|
|
لم تكن أعتقالات كانون الأول 2007 في سورية , والتي
طالت الدكتورة فداء الحوراني رئيس المجلس الوطني لأعلان دمشق , ورفاقها
, مفاجئة لأحد . بل ما كان ممكن أن يكون مفاجئاً , هو أن لاتقوم أجهزة
الخراب والتدمير والبلطجة , والمسماة زورا وبهتاناً " بالأجهزة الأمنية
" , بهذه الأعتقالات . والمفاجئة الحقيقية الكبرى هي , لماذا لم يتم
أعتقال كل أعضاء المجلس الوطني دون أستثناء . أيضا ستكون مفاجئة كبرى
أن قامت تلك الأجهزة بالأفراج عن الجميع بوقت قريب . .... لماذا ؟؟؟؟؟
لأن الورم السرطاني الذي أصاب سورية في 13 تشرين الثاني 1970 , والذي
بث خلاياه الخبيثة في كل أنسجة جسد الوطن السوري , من نسيج الجيش الى
القضاء الى التعليم الخ الخ . والذي مافتئ حتى تاريخه يعمل على تدمير
كل خلاياه السليمة . لن يكون رد فعله طبيعيا وسلميا على أدراكه , بأن
الجسد السوري مازال يحمل الكثير من الخلايا السليمة والمعافاة , وله
آليته الخاصة في التعافي من الآفات التي تصيبه , ومنها الأستبداد
وأفرازاته .
فمنذ حزيران 1976 تاريخ دخول الجيش السوري الى لبنان , يوم أصدر الحزب
( الشيوعي السوري _ المكتب السياسي ) آنذاك بيانه المشهور الذي ندد فيه
بتدخل النظام في الأزمة اللبنانية بشكله الذي تم به , ومروراً بالبيان
الأول الذي صدر عن التجمع الوطني الديمقراطي بتاريخ 18 آذار 1980 .
والمعارضة الديمقراطية السورية ما فتئت تدعو النظام الى التعقل والحوار
والأنفتاح على الشعب وقواه السياسية الحية , والأبتعاد عن القمع كلغة
حوار سياسي مع المجتمع . ولم تجن هذه المعارضة من النظام الا الصد
والأعتقال والتخوين والتسريح من العمل ومنع السفر . وحتى اليوم , وعلى
الرغم من هذا التاريخ الطويل للقوى الديمقراطية في النضال ضد الأستبداد
, مايزال جهابذة النظام وأقزامه المرتزقة , ممن يُسمون كتّاب ومدراء (
مراكز بحوث ) يلقون بالتهم الوقحة , وقاحة أخلاقهم ومنابتهم الوضعية ,
في وجه هذه المعارضة وأعلامها . وحتى يومنا هذا مازال نظام التوريث
يسير بنفس النهج الذي أسسه حافظ الأسد , من تدمير وأفساد وتفتيت
للمجتمع , وأزلال وقهر للناس وللنشطاء , وأغتيال للمعارضين السوريين
والعرب . ولعل وجود هؤلاء ( المثقفون ) الأقزام الأنتهازيون , يجسد خير
دليل على حجم الدمار الذي ألحقه هذا النظام بنفوس البعض . فبعد هذا
الذي نعرفه عن نظام عشنا في ظله لمدة 37 عاماً وخبرناه , هل لنا ان
نفاجئ بحدوث أعتقالات , أم بعدم حدوثها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......
ان انعقاد المجلس الوطني لأعلان دمشق , هو حدث سياسي فريد في الحياة
السياسية داخل سورية , منذ استيلاء الأستبداد على السلطة السياسية في
البلاد , واحتلاله لكل مؤسسات الدولة وتكوينات المجتمع بعد ذلك .
ويستمد انعقاد المجلس الوطني فرادته من كونه الحدث المميز نوعياً عن كل
ماسبقه من أحداث سياسية , سواء مايتعلق منها بنشاط السلطة أو حتى بنشاط
الأحزاب المعارضة نفسها , فقد ضم أجتماع المجلس , رجال ونساء , عرب
وأكراد وآشوريين , قوميين وليبراليين ويساريين واسلاميين وديمقراطيين .
