|
- العلمانية كظاهرة تاريخية
لا تكاد العلمانية تحقق أي تقدم في الحياة الاجتماعية العربية، لا على مستوى
النظرية ولا على مستوى الممارسة، في الوقت الذي لا تكف فيه الفكرة الدينية،
بأشكالها الأشد أصولية واحيانا تطرفا وعنفا، عن توسيع دائرة نفوذها واكتساح حقول
جديدة من الممارسة المجتمعية، الفكرية والسياسية والاقتصادية. وربما ترجع هذه
المراوحة في المكان، إن لم نقل الانحسار للفكرة العلمانية، في جزء كبير منها، إلى
أسلوب تناولها من قبل أنصارها، على المستوى الفكري والسياسي على حد سواء. فهي لا
تزال تطرح في الأدبيات السياسية والفلسفية الحديثة من زاوية ما تعبر عنه من قيم
ومباديء سياسية ايجابية تتعارض مع متطلبات العديد من النصوص والممارسات الدينية
السائدة، ونادرا ما يتجاوز الأمر ذلك إلى دراسة مساراتها العملية في سبيل الكشف عن
معيقاتها، - التي لا تقتصر بالضرورة، ولا حتى بالدرجة الرئيسية، على العوامل
الدينية، - وتعيين العوامل المساعدة على انتشارها، ووسائل العمل من أجل تحريرها من
تناقضاتها وتعزيز قدراتها وفرص تطويرها.
أما على المستوى السياسي، فلا يتمتع المنادون بالعلمانية بأي رؤية مستقلة أو برنامج
عمل خاص، يتيح لهم التأثير في مسار الصراع السياسي، والخروج من دائرة التجاذبات
التي تتعرض لها قضية العلمانية، سواء أجاء ذلك على يد القوى الرسمية الحاكمة التي
تستخدم التمسح بها كذريعة لمنع الانفتاح السياسي، أو على يد المعارضات المختلفة
المتنازعة على تحديد موقعها ومكانتها في دائرة التحالفات المعقدة التي تسعى لبنائها
في وجه السيطرة الطاغية للسلطة الأمنية. وأقصى ما يطمح إليه العلمانيون المخلصون
لقضيتهم اليوم الاتحاد في جمعية مدنية تمكنهم من تطوير تفكير جدي ومعمق بمسائل نشر
العلمانية وتجذيرها في تربة تتعرض أكثر فأكثر للتفتت والانجراف في اتجاه المواقف
الأصولية الدينية.
ويبدو لي أن من الصعب إخراج القضية العلمانية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه من
دون تغيير في منهج تناولها، والانتقال من المقاربة الايديولوجية السائدة إلى
المقاربة التاريخية والنقدية معا. وتقتضي هذه المقاربة في نظري التمييز منذ البداية
بين العلمانية كمفهوم سياسي يشير إلى رؤية ايديولوجية لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن
تنشأ بين المؤسسة الدينية والدولة في العصر الحديث، بمفهومها المواطني الجديد،
والعلمنة كمفهوم علمي يعنى بوصف مسار أو مسارات تاريخية متباينة ومتعدد للوصول إلى
ما تشير إليه العلمانية أو تهدف إلى تحقيقه، في سياق تكوين الدولة الحديثة وتعميم
نموذجها، والذي لا يشكل موضوع استقلال السلطة الزمنية عن السلطة الدينية إلا أحد
أبسط مشكلاته. بل ليس هذا الاستقلال نفسه إلا أحد منتجات إشكالية تتجاوز مسألة
الفصل بين السلطات وتعنى بإعادة بناء النظام الاجتماعي العام برمته، ومن ضمنه
العلاقة بين السياسة والعقيدة، بما يتطلبه ذلك من ضرورة مراجعة مفهوم السياسة
وتأسيس موقف نسبوي في المعرفة أيضا .
