العامل الاقتصادي والطبقي ودوره في عدم الاستقرار السياسي في سوريا

 

 

 

عزو محمد عبد القادر ناجي
ezoo5@hotmail.com


 

الحوار المفتوح العدد 307: 20.03.2008

 


      
إن ارتباط العامل الاقتصادي بالصراع الطبقي في المجتمع يجعل تأثيرهما على الاستقرار السياسي متشابكاً، ومن غير المعقول فصل هذين الجزأين عن بعضهما كونهما شيئاً واحداً، لأن التوازن في الاقتصاد فقط هو الذي يحافظ على الاستقرار السياسي في المجتمع، فزيادة الاقتصاد (الدخل القومي)، أو نقصانه لابد أنه سيؤثر على الصراع الطبقي وبالتالي سيساهم في عدم الاستقرار السياسي في المجتمع.
فسوريا قبل استقلالها لم تكن فيها طبقة عاملة كبيرة بسبب قلة التصنيع، ولم يكن للعمال تشريعات كافية لحمايتهم من البطالة وصيانة حقوقهم، مما جعلهم يعانون مرارة الفقر مثلهم مثل بقية أفراد المجتمع من الطبقة الدنيا، وكان بعض البرجوازيين يمانع من انتسابهم لنقابات العمالية، أما الفلاحين فكان المرابين وأصحاب الحوانيت يستغلون حاجتهم بفوائد عالية، وقد يضطرون بسبب سوء الموسم إلى الذهاب للمدينة والعمل فيها، وفي غيابهم كان بعض الملاك يستغلون أرضهم، وقد أحدث ذلك فجوة بين الريف والمدينة حيث أصبح أهل الريف ينظرون إلى أهل المدينة على أنهم مترفين ومستغلين، رغم أن خصائص أهل المدن كما يؤكد ابن خلدون تختلف عن أهل الريف في كثير من الأشياء، من حيث أحوالهم المعيشية والسكن والبناء وتشبه هذه الحالة ما تنظر إليه شعوب العالم المتخلف إلى شعوب العالم المتحضر، فمنذ العهد العثماني كان النظام الطبقي موجوداً حيث كان هناك ثلاث طبقات هي:
1- طبقة الحكام ومعاونيهم ورؤساء الدين والعلماء.
2- طبقة الأسر العريقة وأصحاب المهن اليدوية المختلفة.
3- طبقة العمال والخدم.
وظلت نسبة المشتغلين بالزراعة تشكل حوالي 70% من السكان مقابل 1% في الصناعة، أما الآخرون فكانوا يشتغلون بالمهن الحرة، لكن تقلصت الملكية الكبيرة التي تزيد عن المائة هكتار بعد الاستقلال من 60% إلى 29%،وزادت نسبة الطبقة المتوسطة التي تمتلك عشرة هكتار فما فوق من 19% إلى 33% ، أما الصغيرة فظلت على حالها وهي تقل عن عشرة هكتارات، وقد شجعت السلطات في عهد الانتداب توظيف رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع نمو الرأسمال التجاري بتوظيفه للأموال في كل المجالات، من أجل ربط سوريا بالسوق الأجنبية وبالرأسمالية العالمية، وإغراقها بالمنتجات الأجنبية، لكن خلال الحرب العالمية الثانية تطورت الصناعة السورية بسبب نمو حاجة جيوش الحلفاء لها، وزادت قوتها بعد الاستقلال، فتشكلت سبع شركات صناعية مساهمة برأسمال وطني قدره تسعة عشرة مليون ليرة و46 مصنعاً ، وكان تطور الصناعة قد أدى لتطور الزراعة لاعتماد الصناعة على الزراعة، وبذلك كان يعمل النظام بعد الاستقلال على بناء الاقتصاد بشكل منتظم، بالرغم من خروج سوريا بعد الاستقلال مباشرة منهكة اقتصادياً، ورغم ما حدث من تطور صناعي وزراعي إلا أن الأحزاب الراديكالية والصحافة كلفوا الحكومة فوق طاقتها، كما عمل الحوراني على معاداة النظام ورجال الحكومات على أساس أن هدفه تحقيق العدالة الاجتماعية، رغم أنها كانت سائدة إلى حد بعيد باستثناء بعض الحالات الشاذة، حيث وصف الحوراني أعداءه من ملاك الأراضي بالرجعية والعمالة والخيانة، فكان أول من أطلق كلمة رجعية وتقدمية في المجتمع السوري ليحدث شرخاً اجتماعياً في جسم المجتمع بشقيه المدني والعسكري، وكان حثه لمقربيه على الانتساب للجيش ولحزبه بحيث أصبح له مراكز قوة في الجيش يأتمرون بأمره مخالفين بذلك كل الأعراف الدستورية، بما فيها قسم يمين الولاء للدستور، فكان هدفه أن يجعل الجيش سلماً لوصوله إلى السلطة.
