الوضع العربي الراهن وأفاق المستقبل

 

غازي الصوراني                                                      جديد غازي الصوراني

cdideology@hotmail.com

 

الحوار المفتوح العدد20: 8/2/2007

 

تمهيـد

    لعل العنوان الأمثل للأزمة السياسية العربية الراهنة، يتجلى في تغير المفاهيم والمبادئ والأهداف ، بعد أن تغيرت طبيعة الأنظمة وتركيبتها وركائزها الاجتماعية والطبقية وتحالفاتها الداخلية بما يتوافق مع الهيمنة الأمريكية وأحاديتها، حيث انتقل النظام العربي بمجمله من أرضية التحرر الوطني والاجتماعي كعنوان رئيسي سابق، إلى أرضية التبعية والانفتاح والارتهان السياسي كعنوان جديد، بعبارة أخرى لم تعد القضايا العربية التحررية القومية عموما، والقضية الفلسطينية بالذات ، تمثل صراعا مصيريا لا يقبل المصالحة بين طرفيه: الإمبريالية العالمية وإسرائيل من جهة وحركة التحرر الوطني العربية من جهة أخرى، وتحول التناقض الأساسي إلى شكل آخر أشبه بالتوافق العربي الرسمي-الأمريكي-الإسرائيلي ، أوصل معظم بلدان النظام العربي إلى حالة تعبر عن فقدانه لوعيه الوطني وثوابته ومرجعياته سواء بالنسبة للقضايا السياسية الاقتصادية الاجتماعية الداخلية أو ما يتعلق بالقضايا الوطنية والقومية .

لقد باتت إشكاليات الواقع العربي العديدة والمتنوعة إشكاليات عميقة، بسبب اتساع حجم و قوة الضغوط العدوانية الأمريكية/الصهيونية، التي تحاول تأسيس مقومات مشروع التوسع الامبريالي المعولم، ببعديه، السياسي والاقتصادي، الهادف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا العربية وتفكيك كل مقومات النهوض القومي الذاتي في بلدان وطننا العربي، لحساب "المشروع الحضاري الغربي" باسم الليبرالية الجديدة و الخصخصة والسوق الحر وتحرير التجارة والانفتاح والتطبيع مع العدو الصهيوني.

ولكن رغم إقرارنا بحجم هذه الضغوط الخارجية، ودورها كتناقض رئيسي ضد مصالحنا الوطنية والقومية، إلا أن الأوضاع والضغوط الداخلية العربية تشكل العامل الرئيسي الأول في نجاح أو فشل تلك الضغوط الخارجية فمن غير الممكن تحليل الأوضاع السياسية العربية، ومسارها ، بمعزل عن مسار التطور الاقتصادي الاجتماعي الداخلي باعتباره الركيزة الأولى والمدخل الفسيح لخضوع النظام العربي وتبعيته للمراكز الرأسمالية وضغوطاتها، إذ أن التراكمات البطيئة والمتسارعة في الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي العربي، وتحولاتها خلال الثلاث عقود الماضية، عبر سيطرة القوى الرأسمالية، الطفيلية، والبيروقراطية، والتجارية، والعقارية، والمالية الكبيرة على مجمل البنية الاجتماعية والسياسية العربية في مناخ الاقتصاد الحر والانفتاح، أدت إلى تراكم و اتساع التناقضات الداخلية مع الجماهير الشعبية العربية وطموحها في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتقدم والوحدة القومية من جهة، وإلى تطابق مصالح البنية الطبقية العليا الداخلية الحاكمة، مع مصالح وشروط المراكز الرأسمالية الخارجية أو العولمة من جهة أخرى .

