|
الفصــل الاول
التمهيـد ومفاهيم في الصحة والمرض
والصحة العامة
1) الإنسان والحياة الأولى وتركيبها:
بعد نحو مائة وخمسين سنة فقط من العلم البيولوجي شرع الإنسان يفكر
التفكير العلمي في اصل الحياة(1)، وشرع يبصر بان الحياة: هي خاصة من
خواص المادة… كما إن العقل: هو خاصة من خواص الحياة(2).
وقد فتحت لنا الكيمياء الحياتية Bio – Chem istry آفاقا جديدة في البحث
والدرس انتهينا منها إلى الوقوف على أجزاء كثيرة من الجسم الحي، وكيف
تصنع بالتفاعل والتركيب من مواد غير حية. فهناك مواد مركبات حيوية
يصنعها جسم الحي مثل الأنزيمات والفيتامينات والهرمونات، وهي مركبات
محورية في الأحياء بحيث لا يمكن أن تحيا بدونها.
وقد نشأت الخلية الأولى قبل نحو سبعمائة مليون سنة أو اكثر حيث شرعت
الأرض تبرد، وتتبخر الغازات إلى سوائل، ثم تجمد هذه إلى مواد صلبة.
أما كيف نشأت الخلية الأولى هذه فلا يزال الأمر سرا مجهولا.
إن ما نفهمه من عبارة (الخلية الأولى) شيئا غير الخلايا المفردة التي
نراها الآن، فالخلية الأولى كانت اكثر بدائية واقل تركيبا من الخلايا
الحاضرة. إلا إن أجسام الأحياء، من نبات وحيوان، تحتوي ثلاث مركبات لا
يمكن أن يخلو منها الجسم الحي هي:
1- الكربوهيدرات مثل السكر والنشا.
2- الدهنيات مثل الشحم والزيت.
3- البروتينات مثل زلال البيض واللحم والجبن
والجزيء في السكر يحتوي 24 ذرة
والجزيء في الشحم يحتوي 153 ذرة
والجزيء في البروتين يحتوي 40.000 ذرة
من هذا نفهم إن اعقد المركبات في الجسم هي البروتينيات وأسهلها هي
الكربوهيدرات(2)، فالبروتينيات هي من المركبات الأساسية في جميع
الخلايا الحية وهي تتكون من خمسة عناصر هي: الكربون، والهيدروجين،
والنيتروجين، والأوكسجين، والكبريت. وهي تتكون من سلاسل طويلة من
الأحماض الأمينية، وهي ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة إلا إن جزيء
البروتين يصلح كمستقر للحياة. والإنسان استطاع في المعمل تصنيع السكر
والشحم أي الزيت وأجسامنا تستطيع أن تحيل السكر إلى كربوهيدرات وبالعكس.
ولكن البروتين لا يمكن تصنيعه ولا الجسم يستطيع صناعته بل عليه أن
يتناوله جاهزاً. فالبروتين هو المادة الحية الاولى. والمادة البروتينية
تحمل على الدوام شحنة كهربائية تجعلها على تفاعل مع الأجسام المكهربة
المحيطة بها. فهي تتذبذب اقرب الأشياء إلى الإحساس والتحرك … والإحساس
والتحرك هما من خاصية الأحياء.
لذلك يمكن الظن بان أول الأحياء على الأرض هو مجموعة من الجزيئات
البروتينية الكهربائية التي تهتز بالحياة وهذا الاهتزاز هو حركة أو
ذبذبة.
وهذه الحياة الأولى من المرجح إنها ظهرت في السواحل، حيث يختلط الماء
بالطين وحيث أشعة الشمس تصل إلى قعر الماء.
ودبيب الحياة الأولى في الجماد لا يزال سراً، ولكن المعروف انه ليس في
الحي عنصر أو مركب لا نجده خارجه في الجماد. فالجسم الحي مؤلف من
الكربون والنتروجين والأوكسجين والهيدروجين والكبريت وجملة أملاح أخرى.