أي أنه ضم أوسع تمثيل ممكن للشعب السوري حتى تاريخه . توافق فيه
المجتمعون على تشخيص المرض الذي تعاني منه سورية , وهو الأستبداد
والفساد . كما توافقوا على شكل سورية المستقبل , سورية المعافاة من
مرضها , وطريقة علاجها , بالحرية والتعددية , وبناء دولة القانون
والمواطنة . أداة ذلك كله نظام ديمقراطي مُنتخب , يستمد شرعيته من
صندوق الأنتخاب , وتتجدد هذه الشرعية في دورات انتخابية متعاقبة . كما
مارس فيه المجتمعون , القيم التي يُنشدوها لسورية المستقبل , من حوار
ديمقراطي , وانتخبوا قيادتهم ايضاً بنفس الطريقة .
ان ما أثار زعر النظام الفاسد المستبد من انعقاد المجلس الوطني , هو
رؤيته , وادراكه , بان نقيضه قد بدأ بالتكون , فها هي الوحدة الوطنية
الحقيقية , تتجلى في التئام شمل هذا التنوع الكبير من ابناء شعبنا , في
سبيل هدف واحد, هو نقل البلاد من عفونة الفساد والأستبداد الى رحاب
الحرية والديمقراطية , وليست الوحدة الوطنية التي ينافق بها النظام
والتي تتلخص في تكميم كل الأفواه الشريفة , والحفاظ على أفواه النفاق
والخداع وحدها تصدح كأفواه مدراء ( مراكز البحوث ) التي تتطل من على
شاشات الفضائيات العربية . بالأضافة الى ما شكله اجتماع المجلس ايضاً
من خلال روح المسئولية التي اتصف فيه اعضاءه , وجدية الحوارات التي
حصلت , ووضع مصلحة الوطن في المكان الأول من اهتمامهم , النقيض الذي
أظهر تفاهة مؤسسات النظام وانتهازيتها , واستهتارها بمصالح الشعب
والوطن , باعتبارها مؤسسات شراء الذمم , وتحقيق المنافع الشخصية , كما
مباركة السياسة القمعية للعائلة الحاكمة وخدمها .
ان مقياس الوطنية الوحيد , في كل بلاد العالم , وفي كل مراحل التاريخ ,
تقاس بمقياس واحد وحيد وهو مدى التزام الفرد أو الحكم بمصلحة شعبه
ووطنه . فمن يعمل للحفاظ على استقلال بلاده , وتحرير المحتل منها ,
وايجاد ظروف حياة تضمن للمواطن كرامته , وتضمن له حياة مريحة في الحاضر
ومضمونة للمستقبل , هو الأنسان الوطني . ومن يسلم جزء من ارض وطنه
لأعداءه , و يدخل في مساومات دولية لخدمة قوى الخارج بمقابل الحصول على
دعمها لسلطانه , كما فعل نظامنا السوري في لبنان وفلسطين والعراق . ومن
يحول البلاد الى مزرعة خاصة لعائلته , ويدفع بثمانين بالمائة من ابناء
الشعب السوري ليعيشوا على خط الفقر وتحته , ومن يحني رأسه مطأطأً اثناء
تحليق الطيران الأسرائيلي فوق قصره , لا يحق له ولا لأذنابه مدراء (
مركز البحوث ) أن يُعطوا دروساً في الوطنية لرجال ونساء اعلان دمشق ,
الذين لايملكون الا حبهم لوطنهم وغيرتهم على شعبهم , سلاحاً يشهرونه في
وجه الطغيان .
في ثمانينات القرن الماضي , لم يجد الأستبداد السوفييتي الشائخ آنذاك
حرجاً , من وضع امكانيات دولتهم الهائلة في " الأمن " والدعاية
والسياسة , في مواجهة منشق , فرد , واحد , هو سولجنستن . لقد كان
سلوكهم ذاك اشعاراً بأنهم يخطون الخطوة الأخيرة في رحلة الألف ميل
لأستبدادهم . وكانت فعلاً خطوتهم الأخيرة . فهل كان النظام السوري
تلميذاً ( نجيباً ) لمدرسة الأستبداد السوفيتيية , باعادته للدرس
الأخير الذي تعلمه , كيف يخطو الخطوة الأخيرة في رحلة الألف ميل
لأستبداده , باعتقاله لفداء حوراني ورفاقها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. الزمن آت ونرى
.
|
|