المسألة الثانية التي تؤكد على أولوية الأوضاع الداخلية العربية كعامل أساسي في تحديد شكل و طبيعة التعامل مع العوامل أو الضغوطات الخارجية ، يمكن إيضاحها عبر تطبيقات شروط العولمة على بلداننا العربية، التي تتباين أشكال أنظمتها السياسية و دولها بين الدولة القبلية أو المشيخة، إلى الدولة –العائلة، إلى نظام الدولة البيروقراطي، الفردي، أو الأوتوقراطي، الأبوي عموماً بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي السائد فيه، إلا أن مظاهر التفرد والاستبداد والفساد والفقر والفوضى وعدم الاستقرار تكاد تكون قاسماً مشتركاً من حيث الجوهر ، مع اختلاف درجاتها وأشكالها ونسبيتها في هذه الدولة أو تلك ، ففي مثل هذا المناخ تنمو التراكمات الداخلية التي تصل عند لحظة معينة إلى حدها أو سقفها النهائي الذي يعني القطيعة أو الانفصام بين هذه الدول و شعوبها، وما سينتج عن ذلك من شعور عميق لدى الجماهير الشعبية بالخوف من السلطة أو الدولة والعداء السافر أو الكامن ضد ممارساتها، وهو شعور يعبر عن حاجة هذه الجماهير لمن يحميها من التسلط و الفقر والمرض والبطالة والحرمان بكل أشكاله من جهة، ويوفر لها فرصة العمل ، والمسكن و المأكل و العلاج في نظام ديمقراطي تحكمه سيادة القانون والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، في إطار المشروعين الوطني الديمقراطي والقومي التوحيدي العربي بآفاقه الاشتراكية.

هذا هو جوهر الإشكالية أو الأزمة السياسية في النظام العربي الراهن ، ببعديهما التحرري على الصعيد الوطني و القومي ، و الديمقراطي الاجتماعي الاقتصادي المطلبي على الصعيد الداخلي ، اللذان لا يمكن تحققهما بدون توفر النظام السياسي المعبر عن إرادات و تطلعات و مصالح الجماهير الشعبية و يقوم على خدمتها .

و في هذا السياق ، فإن القضية التي يجب أن تستوقف كافة الرفاق المشاركين في هذه الندوة، وكافة القوى الديمقراطية و التقدمية الساعية إلى عملية التغيير ، تتلخص في السؤال الكبير التالي بدلالاته الخطيرة ، لماذا تميزت القوى القومية واليسارية بامتلاكها لكثير من عناصر القوة سواء في بنيانها التنظيمي –أحزابها- أو في اتساع الحالة الجماهيرية بهذه النسبة أو تلك من حولها ، في مراحل الأربعينيات و الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي ، رغم عدم نضوج الظروف الموضوعية آنذاك ؟؟ و كيف تراكمت عوامل الضعف و الانهيار للأحزاب الشيوعية والتقدمية الديمقراطية بكل تنظيماتها في هذه المرحلة ، رغم تراكم و نضج الظروف الموضوعية بصورة لم يشهدها واقعنا السياسي الاجتماعي الاقتصادي العربي من قبل ؟ هذه الإشكالية أو المفارقة،  ما الذي يمنع أو يحول دون مواجهتها و حلها رغم وعي الجميع من المثقفين الطليعيين اليساريين العرب بكل ملابسات و مخاطر هذه المرحلة من ناحية، ووعيهم –النظري- بدورهم من ناحية ثانية ؟ خاصة في ضوء فشل النظام العربي في حل الإشكالات أو التناقضات  الداخلية أو حل تناقضاته الخارجية مع العدو الصهيوني و النظام الرأسمالي ، إلى جانب فشله في حل إشكالية الثنائية القطرية و القومية و تناقضاتها ، و لم يعد أمامه –كما يبدو بوضوح ساطع اليوم- سوى المزيد من الخضوع لشروط العولمة الجديدة ، على حساب المصالح الوطنية و القومية و على حساب الكثير من مظاهر السيادة الداخلية أيضاً ، و ليس لذلك سوى معنى واحد ، هو بقاء هذا الواقع المهزوم و المأزوم ، بل و استمرار صعود خطه البياني دون أية آفاق – سوى التيار الديني الأصولي- بما يعمق حالة الإحباط العام أو الانكفاء أو "الميل نحو الاستسلام" ضمن مناخ عام و أسباب كثيرة موضوعية متعددة الجوانب و المنطلقات ، مفتوحة على كافة الاحتمالات المنذرة بالسوء ، طالما بقيت القوى اليسارية الديمقراطية التغييرية عاجزة عن تأطير نفسها و القيام بدورها وفق رؤية إستراتيجية واضحة ومحددة للمستقبل انطلاقا من وعي الحاضر أو المرحلة التاريخية الراهنة بكل محدداتها وسبل وآليات مجابهتها .