وبعد الاستقلال سمح النظام للتنظيم النقابي أن يكون ذا شقين مستقلين، إحداهما للعمال وآخر لأرباب العمل، بعد أن كان قبل ذلك مندمجاً مع بعضه عمالاً وأرباب عمل في نفس الوقت، ثم أقر دستور 1950 حق العمل لجميع المواطنين، وألزم الدولة بتوفيره للجميع وضمانه من أجل توجيه الاقتصاد الوطني ونهوضه، كما أقر قانون العمل، مثل الساعات، والتعويض، والتأمين، وغير ذلك، كما أقر الوسيلة المناسبة للمطالبة بحقوقهم، وأقر التنظيم النقابي، معتبراً النقابات شخصية قانونية اعتبارية، لها حق في الاجتماع والتظاهر السلمي، لكن خلال فترة الوحدة مع مصر ضعف دورهم، فصدر مرسوم يقتضي بـ : " لا يجوز للنقابات الاشتعال بالمسائل السياسية والدينية " ، كما صدر مرسوم آخر يقضي، بأنه من حق وزير الشؤون الاجتماعية والعمل حل النقابة في حالة التحريض على قلب نظام الحكم أو كراهيته أو الازدراء به...، ولكن النظام الذي ساد بعد مارس 1963 عمل على دمج هذه النقابات ضمن النظام السياسي، بحيث تصبح مقيدة به وتخضع لقراراته، وربطها بحزب البعث، حيث أن جميع رؤساءها وقياداتها في مختلف المستويات أعضاء عاملين في حزب البعث، وكان لهذه النقابات دور كبير قبل مارس 1963 في النضال ضد الديكتاتوريات العسكرية، ومعظم قياداتها كانت مرتبطة بالأحزاب.
لكن كان هناك عائق ساهم في الشقاق بين الريف والمدينة تمثل بحصول أعيان المدينة في بعض الحالات على مقاعد أهل الريف، من خلال تحالفهم مع أعيان الريف الذين كانوا يعطونهم التنازلات على حساب أبناء مناطقهم، ورغم ذلك كان باستطاعة الفلاحين وصغار الكسبة الضغط على السلطة لإقصائهم عند الضرورة، بسبب أن السلطة في معظم فترة ما قبل عام 1963 كانت ديمقراطية، لكن محاباتها أحياناً لأصدقاء المسؤولين على حساب الفلاحين وصغار الكسبة، ولد رد فعل عند هؤلاء تمثل بدخولهم في الأحزاب الراديكالية والجيش ليسقطوه وليحلوا محله حكماً ديكتاتورياً صارماً، خاصة بعد انقلاب 23 فبراير 1966، بالرغم من أن هؤلاء الفلاحين كانت تنتشر في مناطقهم نفسها الملكيات الصغيرة والمتوسطة، لكن بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في ظل الوحدة، وبعده، حصلوا على أراضي الملاك الكبار ، وكان الهدف من الإصلاح الزراعي في سوريا هو تجريد الطبقات المهيمنة من امتيازاتها الاقتصادية وعزلها سياسياً تمهيداً لتصفيتها، وإقامة علاقة بين النظام ومن سيستفيدون من هذه التجربة (في ظل حكم الوحدة) ، حيث جعلت سوريا تجربة للإصلاح الزراعي، ولم يحصل مثل هذا الأمر في مصر حيث حدث بشكل تدريجي على عكس سوريا التي أخذت الأرض من أصحابها مباشرة، كما أن نظام الوحدة لم يصفي الإقطاع في مصر، فظل أكثرهم يتمتعون بمراكز مهمة في الدولة، وأعاد لهم أراضيهم بعد هزيمة يونيو 1967، وزادت قوتهم في ظل حكم أنور السادات، لكن في سوريا اعتلى مكانهم طبقة المندوبين الذين شكلوا حاجزاً بين الشعب والنظام الحاكم، بالرغم من أن ملاك الأراضي في سوريا قد حصلوا على أراضيهم خلال العهد العثماني بطرق شرعية، فوزعت عليهم أراضي صغيرة مقابل خدماتهم في إدارات الدولة ليستثمروها، كما وزعت على غيرهم من الفلاحين، لكن أعيان الدولة زادوا على أراضيهم من خلال شرائهم أراضي من غيرهم من الفلاحين، حتى أن الملاك الكبير منهم كان يملك أكثر من (40) سند طابو، وهذا