ولا أبالغ إذا قلت إن أكثر ما أساء إلى مسألة العلمانية في الدائرة العربية هو
تحويلها إلى مسالة شكلية تتعلق بالمقابلة بين صيغتين جاهزتين وكاملتين لعلاقة الدين
بالدولة، وجعل الاختيار بينهما معيارا للأخذ بالحداثة والمدنية أو السقوط في
البريرية. والحال ليست العلمانية مسألة رياضية تقف فيها نظرية السلطة الزمنية
المثالية في مواجهة نظرية السلطة الدينية أو اللاهوتية الرديئة. إنها مسألة عملية،
أي تتعلق بتحول تاريخي يمس وعي المجتمعات وبنياتها وأساليب تنظيمها، ويخضع بالضرورة
لشروط وعوامل متبدلة ومتغيرة بتبدل البيئة الاجتماعية وتغير الظروف التاريخية لنشوء
الدولة الحديثة وطبيعة هذه الدولة. وبالرغم من أن هذا التحول ينطوي على عناصر
أساسية مشتركة هي التي تجعل منه ميدانا للدراسة المقارنة وموضوعا لمقاربة علمية،
إلا أنه لا يختصر فيها. فنزوع المجتمعات المختلفة إلى تبني معايير وقيم وقواعد عمل
متشابهة في التنظيم المدني والسياسي، ما يشكل أساس الاندراج في الحضارة وتجنب
التهميش والخروج من التاريخ، يجد حدوده وأشكاله المتعينة والمشخصة في الشروط الخاصة
لهذا الاندراج، والموارد المادية والمعنوية التي يتمتع بها كل واحد من هذه
المجتمعات. ولذلك لا يمكن أن يخضع هذا التحول في اتجاه العلمنة لنموذج واحد ولا أن
يكون متماثلا حتى لو كان له المضمون، أو بالأحرى المغزى، الواحد ذاته.
يدعونا هذا بالضرورة إلى التمييز داخل السيرورة العلمنية بين ما يشكل جوهر التحول
التاريخي الذي تشير إليه، وينطبق على المجتمعات المندرجة في السيرورة الحضارية
الواحدة، وما يشكل خصائص ذاتية نابعة من الظروف الخاصة لهذا الاندراج. فمن حيث هي
اتجاه قاهر، وبالتالي موضوعي، لتسويد القيم الدنيوية المتعلقة بتحسين شروط الحياة
الانسانية على الأرض، وبالتالي لتقديم الرأي على النقل، في المعرفة الدينية
والزمنية معا، تشكل العلمنة اتجاها عاما موضوعيا لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يخلو
منه من دون أن يدين نفسه بالهامشية التاريخية أو يعرض حداثته نفسها للاضطراب
والتشويه. ومن حيث هي تجارب محددة لتجسيد هذا النزوع التاريخي والموضوعي في الواقع
العيني، تشكل العلمنة ميدان تجلي مسارات متميزة، تعكس خصائص المجتمعات وشروط
اندراجها التاريخية في الحداثة، أي في حضارة عصرنا، ودرجة تمثلها لمعاييرها،
والسياقات التي حكمت مسيرتها، والصراعات الداخلية التي ثارت بموازاتها. هذا هو
جانبها الخصوصي الذي يرتبط بكل مجتمع ويشكل جوهر تجربته التاريخية الحية أيضا.