وبعض المركبات التي يصنعها الجسم الحي مثل النشا والبول والكحول يمكن
صنعها الآن في المعامل الكيمياوية … إلا إننا إذا جمعنا المواد المؤلفة
منها الجسم الحي لما أمكننا مع ذلك أن نصنع خلية حية … ولكننا يمكننا
إن نلمح شيئا من طبيعة الحياة من تركيب عناصرها. فاهم خاصية أو صفة في
الحياة هي الحركة والنشاط. وا딀هم صفة في عنصري النتروجين والكربون هي
أيضا نوع من الاستعداد للحركة العنيفة، لان هذين العنصرين تستعملان في
المواد الانفجارية كالبارود والديناميت(1). فمادة الحياة وصفاتها واحدة
في الخلية الواحدة مثل الاميبيا وفي الأحياء الراقية من نبات وحيوان
والإنسان الذي يقف على قمة تطور الأحياء، فكلها تتركب من نفس العناصر
والمركبات. 2) الإنســـان والمـــرض: في التاريخ الموغل في القدم وقبل
ملايين من السنين، يقول علماء الحياة وتطورها: إن الحياة الأولى كانت
عبارة عن مكروب ذو خلية واحدة بسيطة التركيب تكونت لتوافر ظروف معينة …
وقد شرع هذا المكروب الأول في التكاثر والانقسام إلى أعداد هائلة،
وبخضوع هذه المكروبات إلى عوامل التحديات(1) المختلفة الموجودة في
الطبيعة، والاستجابة إلى هذه التحديات خلال ملايين السنين: بدأت مرحل
مدهشة لعمليات التطور والارتقاء أدت في النهاية إلى ظهور أنواع مختلفة
من الكائنات الحية البسيطة منها والمعقدة. حياة ميكروبية بسيطة وأخرى
معقدة وحياة نباتية بسيطة ومعقدة وحياة حيوانية متدرجة من البساطة إلى
التعقيد.
وباستمرار عملية التطور والارتقاء هذه نتيجة لاستمرار عوامل التحدي
والاستجابة اتجهت هذه العملية باتجاه ظهور الإنسان. ويقدر علماء
الانثروبولوجي إن ظهور أول مخلوق له خصائص إنسانية كان قبل حوالي
(500.000) سنة فمنذ ذلك التاريخ ولحد ألان والإنسان في معركة دائمة مع
المكروب الأول وذريته، حيث لازم الإنسان في بيئته فصائل من هذه
المكروبات ضعفت وتطفلت على جسم الإنسان مسببة له أنواعا من الأمراض شتى.
(2)لقد شعر الإنسان بفطرته وعندما وعى بيئته وادرك ذاته، بان أمامه
نوعان من التحديات:
1. التحدي الأول:
حصوله على طعامه: وقد استجاب لهذا التحدي بان بدأ يأكل من النباتات
الموجودة حوله، فعرف منها ما يصلح له وتجنب ما شعر بأنه يسبب الضرر له.
ثم وعندما واجه تحديات اشد بهذا الخصوص، تلك التي تهدده بالمجاعة،
استجاب اكثر لهذه التحديات بان اخذ يتعلم الصيد. وهو بهذا قد ادخل على
حياته تعقيدا اكثر ومفرادت اكثر من ذي قبل: فاخترع لهذا الغرض ادواتاً
للصيد من الهراوات ثم الرماح وبعدها القوس والسهم ونصب الشراك وضرورة
العيش على جماعات متعاونة لحصول صيد اكثر والطمأنينة. ثم استجاب اكثر
من ذي قبل فأخذ يدجن بعض الحيوانات وعلمها العيش معه. واستجابة منه
اكثر من ذي قبل تعلم الزراعة فبدأ بزراعة النباتات التي تعطيه طعامه.
وهنا بدأ تاريخ نشوء المجتمعات الإنسانية بصورها التي نقلها لنا
التاريخ فنشأت القرى ومن ثم المدن وبعدها الدول.
ووجد الإنسان نفسه مضطراً للبقاء قرب حقله فبنى بنفسه بيتاً بدائياً ثم
زود هذا البيت بحيز لحيواناته الداجنة ثم أضاف له قسما لخزن منتوج حقله
ثم زوده بمرافق بدائية. وهكذا تطورت حياته بتطور حاجاته استجابته لهذه
الحاجات.