حق شرعي له، وكان شراءهم لهذه الأراضي بسبب استثمارهم لأراضي الريف، وقد شجعتهم الدولة العثمانية على ذلك من خلال تعاملها مع هؤلاء الملاك في جباية الضرائب، حيث كان من الأسهل لها التعامل مع ذوي الملكيات الكبيرة أكثر من الصغيرة، كما أن الملاك الصغار لم يستطيعوا منافسة الإنتاج الكبير للملاك الكبار، فباعوا أراضيهم بأسعار زهيدة، ثم أخذوا يعملون في خدمة طبقة الملاك الكبار على شكل شراكة، فكان رأس المال كله من أراض وبذار وسماد وضرائب وما إلى ذلك، من المالك أما العمل والحراسة فمن الفلاح لقاء ربع المحصول، حيث كان الفلاح يسمى بالمرابع بالاصطلاح الزراعي ، وكان لكل مالك عدداً كبيراً من المرابعين، أما في مجال الصناعة، فكان عمال الصناعة أيضاً غير قادرين على منافسة المنتجات الأجنبية المستوردة، بسبب رخصها وقلة تكاليفها، فتركوا مشاغلهم الخاصة والتحقوا بسوق العمل عند المستثمرين الصناعيين، الذين أحدثوا مع أقرانهم الأرستقراطيين الزراعيين قفزة في مجال سوق العمل والصناعة والزراعة بشكل لم يسبق له مثيل في دول الشرق الأوسط منذ عام 1838.
لكن عند إصدار قانون الإصلاح الزراعي عام 1959 بضغط الحوراني وأعوانه ممن ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة، بإلحاحهم على الرئيس عبدالناصر ليصدر هذا القانون، بسبب حسدهم وحقدهم وليس بسبب ميلهم لإنصاف الفلاح وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، والدليل على ذلك أنهم وجهوا الموظفين إلى إعطاء المالك من الأرض ليس كما يختار من الأرض ( كما نص قانون الإصلاح الزراعي نفسه)، وإنما أعطوه حسب ما يريدونه هم، كما صادروا أدواتهم الزراعية وشهروا بهم في الإذاعة ليحطوا من قدرهم، رغم كون أكثرهم من أبطال استقلال سوريا والذين وقفوا في وجه الديكتاتوريات العسكرية، مثل الرئيس الجليل هاشم الأتاسي، ورئيس البرلمان رشدي الكيخيا، وغيرهم، فكان الرئيس هاشم الأتاسي على سبيل المثال يمتلك أراض صخرية، يستصلحها حسب إمكانياته، وكان الخبراء المصريين الذين جاءوا إلى سوريا قبل الوحدة، ومنهم وزير الإصلاح الزراعي المركزي سيد مرعي، قد أكدوا أنه من الخطأ تطبيق الإصلاح الزراعي في سوريا لأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي فيها لا يتطلب ذلك، حيث الزراعة في سوريا تشكل الركن الأساسي للاقتصاد السوري، ومعظمها بعلية وليست مروية كمصر، وإن من ضروراتها أن تكون الملكية واسعة، لأن الملكية الصغيرة لا تفي بدخل صاحبها ولا تقوى الاقتصاد القومي، كما أن صاحب الأرض في سوريا يستثمرها ولا يؤجرها مثل الحالة في مصر، فالإنتاج الزراعي لـ 300 هكتار بعلي في سوريا، أقل من إنتاج 80 هكتار مروي في مصر، كما نص قانون الإصلاح الزراعي، في مجال توزيع الأراضي في سوريا ومصر، حتى أن 80 هكتار مروي في سوريا أقل إنتاجية من 80 هكتار مروي في مصر، وإنتاجها لا يعتبر إنتاجاً معتبراً، إضافة إلى أن ما يطرأ على الأراضي من ظروف طبيعية تؤدي إلى تقليص الإنتاج، وإن معظم من أعطيت لهم أراضي من الفلاحين أصبحوا يؤجرونها ، وبذلك أصبحوا مستهلكين بعد أن كانوا منتجين قبل ذلك، كما تملك مهاجرون من خارج البلاد مثل النساطرة والأشوريين، أراض أخذت من العشائر العربية في الجزيرة السورية، وهذا يتنافى مع القومية العربية التي يدعيها النظام.