ولهذا لا يقود المنهج السائد في الأدبيات العربية والغربية معا والقائم على تطبيق
مفهوم العلمانية كما ظهر وتبلور في المجتمعات الغربية، لمعرفة ما إذا كانت هذه
المجتمعات تتطابق مع النموذج النظري السائد أم لا، إلى أي معرفة ناجعة او جديدة،
ولكنه يعيد اكتشاف ما هو معروف أصلا من أن المجتمعات غير الغربية لم تنتج النموذج
الغربي للعلمانية والحداثة، ويغطي على المطلوب الأول وهو فهم خصوصية التجارب غير
الغربية في طرق باب الحداثة وتمثل قيم العلمنة التاريخية. وبالعكس يتطلب توسيع
دائرة معرفتنا بالحداثة، والعلمانية التي تشكل إحدى سيروراتها الرئيسية، دراسة
التجارب التاريخية المختلفة والخاصة، وإظهار كيف حاولت المجتمعات المنتمية لدوائر
حضارية متميزة، أن تجيب على تحدي الحداثة، وما هي الحلول التي قدمتها لمسألة
العلمنة أو التي أخفقت في تقديمها. فبذلك نستطيع أن نساهم في بناء معرفة أكثر
تعبيرا عن الواقع المتعدد والمتنوع، وأن نعيد في الوقت نفسه بناء مفهوم للعلمانية
أكثر كونية وعمومية، يأخذ بالاعتبار الابداعات الخاصة بالتجارب التاريخية المختلفة.
بدل التثبت على التجربة التاريخية للمجتمعات الغربية،- التي لا يميزها تراث
المسيحية وفصلها الضمني المفترض بين السلطة الزمنية والروحية فحسب، كما نميل إلى
الاعتقاد عادة عندما تثار مسائل التمايزات الثقافية، وإنما أكثر من ذلك وأهم من ذلك،
تراث الفلسفة العقلية، وما يرتبط به من أنماط خاصة بالمعرفة، التأملية والتجريبية
معا، من دون الحديث عن ظروفها التاريخية - ينبغي توسيع دائرة النظر والمقارنة لتشمل
مجتمعات الصين الكونفوشيوسية والهند البوذية ومعهما اليابان، وكذلك إلى حد كبير
المجتمعات الروسية ومجتمعات أمريكا الشمالية والجنوبية. فلكل من هذه المجتمعات، حسب
تجربتها التاريخية وتراثها الفكري الروحي والزمني، مسارها الخاص في التقدم نحو
الحداثة، وبالتالي في حل الإشكالات التي تطرحها العلمنة، والتي تشكل العلمانية
التعبير النظري والايديولوجي عنها، كما تبلورت في التجربة الأوروبية والمجتمعات
الغربية. وسنكتشف عندئذ مسارات متعددة ومتميزة لإعادة تشكيل القيم الاجتماعية من
منطلق التحول نحو العلمانية، على درجة أو أخرى من الاكتمال أو النقص أو الإعاقة
والتخبط والانسداد. ولن نجد أبدا نظما اكتملت فيها عملية التحول التاريخية وأصبحت
صيغها مثالا للعلمانية وأخرى مفتقرة كليا للتحول ومنتجة أبدية لصيغ النظم الدينية
واللاهوتية. ما سنقع عليه هو أنماط وأشكال لا تنتهي من التوليفات المتباينة المتسقة
والأقل اتساقا بين قيم وممارسات وأشكال تنظيم تتبع لمرجعيات مختلفة ومتعددة يستدعي
تطويرها تحليل كل منها بدقة وعمق لكشف ما يعيق تقدمها.
وترتبط بهذه المقاربة المنهجية بالضرورة مراجعة المفهوم المبسط الذي سيطر ولا يزال
يسيطر على الفكر السياسي العربي واضعا العلمانية في مواجهة الدين أو في تناقض معه.
والحال أن العلمانية لا تتقدم على حساب تجريد الدين من صدقيته وحرمانه من هامش
مبادرته واستقلاله، كما يعبر عنهما وجود سلطة دينية ذات صدقية ودور ومكانة في
النظام العام، وإنما من خلال تعميق الانسجام والتفاهم داخل النظام المجتمعي العام
نفسه بين سلطات تعترف كل منها بالأخرى وتحترم صلاحياتها وسلطتها. ومن دون ذلك لن
يكون المجال العام إلا نهبا للفوضى والاقتتال والنزاع بين أفراد وجماعات لا تحظى
بثقتهم وولائهم الفعلي أي سلطة تدعي السيطرة الكلية، سياسية كانت أم علمية أم
دينية. فهي تشير إلى علاقة بين سلطات لا بين أفكار وقيم. وهذا هو المقصود من عبارة
فصل الدين عن الدولة السيئة الحظ. فكي ما تكون هناك سلطات متعددة وقادرة على
التفاعل والتوصل إلى قواعد ثابتة للتعامل في ما بينها، ينبغي أن تتحدد مجالات عمل
خاصة بكل منها، وأن يسمح لها بأن تحدد هي نفسها، من داخل منطق عملها، القواعد التي
تحكم ممارساتها والنظم التي تحدد سبل التقدم والارتقاء إلى مناصب المسؤولية،
والقرار الذي يخصها. من دون ذلك لا يكون هناك نظام اجتماعي ولكن فوضى عارمة ومستمرة
.