وبتطور حياته هذه ازداد احتكاكاً اكثر بالميكروبات التي تسبب له المرض
الذي ينتقل له من الحيوانات التي يقتنيها. وكذلك الأمراض التي تنقل
إليه من غيره من أفراد الجماعة مباشرة، أم بواسطة الحشرات التي بدأت
تتوالد حوله في الازبال والقاذورات والفضلات والمياه المتجمعة حوله.
فبدأ المرض صفة وحالة تلازم الإنسان وشعر بوطأته عليه ومقدار ما تسببه
الأمراض له من تعاسة وضرر، وكيف إن المرض اخذ يؤثر على مقدرته على
العمل والإنتاج ومقدرته على توفير الطعام اللازم له ولأفراد عائلته
فصارت المجاعة تتحداه وتهدده ثانيةً.
2. التحدي الثاني:
والتحدي الثاني الذي لازم الإنسان منذ أول نشأته هو الخطر الذي يهدد
حياته وهذا الخطر على نوعين:
أ- أخطار مصادرها معروفة لديه: وهي أخطار الحيوانات المفترسة، وقد
استجاب لهذا التحدي ومواجهة هذه الأخطار ويضع الحلول لمواجهتها: فهو
إما اخذ يهاجم هذه الحيوانات ويقتلها بالأسلحة التي اخترعها، أو انه
اتخذ لنفسه محلات وملاجئ تكون بعيدة عن هذه الحيوانات يحتمي بها.
ب- أخطار لم يستطع أن يدرك كنهها ومصدرها مثل الظواهر الطبيعية: كالحر
والبرد والفيضانات والصواعق والزلازل وغيرها من الكوارث.. وكذلك
الأمراض.
ولصلة هذه العوامل والأخطار المحيطة به وتأثيرها على حياته ورغبة منه
في اتقائها نسب مصادرها إلى قوى مجهولة فعمد، كوسيلة لاتقائها، إلى
ابتداع طقوس ومراسيم تقربه إلى هذه القوى كوسيلة لاتقائها والتقرب بها.
فظهرت عادات وطقوس اخذ الإنسان يمارسها لاتقاء الأمراض والوقاية منها.
وعند الإصابة بالمرض للشفاء منه.
وبنفس الوقت بدأت تتجمع لدى الانسان معلومات بسيطة عن بعض الادوية وطرق
المعالجة بها وذلك نتيجة لاحتكاكه المباشر والمستمر بالطبيعة وقد لعبت
الصدفة دورها بهذا الخصوص، فعرف ان هناك بعض النباتات والاعشاب تنفع في
علاج بعض الامراض … وهنا بدأت النواة الاولى لظهور علم العلاج الذي كان
وقفاً على الكهان محصوراً بين جدران المعابد اللذين كان لهم الوقت
الكافي بحكم عملهم وطبيعة المعابد كي يقوموا بالبحث وتطوير ونمو هذه
الخبرات. وقد بقي الطب ومعالجة المرض مرتبطاً باعمال الكهانة ملازماً
لوظيفة الكاهن. واستمر العلاج عصوراً عديدة على هذا المنوال حتى عصر
حضارات وادي الرافدين – الحضارة السومرية التي ارتفعت مهنة وفن علاج
الامراض الى مستوى رفيع وحيث بدأت تظهر مهنة الطبيب التي وصلت هذه
المهنة في العهد البابلي الى مستوى وضعها في اطار تشريعي يحدد اعمالها
وواجباتها كما ورد في شريعة حمورابي.(1) ثم جاءت الحضارة اليونانية
والتي يمكن ان تسمى بحق عصر الدراسة العلمية لظواهر الطبيعية والكون،
وكان من جملة العلوم التي عنوا بدراستها: هو علم الطب وشفاء الامراض.