وقد أدى هذا الإجراء العنيف إلى جعل الملاك يتركون الاستثمار الزراعي، ويتوجهون للاستثمار الصناعي أو التجاري، وهاجر قسم كبير منهم من البلاد إلى الخارج، وأغلبهم من ذوي المؤهلات العالية، ففقدت البلاد خبراتهم، كما أن معظم الأراضي التي أستولي عليها لم توزع على الفلاحين بل بقيت بيد الدولة، التي أهملتها وحولتها إلى أراض قاحلة، ولم تدفع لأحد ممن أخذت أراضيهم أي تعويض خلافاً لما نص عليه قانون الإصلاح الزراعي.
وبعد حركة 8 مارس 1963، ازداد مدى الاستيلاء على الأراضي، وقامت حكومة صلاح البيطار بإنشاء سد الفرات مستعينه بالسوفييت في ذلك، رغم أنه لم يكن له أية فائدة للحصول على الكهرباء لأن 90% من كهرباء سوريا معتمدة على النفط، كما لم يكن له أية فائدة في استصلاح الأراضي رغم ما صاحب إنشائه من دعاية واسعة، فقد أتلف 300 ألف هكتار من أجود الأراضي الزراعية مقابل استصلاح 600 ألف هكتار ، التي لا تجدي زراعتها بسبب الملح، ولم تستطع الحكومة التخلص من مشكلة ملوحة التربة، زد على ذلك أن معظم الأراضي التي أستولي عليها بعد انقلاب مارس 1963، ثم بعد انقلاب فبراير 1966 قد أخذت من الملاك وأعطيت للفلاحين الذين لايجيدون استصلاحها ، وكذلك المنشآت الصناعية والتجارية، لكن تجدر الإشارة إلى أن حكومات ما قبل الوحدة كانت تنفذ الإصلاح الزراعي منذ الاستقلال، ولكن بشكل تدريجي على أساس الملكية الصغيرة والمتوسطة، بحيث لا يمضي أكثر من جيلين أي ما يعادل 66 سنة حتى يكون قد اكتمل، بشكله النهائي، وهذا ما أكده دستور 1950 حيث نصت مادته الـ 22 على ما يلي: " لإقامة علاقة اجتماعية عادلة بين المواطنين، يسن تشريع خاص يتضمن حداً أعلى لحيازة الأرض تصرفاً أو استثماراً، بحسب المناطق على أساس تشجيع الملكية الصغيرة والمتوسطة، من دون أن يكون له مفعول رجعي"، ولو ظل هذا القانون يطبق، لما حدثت الرشاوي ولا وسائل الانتقام كما حدث بالفعل نتيجة قانون الإصلاح الزراعي منذ عام 1959.
