بل
ونشرتها ضمن
الفصل الأول
فى كتابى الذى
كنت أعده للنشر
حينئذ .
يحتاج
الإنسان
والإنسانة
إلى من يشجعه
أو يشجعها
دائما على كسر
المحظور وهتك
الأسرار ،
وتساعد
الكتابة أو أى
عمل إبداعى
على كشف
المكنون فى
الصدور أولا
بأول ، وقد
تحررت
بالتدريج من
أسرارى مع الكتابة
الإبداعية ،
أصبحت قادرة
فى السنين الأخيرة
على البوح بكل
ما كنت أخجل
منه فى حياتى
العامة أو
الخاصة ،
وتخلصت من عبء
الأسرار ،
والإحساس
بالخزى
والعار .
حققت
ذلك عن طريق
الكتابة ،
وكشف المكبوت
للناس ، هذا
الكشف الذى
حوَّل الجهل
إلى معرفة ، والعار
إلى شرف .
إنها
المشاركة
الجماعية
الإنسانية فى
الآلام
والأحزان
المكبوتة
الفردية ، هذه
المشاركة
الجماعية
التى تجعلنا
نشعر أننا
لسنا وحدنا ،
وأن ما حدث
لنا يحدث
لغيرنا فى
جميع بقاع
العالم ،
بأشكال
مختلفة
ودرجات
متفاوتة ، إلا
أننا جميعا
نعيش فى ظل
نظام طبقى
أبوى مزدوج المقاييس
تحكمه القوة
والأكاذيب
والحيل والخداع
سواء بين
الأفراد أو
الدول ،
ويعاقب فيه الضحايا
الأبرياء من
الأطفال
والنساء والفقراء
على حين يطلق
سراح الجناة
الذكور من ذوى
السلطة
والمال
والسلاح .
ولهذا
يحتمى الناس
من البطش
والعقاب
بالكتمان
وعدم البوح
بما يدور فى
عقولهم
وصدورهم .
وليس
أمامنا إلا
العمل
الجماعى معا (عالميا
ومحليا) من
أجل تغيير هذا
النظام
الفاسد الذى
يحكم العالم ،
من أجل أن
تكون الحرية
عامة للجميع ،
نساء ورجال
وفقراء
وأغنياء ، فى
الشرق وفى
الغرب ، ومن
أجل أن يكون
الصدق عاما
للجميع بصرف
النظر عن
الطبقة أو
الجنس أو الجنسية
أو اللون أو
اللغة أو
الدين أو
غيرها .
أقول
ذلك لأننى
عرفت معنى
الحرية ، وقد
تحررت من
أسرار حياتى
عن طريق
الكتابة
والنشر ،
أصبحت أبوح
بما كنت أكتمه
فى حياتى
العامة
والخاصة .
أصبح
لى جناحان
أنطلق بهما فى
الفضاء
الواسع ، نعم
دفعت ثمنا
غاليا لهذه
الحرية ، بما
فيها النفى
والسجن
وتشويه
السمعة
والتهديد
بالموت ،
إلا
أن أى ثمن
يرخص من أجل
الحرية
والإبداع .