فبدأت النواة الاولى لعلم الطب بالظهور فتم تصنيف الامراض واماكن
اصابتها لجسم الانسان وصنفت العلاجات لهذه الامراض وبدأ نوع من التخصص
لدى بعض الافراد الذين تميزوا بكونهم اطباء مثل ابقراط الذي يلقب سابقا
وحاليا بابي الطب وكذلك جالينيوس. وقد دلتنا اثارهم واخبارهم على المدى
الشاسع الذي بلغه هؤلاء الرجال في مهنتهم والتي لازال اكثرها معترف به
…
ثم مرت عصور طويلة كادت تنقرض فيها الاثار العلمية التي خلقتها لنا
الحضارة اليونانية ويلفها النسيان، لولا ان تلاقفتها الحضارة العربية
في دور انبعاثها الاسلامي، فاعادت دراستها واحيائها وابطلت الخاطئ
منها. وتميزت الحضارة العربية هذه بالاسلوب العلمي التجريبي. فتم تصحيح
الكثير من الاخطاء اليونانية في ميدان الطب والصيدلة. فالعرب هم اول من
وضع الاسس العلمية للتشخيص السريري. فقد بلغ علم الطب شأواً عظيماً في
دقة المعلومات التي وردت فيه. وظهر اعلام في الطب اثار نبوغهم الاعجاب
ولازال يعتبرون حجة في هذا الحقل. ان الذي يراجع كتاب (القانون) لابن
سينا وكتب الرازي في التشخيص السريري وابن النفيس … وتذكرة داود
الانطاكي … لا يسعه الا ان يأخذه العجب. ففي علم التشريح وصفوا جسم
الانسان واجهزته واعضائه، فابن النفيس هو من اكتشف الدورة الدموية و
ليس وليم هارفي وتشريح ابن الهيثم للعين البشرية جاء دقيقاً.
اما براعتهم في تشخيص الامراض فتكاد تبلغ حد الاعجاز ولا يكاد يجاريهم
في ذلك حتى كبار اطباء هذا العصر بدون ان يلجأوا الى استعمال الاجهزة
الحديثة … اما براعتهم في وصف الادوية فلازالت لحد الان تعتبر المرجع
للبحوث الطبية العلمية، حتى ليقال ان الادوية الحاضرة هي عبارة عن
ادوية الصيدلية القديمة محسنة بطرق علمية ولم تزد الا ما جاءت به
المعامل الحديثة والوسائل الفنية. وللتأكد من صحة هذا الرأي يمكن لاي
شخص ان يراجع كتب (الاقرباذين) أي مفردات الصيدلة والطب القديمة التي
لا زالت الملاذ لكل العلماء الذين يعملون في مختبراتهم حاليا على
اكتشاف اسلحة جديدة لمعالجة الامراض فهم اذا ما طال بهم البحث واتعبتهم
الحيلة في ايجاد دواء المرض يرجعون الى مؤلفات العرب القدامى ليعرفوا
الطريقة والنبات الذي كانوا يستعملونه لهذا الغرض ليتحققوا بمختبراتهم
من ذلك.
نرى ان المرض قديم قدم الانسان نفسه عانى منه قديما ولازال يعاني منه
لحد الان. فكم من الامراض والاوبئة كانت السبب في انهيار إمبراطوريات
واندثار حضارات.
والامراض التي تصيب الانسان اكثرها مسبب عن مكروبات نباتية كانت ام
حيوانية او فيروسات، او تكون مسببة عن طفيليات وهناك من الامراض ما لا
ينتج عن مكروب.
3) الانسان والصحة:
المرض قديم قدم الانسان نفسه عانى منه قديماً ولازال يعاني منه لحد
الان. فكم من الامراض والاوبئة ما كانت سببا في انهيار امبراطوريات
واندثار حضارات وتشتت مجتمعات. والامراض التي تصيب الانسان اكثرها مسبب
عن ميكروبات قريبة من النباتية (بكتريا) او قريبة من الحيوانية: وحيد
الخلية (البروتوزوا) او طفيلية متعددة الخلايا.او ان تكون مسببة عن
الفيروسات. وهناك من الامراض ما لا ينتج عن مكروب(1). بل هي من الامراض
العضوية الناجم معظمها عن اختلال في فسلجة الجسم نتيجة الخلل في توازن
البيئة التي يعيش فيها الانسان، خلل في التوازن الغذائي وخلل ناجم عن
تلوث البيئة. وهذه الامراض الناجمة عن تلوث البيئة وخلل في توازنها،
يرتفع خطها البيائي بارتفاع مستوى التقدم والحضارات في المجتمعات.