الواقع العربي والمظاهر الرئيسية للأزمة الراهنة

لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية ، النوعية المتدفقة ، التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، في السياسة و الاقتصاد و التطور العلمي ، شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً معاصراً و رئيسياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة ، في القرن الحادي و العشرين ، لم يعهدها من قبل ، و لم يتنبأ بمعطياتها ووتائرها المتسارعة أشد الساسة و المفكرين استشرافا أو تشاؤماً و أقربهم إلى صناع القرار ، خاصة ذلك الانهيار المريع في كل من المنظومة الاشتراكية العالمية و منظومة التحرر القومي من جهة ، و الانحسار أو التراجع المريع أيضاً ، و لكن المؤقت للبنية الأيديولوجية أو الفكرية لقوى اليسار الماركسي من جهة أخرى ، الأمر الذي أخل بكل توازنات القوة و المصالح وفق مفاهيم و أسس الثنائية القطبية التي سادت طوال حقبة الحرب الباردة السابقة ، ووفر معظم مقومات بروز الأحادية القطبية أو العولمة ، التي اقترنت بالإمبريالية الأمريكية التي استطاعت –حتى اللحظة الراهنة- استكمال فرض هيمنتها على مقدرات هذا الكوكب ، بحكم ادعائها أنها المنتصر الوحيد ، و بالتالي صاحبة الحق الرئيسي في رسم و تحديد طبيعة و مسار العلاقات الدولية في المرحلة الجديدة من القرن الحادي و العشرين .

و في ضوء هذه المستجدات و المتغيرات العالمية ، غير الاعتيادية ، بمظاهرها و طبيعتها الأحادية القطبية ، في السيطرة على مقدرات العالم بدواعي القوة و الإكراه ، التي تفتقر –من الناحية الموضوعية- لمقومات الديمومة و الاستمرار ، في هذا المناخ وجدت الإمبريالية الأمريكية فرصتها في التمدد و الهيمنة على كثير من مناطق العالم عموماً ، و على منطقتنا العربية خصوصاً ، لتكريس تبعيتها و تخلفها من جهة ، و إعادة هيكلتها و تكييفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبه مطلقة لسياساتها في المنطقة التي تستهدف –بصورة يائسة لا مستقبل لها- تجديد الدور الوظيفي للعدو الصهيوني و دولته بما يتوافق مع مستجدات المصالح الأمريكية المعولمة الراهنة ، بحيث تصبح إسرائيل "دولة امبريالية مركزية" في المنطقة العربية و الإقليمية يحيطها مجموعات من "دول الأطراف" ، المتكيفة –التابعة مسلوبة الإرادة ، بما يضمن و يسهل عملية "التطبيع" و "الاندماج" الإسرائيلي في المنطقة العربية ، سياسياً و اقتصادياً ، تمهيداً للقضاء على منظومة الأمن القومي العربي كله من جهة و بما يعزز السيطرة العدوانية الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية –و العربية- المحتلة أو التحكم في مستقبلها من جهة أخرى .

إلا أن هذه الاستنتاجات –على مرارتها- ترتبط باللحظة الراهنة من المشهد العربي ، و هي لحظة لا تعبر عن الحقائق و مقومات التغيير رغم كل المؤشرات التي توحي للبعض ، أو القلة المهزومة ، من أصحاب المصالح الأنانية الضيقة ، ان المشهد العربي المهزوم والمأزوم الراهن ، يوحي بأن المطلوب قد تحقق ، و أن الإمبريالية الأمريكية و صنيعتها و حليفتها الحركة الصهيونية و إسرائيل ، قد نجحتا في نزع إرادة الأمة العربية وجماهيرها الشعبية الفقيرة، ذلك إن وعينا بأن المشهد الراهن –على سوداويته- لا يعبر عن الحقائق الموضوعية لهذه الأمة ، في مسارها و تطور حركة جماهيرها الشعبية و تطلعها نحو التحرر و الديمقراطية و التقدم و العدالة الاجتماعية ، لأن هذه الحقائق في تكاملها و ترابطها تمثل المشهد الآخر –النقيض- الذي يقول أن المطلوب أمريكياً و إسرائيلياً لم و لن يمتلك صفة الديمومة والاستمرار ، لأنه لن يستطيع –مهما تبدت مظاهر الخلل في موازين القوة الراهنة- ترويض و إخضاع شعوب هذه الأمة ، التي صنعت ماضي و حاضر هذه المنطقة ، و ليست جسماً غريباً طارئاً فيها ، و لذلك فإن سكونها الراهن المؤقت هو شكل من أشكال الحركة في داخلها ، يقاوم كل محاولات تطويع إرادتها ، تمهيداً للمشهد القادم ، بعيداً عن السكون ، مشهد الجماهير المنظمة ، أو مشهد ما بعد الأزمة الراهنة الذي سيعيد لهذه الأمة دورها الأصيل في صياغة مستقبل هذه المنطقة .

