|
|
فجأة و على حين غرة ظهر علينا رسل يحملون راية المدنية و المجتمع
المتحضر المؤسساتي و الخاضع لسلطة القانون و اختفوا بسرعة أيضا حالهم
حال المشروع الوطني للحزب الشيوعي العراقي الذي كان جعجعة بلا طحين,
فبعد خمس سنوات من الاحتلال و تسلط أشباه الرجال على الدولة العراقية و
بعد خمس سنوات من سيادة قانون الأحزاب الفاشية الحاكمة, يحاول البعض
ممن يشارك هذه الأحزاب الفاشية قيادة البلد تصوير نفسه على أنه من
المدافعين عن المجتمع المدني و سلطة القانون , و رب صحوة بعد غفوة و
ربما تكون هذه الصحوة مدفوعة الثمن و على غرار الإعلانات المدفوعة
الثمن أو على غرار الصحوات المسلحة المدفوعة الثمن أمريكيا!.
و كما يقولون فإن الرسالة تقرأ من عنوانها , و عنوان المبادرين لجمع
التواقيع على رسالة استجداء المجتمع المدني و دولة المؤسسات من الحكام
المجرمين الجدد لا يبشر بخير, لأن جل المبادرين كانوا و لا زالوا من
ألد أعداء المجتمع المدني و هم الوجه الآخر للأحزاب الإسلامية الفاشية
الحاكمة , و على مدى سنوات قام هؤلاء بمحاربة الرأي الآخر و قمعوه سواء
داخل أحزابهم أو خارجها , و حتى تلك الجمعيات التي تشدقت بالدفاع عن
حقوق الإنسان و التابعة لهذه الأحزاب لم تكن أقل قمعا من مثيلاتها
الحكومية التي شكلها البعث.
و لو عرف السبب لبطل العجب , حيث إننا مقبلون على انتخابات المحافظات و
من ثم انتخابات البرلمان و الأحزاب التي بادرت لجمع التواقيع هي من
الأحزاب التي تجاوزها التاريخ و المرحلة و لم يعد لها تأثير يذكر على
الساحة العراقية هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فهذه الأحزاب كما
مثيلاتها الأحزاب الفاشية الحاكمة لا تؤمن بالمجتمع المدني و لا تسعى
له و إن سعت له فهي كما يقول المثل أخوك مضطر لا أسد أو كما يقول بعض
الأخوة المطلعين على طبيعة هذه الأحزاب , بأن هذه الأحزاب تشبه
التلفونات العمومية التي لا يمكن لك استخدامها إلا إذا وضعت العملة
المعدنية فيها.
فالأحزاب القومية الناصرية ما هي إلا أحزاب مستلة من العصر الحجري و
قادمة من رفوف المتاحف و لم يكن لها تأثير في أي يوم من الأيام و لم
يكن يحسب لها أي حساب لأنها بقيت مقتصرة على مجموعات من المثقفين
البعيدين عن الواقع اليومي و المعاناة التي يعانيها الشعب العراقي, أما
الأحزاب القومية غير الناصرية فإنها لم تترك السلطة إلا و البلد محتل و
الأجانب يحكمون فيه و يبرز حزب البعث هنا كأبرز حزب قاد البلد لأكثر من
3 عقود تاركا ندبا و جروحا عميقة في الجسد العراقي المنهك و لم يكتف
بذلك بل إنه مهد الطريق أمام القوات الأجنبية كي تحتل بلدنا من خلال
سياساته الطائشة و غير الوطنية و هذا بدوره أدى إلى سيطرة أحزاب فاشية
جديدة لا تقل إجراما عنه على مقاليد السلطة.
أما الحزب الوطني الديمقراطي فهو هيكل عظمي لجسد ميت , لم يعرف له نشاط
أو تعرف له مواقف منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي , و لم نسمع
منه ما يدل على معارضته الاحتلال و الحكام الذين جاؤوا مع المحتل و لم
نعرف له قيادات أو هيئات قيادية تشرف على عمله و هو حزب يشابه إلى حد
كبير ذلك النوع من الأحزاب و الحركات التي تتشكل من 2 أو 3 مع جهاز
فاكس و حاسوب و ربما ماسحة ضوئية.