وكان إصدار قرارات التأميم في يوليو 1961 بتأميم المصارف والشركات الصناعية، بحجة أن هذه الشركات يمتلك أسهمها في مصر سوريون ولبنانيون ويهود وغيرهم، بالرغم من أن النظام يدعي أن كل ما هو عربي لا يعد أجنبياً، كما أن السوريون جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة، والوضع في سوريا يختلف تماماً عن الوضع في مصر، لأن هذه المؤسسات في سوريا مملوكة فقط للسوريين، ويشترك فيها حتى صغار الكسبة من خلال أسهمها، وكان لها دوراً كبيراً في تشجيع الاستثمار الوطني، وزيادة الاقتصاد القومي، وبالنسبة للمصارف فإن رأسمالها مرتبط بالمراكز الرئيسية في الخارج، أما بالنسبة للصحف فكان تأميمها قد عمل على عدم الاستطاعة في إمكانية الكشف عن الأخطاء في الإدارة، وتوعية الشعب وفضح المخالفين، وأصبحت، رهينة بيد الحكومة تعلن ما ترضى عنه السلطة، وكان التأميم الذي ابتع بعد انقلاب 8 مارس 1963، قد توسع ليشمل المؤسسات الصناعية والتجارية الصغيرة، ووصل الحقد بأقطاب البعث إلى تسريح محامي المؤسسات المؤممة، والتشهير بهم في الإذاعة من خلال التهجم عليهم بالتهم الكاذبة، مثل نعيم الانطاكي أحد رموز الوطنية في سوريا، وهرب بنتيجة ذلك أكثر من مليار ليرة سورية من رؤوس الأموال، وزاد التأميم بعد انقلاب 23 فبراير 1966 حتى شمل المعامل الفردية، فازدادت أعداد العاطلين عن العمل، وانخفض الإنتاج بشكل بلغ أقل من عشرين ضعف عما كان قبل ذلك، كما أن ازدياد تخفيض أراضي الملاك عما كان من قبل، جعل الأحقاد المحلية هي قانون الإصلاح الزراعي، فكان حزب البعث يمارس مهام الحزب الشيوعي مع استعمال كلمة قوميين كادحين بدلاً من البروليتاريا.
ويرى البعض أن الطبقة العليا في المجتمع يعيش معظم أعضائها في المدن الكبرى بثرواتهم ومراكزهم من خلال سيطرتهم على المال والصناعة والتجارة، واعتمادهم على الملكيات الزراعية الكبيرة، إضافة لتأثرهم بالغرب، وتشكيلهم لمعظم نواب البرلمانات، لكن عدم استطاعة هذه الطبقة على ردم الهوة بين طبقتهم والطبقة المتوسطة والدنيا، وبالتالي لم تستطع هذه البرلمانات تحقيق رغبات الشعب السوري بشكل كامل، رغم أن معظمهم هؤلاء النواب من ذوي التاريخ الوطني المشرف، وعلى يدهم تحقق استقلال سوريا، لكن كان نقص خبرتهم وكفاءتهم الإدارية، إضافية لعدم قدرتهم على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وعدم قدرتهم على تحقيق التضامن العربي كبديل لسد عجز نظام حكمهم عن كبح جماح الصهيونية عن فلسطين، مما ولد الأحزاب اليسارية الراديكالية، التي أخذت تنادي بالصراع الطبقي القائم في المجتمع بنظرها، بالرغم من أن كل الدساتير التي سادت خلال هذه الفترة كانت تتضمن حماية العمال وتشجيع الملكيات الصغيرة والمتوسطة، وتعيين حد أعلى لحيازة الأرض، كما أعطت هذه الدساتير حق تأميم كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة، مقابل تعويض عادل، وهذا ما أكده رئيس الحزب الوطني عام 1962 عندما أثار اليساريون من خلال الحوراني موضوع الصراع الطبقي في البرلمان، حيث قال في ذلك : " يجب إبقاء الطبقة الفوقية حيث هي، لا أن تنزل