والانسان منذ القدم ومنذ ان ادرك ذاته وانسانيته وهو مع المرض في صراع،
صراع قادة الى ظهور علم الطب وفي العصور القديمة وقبل النهضة العلمية،
بقي علم الطب يتحدث عن المرض وغفل في اغلب مراحله، الكلام عن الصحة …
فكان تفكير الاطباء القدامى وكتبهم تختصر في موضوع المرض والمريض
وشفاءه وليس في العمل على حماية من المرض والارتفاع بمستوى كفاءته
الصحية.فلقد كان صراع الانسان مع المرض وليس من اجل الصحة.
ولرب سائل يلتبس عليه الامر وقد يسأل: أليس صراع الانسان مع المرض هو
صراع من اجل الصحة ؟ وهذا مفهوم خاطئ قد يكون شائعا في اغلب المجتمعات
النامية، حيث يسود الاعتقاد الخاطئ بان الصحة لا تعني اكثر من عدم
المرض وان الصحة تكون بعدم المرض او بالشفاء منه.
ان الصحة هي من الامور التي يوليها الفرد عنايته واهتمامه. فكل يرغب ان
يتمتع بصحة جيدة ويحاول ان يحافظ عليها، لان الصحة هي اغلى شيء يملكه
وانها مصدر سعادته وبدونها لايستطيع العمل والانتاج، فلكي يكون بامكانه
ان يملك التصور الصحيح بمعنى كلمة الصحة وتاريخ الجهود التي بذلها
ويبذلها الانسان كي يحافظ على صحته ويطورها، يجدر بنا اول الامر ان
نعرف كلمة الصحة وماذا تعني بالضبط.
ان احدث واشمل وادق تعريف متفق عليه دولياً من كلمة الصحة ويمثل خلاصة
بحوث علماء الطب والصحة والاجتماع. وقد اقرته منظمة الصحة العالمية: ((
World Health Organization W.H.O))
للصحة التعريفان التاليــان:
1- التعريف الاول: الصحة هي:
((حالة من الكمال الجسمي والعقلي والرفاه الاجتماعي، ولاتعني فقط حالة
عدم وجود المرض او العاهة او الضعف)).
حالة من الكمال الجسمي: تعني ان الجسم قبل كل شيء يجب ان يكون خالي من
المرض ولاوجود للعاهة والتشوهات فيه التي تعوق قيامه بواجباته، وان
يكون هذا الجسم متمتعاً بالحيوية والنشاط وان يكون قادرا على مزاولة
العمل والانتاج برغبة وحيوية.
فالاشخاص الذين تكتنز اجسامهم بكثرة اللحم والشحم ويستمروا او الكسل
والتهرب من العمل والانتاج همهم ما يدخل جوفهم، يتصوروا انهم يتمتعوا
بصحة جيدة. وواقع الحال يقول انهم لايختلفون عن تنابلة السلطان يعيشون
عالة على المجتمع وعلى غيرهم وحتى على انفسهم، هم في الحقيقة مرضى لعدم
تمكن اجسامهم من العمل والانتاج.
ان مبرر وجود الانسان في الحياة هو العمل والانتاج ((وقل اعملوا.. ))
وبذلك يضيف الى تراث الحياة شيئاً مهما اعتقدنا انه ضئيل الا انه يكون
بمجموعة الكمي والنوعي اثراء للحياة ويدفعها الى الامام.
لان العمل هو الصفة الانسانية للانسان، ارتبطت صفة العمل والانتاج بشرف
الانسان لانه يرتبط بأنسانيته.
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))
حالة من الكمال العقلي: تعني ان الجهاز العصبي والنفسي والذهني
والعاطفي الانفعالي يجب قبل كل شيء، ان يكون خالي من الامراض النفسية
والعصبية والحالة النفسية خالية من الشذوذ والعقد النفسية والعاهات
العصابية. وان تكون الناحية العقلية والنفسية والعصبية بحالة من
التوازن الذي يحقق للفرد الانتظام والاستقرار. ومع ذلك فان الفرد يجب
ان يمتلك الفكر المبدع الخلاق الذي يؤدي الى خير المجتمع.