إن إيماننا بآفاق المستقبل الواعد لشعبنا الفلسطيني أو الشعوب العربية كلها –في حسم الصراع العربي الصهيوني بما يحقق أماني و مصالح هذه الأمة ، لا يعني أننا نؤمن بحتمية تاريخية يكون للزمان و المكان دوراً رئيسياً و أحادياً فيها ، بل يعني تفعيل و إنضاج عوامل و أدوات التغيير الديمقراطية الحديثة و المعاصرة ، و البحث عن مبرراتها و أسانيدها الموضوعية الملحة من قلب واقعنا الراهن ، الذي لم يعد مجدياً لتغييره ، كافة الأدوات و الرؤى و السياسات الرسمية الفلسطينية و العربية الهابطة ، التي تعاطت منذ كامب ديفيد و مدريد و أوسلو ووادي عربة وشرم الشيخ وواي ريفر ولجنة ميتشل ووثيقة جورج تينيت وصولا الى "خارطة الطريق" و "خطة أولمرت" ، مع حلقات مغلقة ، انتقلنا عبرها إلى مزيد من التفاوض ، و مزيد من المصالح و الصداقات ، و ضياع الهدف بعد تغييب الثوابت الوطنية و القومية ، التي يكاد أن يصبح أمراً طبيعياً بعدها ، أن تتغير الأهداف و جداول الأعمال و المطالب .

في مثل هذا الواقع ، تنضج معطيات و مقدمات عملية التغيير ، بصورة تراكمية ، بطيئة أو متسارعة ، و موضوعية أيضاً ، ليس بالمعنى الذاتي –على أهميته- لهذا الحزب أو ذاك ، و إنما بالمعنى الوطني و القومي العام كآليات أو إرهاصات فكرية تتمحور حول فكرة أو مجموعة أفكار توحيدية تعبر عن تطلعات كل الجماهير الشعبية العربية في التحرر والديمقراطية والانعتاق و الخلاص من كل أشكال المعاناة و الحرمان و الظلم الوطني و الطبقي .

إننا ، حينما نتحدث عن نضوج العوامل الموضوعية ، فإننا نعني بذلك ، و بصورة مباشرة ، هذا المشهد السوداوي الذي تعيشه الجماهير الشعبية الفقيرة بصورة اكراهية و مؤقتة من جهة ، و الذي أعاق حركة تطور شعوبنا العربية كلها ، و أبقاها أسيرة لأحكام القرن الخامس عشر من جهة أخرى، بعيداً عن المرحلة الجديدة بمتغيراتها الهائلة في القرن الحادي و العشرين الذي نتعاطى معه بمفهوم الوجود في المكان فحسب ،و بعيداً عن أي دور أو تفاعل إيجابي ومؤثر لنا في زمانه و مستجداته ، رغم أن الإمبريالية المعولمة و أداتها الحركة الصهيونية و إسرائيل في بلادنا تضعنا أمام حالة صراع من نوع جديد يستهدف عبر محاولتها اليائسة إلغاء حقوقنا التاريخية وقرارات الشرعية الدولية من ناحية وعبر الخصخصة و اقتصاد السوق و الليبرالية الجديدة ، أو أيديولوجية العولمة من ناحية ثانية ، شطب إمكانية تجدد مشروعنا القومي و إبقاءه مفككاً مشتتاً فاقداً لمقومات التحدي و النهوض .