هذه الطبقة إلى تحت، مع إمكانية الحد من استثمارها بوضع مشاريع وقوانين تفرض قيوداً على الأرباح بضرائب تصاعدية تصل إلى 70، 80، 90 في المائة على الأرباح، لا قيوداً مقيدة توضع على رؤوس الأموال، وهذه الضرائب التصاعدية على الأرباح،لا قيوداً مقيدة توضع على رؤوس الأموال، وهذه الضرائب التصاعدية يمكن إنفاقها على الطبقة التحتية في خدمات عامة كالصحة والتدريس والتعليم، وتكافؤ الفرص ميسوراً بذلك للطبقة التحية، حيث تمشي متدرجة إلى فوق، ويمكن بالتالي أن تكون متدرجة، وئيدة إلى أن تتقارب مع الطبقة الفوقية، لا أن تلتقي هي والأخرى، ولا وجود للإقطاع، كما أن القيود المقيدة للاقتصاد هي ضرر وضرار لعامة البلاد وكافة المواطنين أصحاب رؤوس الأموال، والصناع والعمال أيضاً، ويجب أن يكون الاقتصاد خالصاً من كل قيد يقيده، فالعدل والواجب الوطني، يحتمان بلا تردد إلغاء قوانين التأميم، لأن التأميم قد أضعف القوى الإنتاجية، وأوقف حركة العمل في البلاد، وأبعد الناس عن رغبة الاشتراك أو المساهمة في الصناعة أو التجارة أو الزراعة، ويجب أن يكون التعاون صادقاً ووثيقاً بين صاحب الأرض والفلاح وبين صاحب المال والعامل وبين جميع الطبقات" .


وكان قبل ذلك قد أكد هذا الرأي الرئيس شكري القوتلي في مارس 1943 عندما زار حماه، فقام جماعة الحوراني برفع لافتات ضد ملاك الأراضي والأعيان، مما حذا بالرئيس شكري القوتلي إلى القول:" في هذه المدينة توجد طبقة يقال لها طبقة الذوات وأنا من هذه الطبقة، أنا من الذوات وعائلتي من أقدم العائلات، وأنا من أصحاب الأملاك وأرباب الأراضي، وهناك طبقة أخرى تقول أنها من الشعب، وأنا أيضاً من الشعب، وقد أمضيت عشرات الأعوام مناضلاً في سبيل الشعب، إنني أعلم معنى الفكرة التي يعتنقها كل ذات من الذوات، كما أعلم ماهية الفكرة التي يعتنقها كل رجل يقول إنه من الشعب، لكن اسمحوا لي أن أضع هذه الأمور في مواضعها، إنني على استعداد لأن أضحي بأولادي وبعائلتي في سبيل الوطن".

ورغم ذلك ظل الحوراني معارضاً لكل الأنظمة التي لا تسعى للإصلاح الزراعي الفوري، وقد كسب تأييد وتعاطف بعض الفلاحين، كونه كان ينتمي لحركة الأشقياء الشعبية التي كانت تفرض الخوة على الأثرياء، رغم أن الحزب الشيوعي نفسه لم يكن يدعو للإصلاح الزراعي في ذلك الوقت، كما لم يكن يدعو للتأميم، على أساس أن هدفه هو تشجيع وزيادة الاقتصاد، من خلال المشاريع الواسعة، رغم أن الهدف الأساسي من تصريحاته هذه هو وصول بعض أعضائه إلى البرلمان، لأنه كان يدرك أن النظام الطبقي من صميم الحياة الاجتماعية السورية في تلك الفترة، مثل اقتصاد جبل العرب، وغيره، ولم تكن حركة الشعبيين في جبل العرب عام 1945 ضد آل الأطرش الذين يتولون كافة المناصب السياسية الدرزية، في جبل العرب والتي كانت ثورتهم هذه بعد ثورة العامية عام 1886 سوى دليلاً على الصراع الطبقي، فاعترف آل الأطرش بحق الفلاحين في التملك في أعقاب ثورة العامية، أما في ثورة الشعبيين فقد تنازل آل الأطرش عن المناصب السياسية لصالح الشعبيين الذين شجعهم الرئيس شكري القوتلي، حيث أيدوا فيما بعد انقلاب حسني الزعيم.