2 - مفهوم العلمنة
ما العلمنة؟ إنها ببساطة تحول مركز التطلعات البشرية، بموازاة صعود النزعة
الانسانية، من القيم اللاهوتية المتركزة على ضمان الحياة الآخرة، إلى القيم
الدنيوية المتمحورة حول تحسين شروط الحياة الانسانية على الأرض وفي الدنيا. وهذا ما
يجعل الإنجازات الدنيوية مصدرا للسعادة والنجاح لدى الأفراد، سواء أكانت مادية
تتعلق بتأمين رفاه الفرد، أو معنوية تشير إلى تطور منظومة الحقوق والحريات التي
تؤمن احترام الفرد كذات مستقلة، وتقدم له ضمانات قانونية لممارسة هذا الاستقلال، من
أمن وسلامة بدنية واعتراف بالأهلية السياسية والمسؤولية والحصانة الأخلاقية. وينجم
عن ذلك تبدل في نمط إنتاج البشر، وأسلوب تنظيمهم الجماعي، وإعادة توزيع للجهد
والعمل، النظري والعملي، وتنظيم ميادينه أيضا بطريقة مختلفة عن تلك التي سادت في
القرون الوسطى السابقة التي سيطرت عليها، في العالم أجمع، وفي منطقة الأديان
السماوية بشكل أوضح، القيم وموضوعات الانتاج اللاهوتية المنتجة للتطلعات الأخروية.
فالعلمنة هي جزء من الحداثة وشرط مرافق لنشوء ما يسميه المتدينون أنفسهم الحضارة
المادية. لكن الحضارة المادية لا تعني كما يعتقدون سيطرة القيم المادية المتعلقة
بإرضاء الحاجات الجسدية. هذا هو الشكل المنحط للانتقال نحو الحضارة الحديثة كما
يمكن ببساطة أن نعاينه في مجتمعاتنا. إنه يفترض قبل ذلك نشوء قيم إنسانية يقع في
مركزها احترام الانسان الفرد لذاته، مهما كان أصله وموقعه ومركزه، وبصرف النظر عن
إسمه ولقبه وعلمه ودينه وعشيرته، والنظر إليه بوصفه موطن وعي أصيل، أي قادر على
التأمل والتفكير الحر، وبالتالي المستقل، المتجدد والمجدد والمبدع معا. فهو بلغتنا
الكلاسيكية مخير لا مسير. والنظر إليه بوصفه موطن إرادة وقرار، وبالتالي مسؤول عما
يحصل له وشريك في أي قرارات تمس مصير الحياة الجماعية.
وينجم عن وضع الانسان ومكانه في مركز اهتمام النظام العام وكغاية رئيسية له، أي في
مركز اهتمام الدولة، وبالتالي الثقافة والتربية والقانون والسياسة والانتاج، تقديم
الرأي الذي هو التعبير عن فكر الفرد وأهليته وقدرته على المشاركة في الحياة
العمومية، على النقل باعتباره وسيلة لإعادة إنتاج النظم والأنماط القديمة وضمان
استمرارها. لذلك ارتبطت حضارة الرأي بالتجديد والابداع، كما ارتبطت حضارة النقل
بسيطرة التقليد وتعظيم الاتباع. ولا يقتصر تقديم الرأي على النقل على ميادين
الانتاج والنشاط الجديدة الناشئة في حضن الحضارة الحديثة ولكنه يشمل أيضا ميدان
الدين . وهو ما يفسر حركات الاصلاح التاريخية التي نشأت في صلب الأديان الكبرى.