إن الوضع الراهن ، الذي تعيشه شعوبنا العربية عموماً وفي المشرق العربي خصوصاً، لم يكن ممكناً تحققه بعيداً عن عوامل التفكك و الهبوط التي بدأت في التراكم منذ اتفاقية "سايكس بيكو" وتجزئتها لوطننا العربي عام 1916 ، ووعد بلفور عام 1917 ، والنكبة الأولى لشعبنا الفلسطيني عام 1948 ، ثم انهيار الوحدة العربية بين مصر و سوريا في أيلول 1961 ، و تطورت بعد هزيمة حزيران 1967 ، و تعمقت و امتدت بعد كامب ديفيد 1979 إلى اليوم ، لدرجة أن ربع القرن الأخير وبداية القرن الحادي والعشرين ، حمل معه صوراً من التراجع لم تعرف جماهيرنا مثيلاً لها في كل تاريخها الحديث ، فبدلاً مما كان يتمتع به العديد من بلدان الوطن العربي في الستينات من إمكانات للتحرر و النهوض الوطني و القومي ، تحول هذا الوطن بدوله العديدة و سكانه إلى رقم كبير –يعج بالنزاعات الداخلية و العداء بين دوله- ، لا يحسب له حساب أو دور يذكر في المعادلات الدولية ، و تحولت معظم أنظمته و حكوماته إلى أدوات للقوى المعادية ، فيما أصبح ما تبقى منها عاجزاً عن الحركة و الفعل و المواجهة ، في إطار عام من الخضوع والارتهان والتبعية على تنوع درجاتها و أشكالها السياسية و الاقتصادية و التكنولوجية والثقافية و السيكولوجية ، في ظروف فقدت فيها القوى و الأحزاب الديمقراطية الوطنية و القومية و اليسارية قدرتها –لأسباب ذاتية و موضوعية- على الحركة و النشاط و النمو ، و تراجع دورها في التأثير على الناس أو على الأحداث من حولها .

و في مقابل هذا التراجع الرسمي العربي الذي يقف سداً مانعاً في وجه تطور و تجدد و صعود المشروع الوطني و القومي في بلدان الوطن العربي كله ، تتجلى هيمنة العدو الصهيوني بصورة غير مسبوقة ، لم يستطع تحقيقها في كل حروبه السابقة مع العرب ، إلى جانب عمليات الترويض الأمريكي للنظام الرسمي العربي ، في السياسة و الاقتصاد و الفكر و الثقافة التي لم تنجح في تغيير الموازين و المعايير العسكرية و السياسية في الصراع العربي –الصهيوني لصالح إسرائيل فحسب ، بل نجحت في تغيير أسس ما يسمى بعملية التفاوض إلى الدرجة التي يجري التعامل معها الآن على قاعدة أن يعترف العدو الإسرائيلي بحقوقنا و ليس العكس ، كما يتم التعاطي معه اليوم في ظل شروط "خطة أولمرت" ورؤية الرئيس الأمريكي بوش حول ما يسمى ب "الدولة القابلة للحياة".