كما ظل الحوراني يحرض الفلاحين الأكراد في يونيو عام 1947 ضد زعمائهم من ملاك الأراضي الواسعة، مما أدى إلى مصادمات قتل على إثرها حوالي 30 شخصاً، ثم أثار في أكتوبر عام 1948 قضية بين الريف والمدينة، مدعياً أن القرى التي يسكنها الفلاحون لا تحظى بالرعاية الكافية مثل بقية المدن السورية، على أمل ولاءهم له، كما قام بعض أفراد الطائفة المرشدية بدور هام في إحداث الإخلال بالأمن من قبل عام 1945، وتواكب نشاطها مع إضراب عمال مرفأ اللاذقية عام 1945 بتشجيع من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، لذلك عمل محافظ اللاذقية آنذاك عادل العظمة على تشكيل جمعية تضم جميع الطوائف وتوزيع أراضي أملاك الدولة والخالية على الفلاحين الذين لا أرض لهم، ثم قام الحوراني بعد سقوط سامي الحناوي، بتنظيم كتائب مسلحة مدعومة من الجيش ضد الملاك الكبار، وصارت هذه الكتائب تتدخل في كل قضية بين الملاك وفلاحيهم في كل أنحاء سوريا، ثم أصدرت الحكومة عام 1950 قراراً للعمل بالتعرفة الموحدة ، مما حذا بأرباب العمل في دمشق إلى إغلاق معاملهم، وهذا أدى بقضاة الدولة كلهم إلى المطالبة برفع أجورهم، وعلى ذلك فكانت الشعلة التي أوقدها الحوراني قد أثرت سلباً على جميع المصالح الاقتصادية في الدولة.
لكن بعد الانقلاب الثاني للشيشكلي عام 1951، عمل على وضع رقابة على خروج الأموال في البلاد وأمم بعض الشركات الأجنبية، وألزم الشركات الأجنبية التي لها فروع في البلاد أن يكون ممثلوها في سوريا من الموظفين ورفع الضريبة على الدخول إلى نسب عالية وصلت إلى 36% لتحطيم قواعد الاقتصاد الحر الذي كان سائداً في سوريا، ثم أصدر في يناير 1952 قانوناً بتحديد الملكية الزراعية في المستقبل، وإعطاء الفلاحين المستأجرين للأراضي نسبة أعلى من المحصول، حيث كان المالك يأخذ 75% من المحصول بينما الفلاح المستأجر يأخذ 25%، فأخذ وفق قانون الشيشكلي، نصف المحصول أي 50%، لذلك ازدهرت الزراعة والصناعة بشكل لم يحصل في كل تاريخ سوريا حتى الآن، حين استصلحت الأراضي واستثمر مشروع الغاب، وازدهرت صناعة النسيج، ووضع حجر الأساس لموقع معرض دمشق الدولي، وأمم الحافلات وكهرباء دمشق، وألغى امتياز حصر التبغ والتنباك، وألحقها بوزارة المالية، كما أنشأ شركة سورية مساهمة لإنشاء واستثمار مرفأ اللاذقية، وتوسعت في عهده المدن بشكل كبير، لكن في أواخر 1953 ضعف الاقتصاد قليلاً مما قوى من المعارضة، خاصة أن عدد المثقفين زاد في عهده، وتوسع الجيش السوري بشكل كبير، وبسبب وجود الحوراني في المسرح السياسي عمل على عقد الاجتماعات الفلاحية عام 1951، في حلب ، حيث شجعهم على المطالبة بالإصلاح الزراعي الفوري، ثم قام بحملة عنف وإرهاب ضد ملاك الأراضي في يناير عام 1952، وكان يستطيع الاستغناء عن ذلك من خلال استطاعته توطين فقراء الفلاحين في مشاريع الري الخاصة بالدولة، والتي ازدادت في عهد الشيشكلي بشكل كبير، لكنه عمل على منع تشغيل رأس المال هناك، باعتباره كان وزيراً للزراعة، مما منع استفادة الفلاحين المستوطنين هناك من أي فائدة، وعمل في يونيو 1951 على مهاجمة حكومة خالد العظم من خلال حزبه الجديد العربي الاشتراكي، على أساس أن الحكومة لم تغير في مشروعها عن الحكومة