أما الحزب الشيوعي العراقي فهو نموذج للأحزاب الانتهازية الفاشلة التي
في طريقها إلى أن تفقد كل شيء بسبب السياسات الخاطئة و المواقف
الانتهازية و التذبذب و الإفلاس السياسي , هذا الحزب كان الأحرى به و
قبل أن يطالب الآخرين بالسعي إلى المجتمع المدني و دولة المؤسسات أن
يبادر هو قبل غيره إلى جعل هيكله التنظيمي و قياداته تتصرف بصورة
حضارية و مدنية و تتعامل على الآخر بصيغ تحترم الآخر بدل أن تقمعه.
ألا يلاحظ هذا الحزب كيف انفض من حوله المثقفون و الواعون و من أنه بقي
صدى و ليس صوتا لحزب كانت له مواقف وطنية نبيلة على مدى عقود لكنه تخلى
عن ذلك كله و سلك سياسات بعيدة عن مصالح الشعب و معادية له في مواقف
عدة , كما إن هذا الحزب تعامل بصيغ وحشية و همجية في بعض الأحيان مع
رفاقه الذين ابدوا مواقف مخالفة للهيئات القيادية ناهيك عن التعامل مع
الرأي الآخر من خارج صفوف الحزب بصيغ اقرب ما تكون إلى صيغ تعامل البعث
مع معارضيه.
و بسبب المواقف الانتهازية لهذا الحزب فإنه يجد نفسه وحيدا اليوم , فلا
رفاقه السابقون مستعدون للعودة إلى صفوفه و لا الأحزاب و القوائم التي
تعاون معها في الفترة الأخيرة مستعدة لتكرار تجربة التعاون معه بعد أن
اكتشفت تذبذبه و انتهازيته و تحينه للفرص , كما إن أي انتخابات قادمة
ستعني مما تعني غياب هذا الحزب بشكل نهائي عن الساحة السياسية بعد أن
تم فضح أساليبه و مواقفه السياسية.
و لكي نعرف سبب مشاركته في نداء مدنيون علينا معرفة الظروف الصعبة التي
يمر بها هذا الحزب و من أنه ما عاد يمثل حزب المثقفين و اليساريين
العراقيين و الوطنيين , و قد فقد الكثير من مناصريه و أعضاءه بسبب
ابتعاد هذا الحزب عن صفوف الحركة الوطنية و خذلانه للجماهير المسحوقة
التي تبحث عن حزب أو منظمة تعبر عن مصالحها.
مدنيون , كلمة براقة و تجمع كل العراقيين الساعين إلى بناء عراق
ديمقراطي مؤسساتي إلى الالتفاف حولها , و لكن , هل يمكن بناء مجتمع
المؤسسات الذي يتعامل مع مواطنيه على أسس المواطنة الصحيحة, هل يمكن
بناء هذا المجتمع بأحزاب لا تؤمن بالحقوق المدنية و السياسية للآخر
المختلف كما هو الحال مع الحزب الشيوعي العراقي؟.
هل تصرفت منظمات الحزب الشيوعي العراقي و منظمات المجتمع المدني
التابعة له كمنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان , بشكل إنساني و حضاري و
احترمت حق الآخر المختلف؟ أم إنها كانت صورة طبق الأصل لمنظمات المجتمع
المدني التي أسستها الأحزاب الفاشية الحاكمة و حزب البعث الشوفيني
الإرهابي؟
أعتقد بأنه على الحزب الشيوعي العراقي أن يتطهر من كل الممارسات
الخاطئة التي قامت بها منظماته و أن يقدم اعتذارا لكل الرفاق و
الأصدقاء الذين أسيئ إليهم , و قبل هذا و ذاك عليه الابتعاد عن التمسح
بأذيال الفاشيين و الطائفيين و البحث عن الفتات المتساقط من موائد
القتلة و الإرهابيين. لأن هذا الحزب تعامل مع الآخر بوحشية و شارك في
القمع و هو خارج السلطة فماذا سيحل بنا إن أصبح لهذا الحزب تأثير ما في
السلطة .
و إذا كانت هذه الدعوة طريق البعض لكسب بعض الأصوات الانتخابية , فإنها
قد أخطأت لأن قطاعات واسعة من المثقفين لم تعد تصدق هذه الأكاذيب و أن
الأفعال و الأعمال هي عكس الأقوال و هذا ما أثبتته تجربة السنوات
الماضية سواء مع من بادروا لجمع هذه التواقيع أو أحزابهم
|
|