حالة من الرفاه الاجتماعي: الصحة لاتكون بجسم وعقل الفرد فحسب، فلا
يمكن ان تتحقق في الجسم والعقل، ما لم تكن البيئة والمحيط الذي يعيش
ويتحرك ضمنه الانسان، صحيحة بمكوناتها وعناصرها وخالية من الشوائب
والملوثات وفي حالة من التوازن الطبيعي التي توفر للانسان الصحة
والنقاء بأكله ومشربه ومسكنه وتربته وهواءه وفي علاقاته الاجتماعية
والانسانية وفوق هذا وذاك ان توفر البيئة للانسان المتعة والرفاه
والانتظام بعمله وحياته.
فالبيئة التي يحيى فيها الانسان، ولكي توفر له الرفاه والصحة في جسمه
وعقله. ويجب ان تكون هذه البيئة متميزة بكونها:
1- بيئة صحية 2- بيئة ممتعة 3- بيئة منتجة
تساعد الانسان على العمل والانتاج.
والبيئة التي يحيا فيها الانسان، صحتها وتنظيمها وتطويرها والمحافظة
على نقاءها وسلامتها من التلوث البايولوجى والكيمياوي والفيزياوي،
اصبحت لها في العصر الحالي، من العلوم ما كثر عددها وتفرعت اختصاصاتها
وبحوثها اخذت تحضى باهتمام حيوي متزايد دفعت دول العالم قاطبة، وعن
طريق الامم المتحدة، الى الانتباه الى اهميتها ليس فقط على صحة الانسان
بل وعلى مصيره وحضارته ومصير الحياة ذاتها على هذا الكوكب.
2- التعريف الثاني: لمنظمة الصحة العالمية وضعته عام 1946:
ليست الصحة هي حالة الخلو من المرض والعاهات الجسدية فقط بل هي تمام
العافية البدنية والعقلية والاجتماعية.
فالصحة بعناصرها الثلاثة: الجسم … العقل … والبيئة، تتمثل بترابط هذه
العناصر الثلاثة وتأثر كل منها بالاخرى. فالجسم المريض يقود حتماً الى
انحراف بالصحة العقلية او النفسية ويؤدي حتماً الى عدم الاهتمام
بالبيئة والاضرار فيها. وكذلك هناك الكثير من الامراض الجسمية منشأها
اختلال في الناحية النفسية.
كذلك فان البيئة الملوثة والغير مريحة تكون سبباً في انتقال الامراض
الى الجسم وظهور الكثير من الامراض النفسية والعصبية.
ان الانسان بتاريخه الطويل ولا يزال بتاريخه الحاضر وما يأمل ان يحققه
بتاريخه المستقبل، قد سعى ولا زال يسعى عن طريق كافة نشاطات حضارته
السابقة والحاضرة والقادمة، الى تحقيق ما ورد في تعريف الصحة هذا.
فمضمون هذا التعريف هو عبارة عن ما يصبو الانسان الى تحقيقه لنفسه من
الطمأنينة، الرفاه والسمو دوماً بانسانية نحو الكمال.
وكما ان الصحة مهمة للفرد يهتم بها ويداريها، فهي للمجتمع اكثر اهمية،
ذلك ان صحة الفرد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً لصحة غيره من الافراد. وهي
ركن مهم من اركان تطور المجتمع. فالمجتمع الذي يشكو افراده المرض سوف
لن يكون بمقدوره التقدم. وعلى العكس المجتمع الذي يتمتع افراده بالصحة
والقوة. فالعلاج المريض – مثلاً سوف لن يكون بمقدوره العمل والانتاج
حتى لو توفرت له وسائل الانتاج الحديثة، وعلى العكس منه الفلاح الذي
يتمتع بصحة جيدة.
فالصحة اذاً هي الخطوة السابقة والمرافقة لكل عمليات التقدم البشري.