السابقة، ولم تحقق الإصلاح الزراعي مباشرة، فعمل على التمهيد لإضراب موظفي الدولة في سائر المحافظات السورية ثم حثهم على المطالبة بزيادة الأجور فأسقط الحكومة، بسبب عدم قدرتها على تحمل هذه الأعباء، فكانت ردة فعل ملاك الأراضي على تجاوزات الحوراني، أن قاموا بالاجتماع في معرة النعمان في خريف 1951، وعقدوا مؤتمراً لهم فرد، الحوراني بعقد مؤتمر فلاحي آخر في سبتمبر عام 1951، أخذ ينادي بنزع ملكية أصحاب الأملاك الكبيرة، وألقى خطاباً فيهم جاء فيه : " أيها الاشتراكيون، يا رفاق الجهاد، سنوات عديدة مرت علينا ونحن في جهاد مستميت، نحارب على جبهات عدة، ضد الصهيوني والأجنبي والإقطاعي" ، ثم اختلف الحوراني مع الشيشكلي حول موضوع الإصلاح الزراعي بسبب أن الشيشكلي لم ينفذ الإصلاح الزراعي كما يريده الحوراني، رغم أنه أصدر مرسوم قانون الإصلاح الزراعي رقم 96، الذي قضى بتوزيع خمسة ملايين هكتار من أراضي الدولة على الفلاحين، وتوطين مليون أسرة فلاحية، ثم أصدر مرسوماً آخر حول ذلك جاء فيه : " إذا تبينت أن أملاك الدولة من الأراضي لا تكفي لتنفيذ أهداف القانون الأخير، فإن الحكومة ستلجأ إلى إصدار قانون خاص يقتطع أجزاء من ملكية أصحاب الأراضي الكبيرة لتوزيعها على الفلاحين" ، وكانت هذه الإصلاحات قد توافقت مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة، والتي كانت تأمل تحقيق إصلاحات اجتماعية داخلية، حيث كان الشيشكلي قد وعد السفير الأمريكي بها، وبسبب الخلاف بين الحوراني والشيشكلي، وضع الشيشكلي، الحوراني في الإقامة الجبرية أواخر 1952، وأغلق صحيفة حزبه العربي الاشتراكي، وكانت تسمى الحرية، وبعد سقوط حكم الششيشكلي عام 1954، تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً، خاصة في ظل حكومة سعيد الغزي عام 1954، مما حذا بعمال الغزل والنسيج للمطالبة بزيادة أجورهم وتحديد ساعات العمل والاعتراف بحقهم في الانتساب للنقابات، مما حذا بأرباب العمل أن قاموا بإضراب شامل في 24 يوليو 1954 استمر يومين، في دمشق وحلب، مما حذا بالبرلمان إلى الموافقة على تعديل قانون 1946 الذي يعطي الحق للبرلمان في إقرار ما إذا كان إضراب العمال شرعياً أم لا، ثم حدث إضراب آخر في 30 يونيو 1954 لتحديد ساعات العمل، فتأجلت الانتخابات نتيجة لذلك شهراً كاملاً، وبسبب إضرابات عمال شركات النفط الإنكليزية العراقية، وأرامكو، زادت هذه الشركات أرباح الحكومة من الخطوط المارة بسوريا.
وفي أغسطس 1956 قام جماعة الحوراني من بعثيي حماه، بالاشتباك مع جماعة الحزب القومي السوري الذي ينتمي إليه بعض الملاك ومنهم آل العظم، وبضغط الحوراني، أصدرت حكومة صبري العسلي في أواخر ديسمبر 1956 قانوناً بمنع تهجير الفلاحين من الأراضي التي يشتغلون فيها، رغم أنهم كانوا عمالاً زراعيين ليس أكثر، فكان ذلك تمهيداً للاستيلاء على أراضي الملاك وتوزيعها على الفلاحين ، رغم معارضة البرلمان التدخل في أملاك الدولة وتوزيعها على الفلاحين، مما حذا بالبعث في يونيو 1955 إلى التهديد باستقالة النواب من البرلمان، ثم نظم اليسار في فبراير 1956 مظاهرات عمالية في حلب، تطالب بإلغاء مرسوم الشيشكلي رقم (243) الذي يمنع العمال من الانتساب للأحزاب السياسية، وأعلنوا