وتوحي سيطرة الرأي والاستخدام المعمم للعقل وانتشار الفلسفات العقلانية والوضعية
التي تشكل جزءا لايتجزأ من هذه الصيرورة كما لو أن الأمر يتعلق بانتقال العديد من
النشاطات المجتمعية التي كانت تعتمد في تحصيل مبادئها أو ممارستها على المنظورات
والمفاهيم والمعارف الدينية، من ميدان إشراف الدين وسلطته الاتباعية المرتبطة
بالوحي، إلى ميدان إشراف العقل وسلطته النظرية المرتبطة بنظم تحصيل المعرفة
الإجرائية والنقدية. ويبدو كما لو ان الدين يفقد سيطرته على ميادين كان يسيطر عليها
لصالح العقل، والواقع أن الأمر يتعلق أكثر من ذلك بانقلاب عميق في نظم المعرفة
والسلطة والانتاج معا، أي بنشوء نمط جديد للانتاج المادي والمعرفي وبالتالي للحياة،
ويفرض على جميع الأنماط الأخرى القديمة الدينية وغير الدينية التوافق مع الأمر
الواقع الجديد. ولا يتبع هذا التوافق الإرادة الذاتية وإنما هو ثمرة طبيعية
وتلقائية لنشوء نظام مجتمعي جديد، بما في ذلك الدولة والمجتمع المدني، يختلف عن
السابق في طبيعة مؤسساته وقواعد عمله وقيمه السائدة معا، هو النظام الحديث، أو هو
بالنسبة للمجتمعات المتأخرة ثمرة الاندراج الواعي وغير الواعي في تاريخ الحداثة
والدخول فيها.
وعندما نقول بأن العلمنة جزء لا يتجزأ من الصيرورة الحضارية الحديثة فهذا يعني أنه
ليس من الممكن تصور دولة حديثة أو قيامها من دون مباديء فصل السلطات وضبط
المسؤوليات ونشوء بنية مؤسسية تفصل بين السلطة مهما كان مستوى ممارستها والعلاقات
الشخصية. وليس من الممكن كذلك وجود اقتصاد رأسمالي اعتمادا على المفاهيم الاقتصادية
والمالية القديمة المستمدة من المعرفة الدينية أو الفقهية، مثل مفاهيم الربا
والخراج والزكاة والصدقة إلخ. وليس من الممكن تطوير العلم من حيث هو بناء لمنظومة
معرفة إجرائية، منظمة، باستلهام منوال الفقه، أي استنباط الأحكام من مصادرها
الشرعية وأصولها الدينية، وتأويل الآيات والأحاديث والقصص الديني. فالمعرفة العلمية
تفترض بالضرورة بناء المعرفة الاختبارية النابعة من الاحتكاك بالواقع العيني
والقائمة على التحقق التجريبي من النتائج ونقدها وتمحيصها، على حساب المعرقة
النقلية والإلهامية. وليس من الممكن كذلك بناء مجتمع حديث، سياسي، يتمتع فيه الفرد
بالأهلية السياسية ويشارك بروح المسؤولية في تقرير شؤون الجماعة على أساس مفهوم
الراعي والرعية والطاعة الأبوية أو الدينية.