فلا يمكن لاي مجتمع ان يتقدم بمشاريعه الانتاجية (الزراعية، الصناعية،
الثقافية)، ما لم تسبقها وترافقها وتدخل في مقوماتها مشاريع وخدمات
الصحة العامة.
وكما ان الصحة هي الخطوة السابقة لكل تقدم بشري، فهي غاية بحد ذاتها
لكل تقدم بشري. والا فما الغاية من كل ما تعمل وتصبو الحضارة الانسانية
على توفره للانسان، اليس من اجل ان توفر له الطمأنينة والرفاه والسمو
دوماً بانسانيته نحو الكمال.
والصحة هي دعامة رئيسية من الدعائم الثلاثة التي يقوم عليها المجتمع
الحديث. والدعائم هذه هي: 1- الصحة 2- اقتصاد مزدهر 3- ثقافة منطقية
بناءه مدركة ويمكن ان نطلق عليها ثالوث التقدم الاجتماعي. وهي عكس
الثالوث الذي يقود الى تأخر المجتمعات وتدهورها وهذا الثالوث هو:
1- الفقر 2- الجهل 3- المرض
فكل تبديل او تغير يراد احداثه باي مجتمع يجب ان يستند اولاً على تبديل
او تغيير بالافراد انفسهم (أي صنع انساني جديد) تغير في صحتـهم
الجسمـية والعقلية والاجتماعية. أي تغير في الاسس الثلاثة التي يستند
ويقوم عليها المجتمع. وهذا التغير يجب ان يستند على التخطيط والدراسة
بحيث تضمن عدم الاخلال بتوازن عملية التغيير. أي ان عملية التقدم
والتغيير يجب ان تشمل جميع اسس المجتمع بشكل متوازن.
واستناداً الى ما سبق طرحه من شرح لتعريف الصحة الذي اوردته منظمة
الصحة العالمية: استطيع ان اطرح تعريفاً تنموياً اجتماعياً مختصرا
للصحة بمفهومها الاجتماعي التنموية وهو الصحة:(1) هي القدرة على العمل
والانتاج.
وتعبير القدرة: تعني توفر القدرة الطبيعية للجسم الانساني والقدرة
العضلية والنفسية التي تندفع للعمل برغبة وشوق وقابلية، وان يكون هذا
العمل منتجاً ويهدف بوسيلة ونتيجة الى الخير العام للمجتمع.
4) صراع الانسان من اجل الصحة:
ان صراع الانسان من اجل الصحة يختلف في طبيعته عن صراعه مع
المرض.فصراعه مع المرض بدأ واضحاً مقصوداً محدود المعالم ذلك ان المرض
كان يشكل مشكلة آنية واضحة ملموسة وشكوى يومية. اما صراعه من اجل الصحة
فقد بدأ عرضياً غير مقصود وغير واضح المعالم. فلقد بدأ الصراع من اجل
الصحة يأتي عرضاً(1) كنتيجة لازدياد ثروة المجتمعات بسبب الحروب التي
انشأت الامبراطوريات الغابرة فتكدست الثروات الكثيرة والتي كانت تنفق
بالدرجة الاولى لانشاء المباني الكبيرة والانيقة وجلب المياه لها
بقنوات خاصة وايجاد وسائل مخفية لتصريف القاذورات وانشاء الحمامات
الخاصة والعامة والملابس النظيفة الغالية الثمن …الخ. كل هذه كانت
وسائل ادت الى درجة ما الى المحافظة على الصحة وتحسينها، قادت اليها
عملية تراكم الثروات، لم يكن القصد منها صحياً بل هو نتيجة للبذخ. لم
تدم هذه الحالة باي من هذه المجتمعات بل كانت تضمحل بعد فترات معينة.
وهذا ما يمكننا ملاحظته في الحضارات السامية والاغريقية التي قامت في
وادي الرافدين ومصر واليونان وغيرها. فلقد فتح لنا علماء الآثار الباب
على مصراعيه للاطلاع على ما جاء بهذه الثقافات. فلقد ادخل البابليون في
قوانينهم التي سنوها لتنظيم المجتمع والتي تعتبر اول التشريعات المقننة
في تاريخ البشرية. ادخلوا في هذه القوانين والشعائر الدينية تعاليم لها
علاقة بالصحة الشخصية وتنظيم الحياة الجنسية وتنظيم مهنة الطب.