على أي حال ، و مع إدراكنا لطبيعة هذه التراجعات في الوضع العربي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه ، لم تكن معزولة أبداً عما جرى و يجري في العلاقات الدولية المعولمة الراهنة ، إلا أننا ندرك أيضاً أنه لولا هذه التراجعات العربية التي شكلت قاعدة و مناخاً عاماً عبر أدواتها السياسية و شرائحها الاجتماعية و طبقاتها القديمة الجديدة ، لما نجحت العولمة في فرض شروط التخلف والتبعية والاستسلام على بلداننا ، ذلك لأن ظاهرة العولمة إلى جانب ما تحمله من مخاطر شديدة و تحديات كبرى ، خاصة على بلدان العالم الثالث عموماً و الوطن العربي خصوصاً ، إلا أن هذه الظاهرة تحمل أيضاً كثيراً من الفرص و حوافز الصحوة و النهوض لمن يمتلكون الإرادة ، ومثالنا على ذلك ما يجري اليوم من انتصارات في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، فنزويلا والبرازيل وبوليفيا وغيرها، إذ لا يمكن اختزال العولمة في المخاطر وحدها بعيداً عن فرص النهوض ، كما لا يمكن اختزالها في أنها عولمة التحديات ، أو عولمة الاستسلام ، فكل منهما تمتلك مقوماتها و أدواتها و آلياتها الداخلية . و إذا كان صحيحاً أن العولمة –مهما اشتدت هيمنتها- لا تستطيع بأي حال من الأحوال ، شطب هذا التنوع الحضاري و التاريخي و الثقافي و السياسي بين الأمم و القوميات ، فإن ذلك لا يعني الصمت أو الركون و الاطمئنان ، لأن الصراع المستمر و الحركة الصاعدة في إطاره ، يشكلان القاعدة الأساسية التي تحكم التكتلات الدولية اليوم أكبر بما لا يقاس مما كانت عليه في السابق ، لذلك فإن عدم دخولنا –كعرب- إلى حلبة الصراع متسلحين بالرؤية أو الهدف القومي الوحدوي ، و بالخطط اللازمة لتحقيقه و توفير مقوماتها و آليات تنفيذها ، سيعني مزيداً من التبعية و القهر لشعوبنا ، و مزيداً من التراجع لبلداننا على هامش التاريخ أو خارجه لا فرق .

في ضوء ما تقدم ، فإن شرط الحديث عن إعادة تفعيل عملية التغيير الوطني الديمقراطي في إطار تجديد المشروع النهضوي القومي التقدمي للخروج من هذا المشهد أو المأزق الخانق ، هو الانطلاق بداية من رؤية ثورية واقعية جديدة لحركة التحرر القومي باعتبارها ضرورة تاريخية تقتضيها تناقضات المجتمع العربي الحديث وضرورات تطوره المستقبلي من جهة ، و بوصفها نقيض الواقع القائم من جهة أخرى ، على أن هذه الرؤية لكي تستطيع ممارسة دورها الحركي النقيض ، و القيام بوظيفتها و مهماتها التاريخية فلا بد لها من امتلاك الوعي بالمحددات أو المفاهيم الجوهرية الأساسية التالية :-

1.أن تكون رؤية وحدوية تستند الى الجماهير الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء باعتبارها السند الحقيقي الوحيد لهذه الرؤية الهادفة إلى إلغاء نظام التجزئة الذي فرضته الإمبريالية، توحيد الجماهير العربية بما يخلق منها قوة قادرة على التطور والتقدم والفعل التاريخي على الصعيد العربي و الإنساني العام .

2.أن تسعى إلى استيعاب السمات الأساسية لثقافة التنوير والحداثة الأوروبية ، و ما تضمنته من عقلانية علمية و روح نقدية إبداعية و استكشافية متواصلة في فضاء واسع من الحرية و الديمقراطية ، و إدراك واضح لموضوعية الوجود المادي و الوجود الاجتماعي ، و ما يعنيه ذلك من إدراك الدور التاريخي للذات العربية و سعيها إلى الحركة و التغيير انطلاقاً من أن الإنسان هو صانع التاريخ و القادر على الابتكار و التغيير في حاضره و مستقبله .