ومن حيث هي عملية تاريخية موضوعية، ترتبط العلمنة إذن بمسار الحداثة وتواكبها. وليس
هذا المسار واحدا ولا متساويا في النمو في جميع المجتمعات والمناطق والحالات. فهي
تعكس في بنيتها ودرجة اكتمالها أو قصورها، مستوى تقدم عملية بناء المؤسسات الحديثة
وأنماطها. لذلك لا يمكن أن يكون للعلمنة مسار واحد وإنما مسارات ونماذج متعددة. فقد
تتحقق بآلية سريعة أو بطيئة، تدرجية أو كلية، عبر سياسات إصلاحية هادئة أو من خلال
تحولات ثورية عنيفة. ويمكن أن تحصل في إطار من الاتساق والانسجام أو في مناخ تناقض
وتصادم داخل مستويات النشاطات وفي ما بينها. ويمكن أن تحصل على مستوى نشاط واحد أو
أكثر، أو أن تكون مشوهة أو منقوصة أو هشة ومترددة. كما يمكن أن يتعرض مسار العلمنة
إلى انحرافات أو انزياحات أو تشكيلات مفارقة ومخادعة. وأخيرا يمكن أن تنتج العلمنة
وعيا بذاتها ينعكس على الممارسة الاجتماعية ويساعد على اكتمالها وشفافية طرحها، وهو
ما تشير إليه العلمانية كتعبير ذهني ونظري عن سيرورة العلمنة، ويمكن أن يبقى مسارا
موضوعيا لا واعيا تفتقر فيه الممارسة العملية إلى تعبيرها النظري المنظم، من دون أن
يلغي ذلك وجودها . كل هذا يشكل عناصر تشير إلى البعد الخصوصي للعلمنة، أي خصائص
تحقيقها في المجتمعات ذات الظروف والموارد المختلفة. فالبعد الكوني للظاهرة يتعلق
بتحديد اتجاه التاريخ، ومغزى الحداثة، أي مجموعة القيم التي تمثلها، وتتجسد فيها،
أما بعد الخصوصية فيتعلق بتحديد الصورة التي تتحقق فيها هذه القيم في الواقع
العيني، ومدى التقدم في انتشارها والتوسع في دائرة نفوذها وشمولها نشاطات الحياة
الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك الدين نفسه.
ينجم عن هذا التحليل أن العلمنة، بعكس ما يفهم منها عادة، لا تعني فصل الدولة عن
الدين، كما كرست ذلك التجربة الفرنسية المتطرفة، وإنما تحقيق التوافق بينهما بعد أن
أحدث نشوء دولة حديثة، قائمة على المباديء السياسية الجديدة التي تعطي للفرد مكانة
أساسية في بناء النظام أو المنتظم الاجتماعي، قطيعة تاريخية مع المفاهيم والقيم
الدينية المتعلقة بتنظيم شؤون الجماعة المدنية . وليس الأسلوب الناجع لتحقيق
التوافق من جديد بين الدين والدولة، أي بين اعتقادات السكان الأفراد ومؤسساتهم
السياسية، تهميش الدين أو نفيه أو فصله وإخراجه من المجتمع، وإنما إعادة تقريب
القيم القديمة التي ارتبطت بالدين، أو انبثقت عن فهمه في حقبة ماضية، من القيم التي
بثتها الثورة السياسية او السياسة الحديثة القائمة على استقلاليه الفرد وتنمية حكمه
العقلي ومبادرته وسيادته الشخصية. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون بناء نظام
الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية. ومن هذه الزواية يصبح
التجديد أو الاصلاح الديني شرط مصالحة المجتمع مع تاريخه وتراثه، ومصالحة الفرد
المؤمن أيضا مع حضارته. وبالتالي شرط بناء حياة عمومية صحيحة وسليمة ومرضية. وعكس
ذلك، أي البقاء على مستوى عزل الدين أو إبعاده عن السياسة والدولة، بصرف النظر عن
خياراته وخيارات السلطة الدينية، لا يعني سوى إشعال فتيل حرب تاريخية بين الدين
والمتدينين من جهة وبين الدولة والسياسة والسياسيين من جهة ثانية. واستمرار مثل هذه
الحرب يفترض أن فصام الدولة أو انفصالها عن المجتمع وقدرتها على العيش والبقاء
بالرغم من إرادة أغلبيته المتدينة، أو يفترض قدرة السلطة السياسية على إجبار
المجتمع على التخلي عن اعتقاداته الدينية أو إخفائها. قد يحدث هذا لبعض الوقت بفضل
العلاقات الامبريالية التي تميز عالمنا وتسمح لفئات ضيئلة، لا تمثل الأمة، أن تفرض
حكمها الجائر على المجتمع بفضل ما تحظى به من دعم خارجي. لكن كما أظهرت التجربة
الشيوعية السوفييتية التي كانت أقوى مثال على العلمانية الايديولوجية، لا يمكن لهذا
أن يستمر إلى ما لانهاية. ولا أمل لأي سلطة في الاستقرار التاريخي من دون أن توفق
بينها وبين قيمها من جهة والمجتمع وقيمه من جهة ثانية .