والوسائل والاماكن والكيفية التي يتم بواسطتها تصريف القاذورات وكذلك
التعقيم.
وفي اوراق البردي الفرعونية ذات الكتابة الهيروغليفية التي تعود الى
سنة 1500 ق . م. نجد معلومات لها علاقة بكيفية الوقاية من الامراض وطرق
حفظ الطعام.
اما الاغريق فقد قيل بانهم قد حققوا اعلى حالة من الكمال الجسدي عرفت
لحد الان. وذلك نتيجة اتعشقهم جمال الجسم الانساني فتعهدوه بانواع
التمارين الرياضية والتمتع بنور الشمس والهواء الطلق.
والاثنيون قدسوا هايجا Hygia التي كانوا يسمونها ربة الصحة واكسير
الحياة عند الاغريق. فانصبت تعاليمهم ومثلهم على الطريقة المعتدلة
والمتزنة في الحياة، والتمارين الرياضية التي تحقق الجمال الجسمي،
والحركات الجسمية الرشيقة وكذلك النظافة، وما ورد بتعاليم ابقراط حول
غلي الماء قبل شربه وكذلك معالجة المسلولين بنصحهم بالانتقال الى
الجبال حيث الهواء العليل.
ولقد كانت المكتبة الهيلانية في الاسكندرية تحتوي على دراسات علمية في
علم التشريح والفسلجة وحفظ الصحة. وان مثل هذه الدراسات كانت – بلا شك
– متأثره بافكار وكتابات ابقراط وارسطوا وغيرهم من فلاسفة الاغريق
واليونان.
ثم جاء بعد ذلك الرومان الذين اشتهروا باعمالهم الهندسية العمرانية
الباهرة. فشيدوا القنوات لجلب المياه، والمجاري لتصريف القاذورات
وانشاء الحمامات العامة. وعينوا موظفين مسؤولين عن المحافظة على نظافة
قنوات المياه ومنع تلوثها وقد كان هؤلاء الموظفين بمثابة المهندسون
الصحيون في الوقت الحاضر. وكان هناك منذ القدم اروع نظام للمجاري في
مدينة بكين الصينية(1).
وبعد ذلك غرقت اوربا في عصور مظلمة حيث دلتنا المعلومات التي تعود لتلك
الفترة بان الاتجاه الذي كان سائداً آنذاك اتجاهاً سلبياً يسوده الجهل
والشعوذة نحو الصحة، فقد تميزت تللك الفترة بانتشار الاوبئة بكثرة مثل
الطاعون والكوليرا و السفلس وغيرها. فقد كانت الاجرات الصحية الوقائية
المتخذة آنذاك، مقتصرة على الاساطير الشعبية والخرافات واستعمال
التمائم وغيرها. اما الاجراءات الصحية الوقائية فقد كانت مهملة ولكن
ظهرت آنذاك طريقة الحجر الصحي. وبالوقت الذي عمت جميع العالم تقريباً
فترة مظلمة هددت تراث الحضارة الانسانية بالضياع، بزغت شمس الحضارة
الاسلامية العربية وعم نورها العالم اجمع. فالتعاليم الصحية جاءت
كتعاليم وشروط يتطلبها الدين الاسلامي الحنيف.
فمن الاحاديث النبوية الشريفة ((النظافة من الايمان)) و ((قصوا اظافركم
فان الشيطان يكمن ما بين اللحم والاظافر)). وكذلك التوضؤ للصلاة خمس
مرات باليوم … ((المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء)) و ((نحن قوم
لانأكل حتى نجوع واذا اكلنا لانشبع)) و ((فروا من المجذوم فراركم من
الاسد نادلوهم باطراف الاسنة)). هذا جزء يسير من الاحاديث الشريفة وهي
تعاليم تمثل علم الوقاية من الامراض وحفظ الصحة العامة.
وعند ازهار الحضارة الاسلامية وازدهار الحركة العلمية والثقافية ظهر
اعلام |