3.أن تعتمد الأيديولوجية الماركسية اللينينية بمضمونها ومنهجها المادي الجدلي ووعيها وإدراكها ،  كركيزة أساسية و قاعدة و منطلقاً للرؤية القومية العربية الجديدة ، بشرط تطوير هذا الوعي وتطبيقه على واقعنا بصورة معاصرة و متجددة ، بما يؤدي إلى وضوح العلاقة الجدلية بين خصائص و مكونات واقعنا العربي بكل تفاصيله من جهة ، و قوانين و منهجية الاشتراكية العلمية و نظريتها المادية الجدلية التاريخية ، كمرشد و دليل في عملية تغيير هذا الواقع و تجاوزه من جهة أخرى. إذ أن هذه العلاقة تمثل الشرط الوحيد لإعادة استنهاض حركة التحرر القومي العربي في زمن الصراع المعولم الذي نعيشه الآن ، ذلك أن عملية التحرر القومي كضرورة تاريخية لمجابهة تناقضات المجتمع العربي الحديث ، لا يمكن تحققها أو ممارسة دورها كنقيض للواقع القائم ، بدون الاشتراكية و برنامجها السياسي الاجتماعي و الاقتصادي ، كضرورة تاريخية أيضاً لعملية التحرر القومي ذاتها ، إذ أن جوهر تناقضاتنا الرئيسة مع الحركة الصهيونية و قوى العولمة الإمبريالية و توابعها المحلية يقوم على الصراع من اجل استرداد الأرض و الموارد و الثروات المادية والبشرية العربية لإلغاء حالة النهب و الاستلاب و الارتهان و الاستغلال او الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبنا العربية الذي مارسته –وما زالت- قوى النظام الامبريالي على شعوبنا منذ بداية القرن الماضي الى يومنا هذا ، و بالتالي فإننا نؤكد أن حل هذا الصراع لتحرير الأرض و الثروات و الموارد العربية لا يمكن تحقيقه بدون إنضاج الوعي الاشتراكي و برامجه التطبيقية الكفيلة بتغيير بنية العلاقات الإنتاجية و الاجتماعية التابعة والمتخلفة و المشوهة الحالية ، إلى بنية إنتاجية تنموية حضارية شاملة تضمن توليد علاقات اجتماعية ذات طابع جماعي تعاوني ، يؤكد في جوهره على حق جماهيرنا الشعبية في ملكية هذه الثروات و الموارد عبر مؤسساتها الديمقراطية التي ترى في الحوافز الفردية و الدافعية الذاتية شرطاً للإبداع و البناء و ضمانة للتطور المتجدد و الاستمرار .   

إن هذه العلاقة الثنائية الجدلية بين الرؤية القومية و أيديولوجية الاشتراكية العلمية ، و تطابقهما معاً في النظرية و الممارسة بأدوات أو آليات تنسجم مع روح هذا العصر و متطلباته ، هي الصيغة أو المنظومة الفكرية التي نعتقد أنها تشكل المدخل النظري الذي ندعو إلى الحوار العميق فيه من أجل بلورة أسسه و آلياته الفكرية أو المعرفية تمهيداً للوصول إلى آلياته الحركية ، أو مقوماته و أدواته التغييرية الديمقراطية المنظمة ، بصورة عصرية تتوافق مع طبيعة التحولات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية ، التي نتطلع إليها ، في سياق نضالنا من أجل التحرر الوطني والقومي و التقدم الاجتماعي و مواجهة تحديات العولمة و المشروع الصهيوني و اشتراطاتهما المذلة .إذ لا يعقل أن نستمر في التعامل مع الفكرة القومية من منطلق أزليتها أو خلودها ، و هي ليست كذلك ، أو الركون إلى مكوناتها الأساسية ، اللغة ، و الجغرافيا أو الأرض ، والتاريخ والثقافة والتراث . فبالرغم من أهمية هذه العوامل كمنطلقات أولية و أساسية للفكر القومي العربي إلا أنها تظل عاجزة وحدها عن التفاعل أو التكيف الإيجابي مع المتغيرات الإقليمية و العالمية المعاصرة نظراً لتعدد خصوصياتها القطرية وألوانها رغم تشابكها في لوحة تاريخية وجغرافية متصلة ، مما يجعلها –وفي الظروف الراهنة بالذات- فاقدة بآلياتها الذاتية المجردة ، القدرة على إنتاج الوعي القومي الاستنهاضي ، أو الفكرة التوحيدية الناظمة للجماهير الشعبية والمعبرة عن مصالحها ، و من هنا تتجلى الأهمية و الضرورة معاً للمحتوى الاقتصادي الاجتماعي الاشتراكي القادر على إنتاج الآليات النقيضة التي يمكن أن تتجاوز هذا الواقع المجزأ ، التابع ، المتخلف ، المشوه من جهة ، وادواته المتعددة القبلية، الكومبرادورية ،والطفيلية، والبيروقراطية الأحادية المستبدة ، من جهة أخرى .

إن هذه الحالة من السكون الظاهري أو الكمون العربي ، في مناخ تترعرع فيه كل عوامل الإحباط ، تجعل من الحديث عن المبادرة لانتاج و بناء منظومة معرفية قومية تقدمية ديمقراطية