الواقع أن العلمنة لا تحتاج كي تفرض نفسها إلى معاداة الدين أو إزاحته من الوجود،
ولا إلى قوة السلاح حتى توجد. إنها تخترق الدين نفسه، سلطة وقيما وفلسفة في الوقت
نفسه، كما تخترق مجالات الممارسة الاجتماعية الأخرى. وهذا ما بينته تجارب المجتمعات
الآسيوية والأفريقية والعربية الاسلامية. فلم يحتج انتشار القيم العقلية الحديثة في
صلب العقائد والتقاليد الدينية لعلمانيين مسبقي الصنع يدخلونها من الخارج. لقد جاءت
من داخل الدين نفسه، على يد دعاة الاصلاح من رجال الدين الذين أدركوا، بدافع الغيرة
على الدين، أن ترك الأمور كما هي، وعدم التدخل لإعادة تأويل النصوص ونقد الأعراف
الدينية العتيقة، يعني تعريض العقيدة الدينية للانهيار أو التهميش أمام طوفان
التمدن الجارف. وهكذا قاموا هم أنفسهم بالجهد المطلوب الذي لم يكن له في الواقع سوى
مضمون واحد أساسي هو علمنة الدين، أي إعادة تعريف دوره وصلاحياته في النظام الجديد
وإدخال مبدأ الرأي - والاجتهاد بوصفه التعبير عن أسبقية إعمال الرأي في الدين- إلى
ميدان العقيدة الدينية، مع ما يستدعيه ذلك من إدانة التقليد وشجب الاقتداء والتأكيد
على أولوية العقل على النقل، حتى في تفسير النصوص الدينية، والاعتراف بتعدد الآراء
والمواقف والاجتهادات، وبالتالي تقرير مبدأ التسامح والاحتكام للعقل ورفض التكفير.
هذا ما قام به رجال الاصلاح المسلمون بجرأة واقتدار، منذ أواخر القرن التاسع عشر.
ونجحوا من خلاله في إحداث قطيعة حقيقية مع المفهوم التقليدي للدين ومع تراث الفقه
القديم أيضا، وإعادة تأويل القيم والمفاهيم الدينية من وجهة نظر ليبرالية. وكان هذا
أساس العودة إلى التوافق بين قيم الدين وقيم الدولة الحديثة، كما عرفناها خلال
النصف الاول من القرن العشرين، في معظم بلاد العالم العربي، في نموذجها الليبرالي.
وهو ما جنب المجتمعات الاسلامية معارك الصراع بين الدين والدولة من جهة، ووفر لها
أرضية فكرية صالحة لنشوء نخب وطنية أصيلة وفاعلة، مستقلة الفكر وموحدة الإرادة،
تجمع في عقيدتها وممارستها وعلاقاتها الاجتماعية بين الانتماء العميق، عبر التراث
الديني المصلح بشكل خاص، للمجتمعات التي تنتمي إليها، والاعتقاد الذي لا يقل قوة
بقيم الحداثة الليبرالية وفائدة الأخذ بها من قبل البلدان الاسلامية. وعلى هذا
الأساس من الانسجام والتفاعل بين الخميرة الذاتية للمجتمعات والمكتسبات الفكرية
والعلمية للحضارة، أمكن لهذه النخب أن تنشيء قوى وأحزابا وتيارات سياسية قوية ساهمت
في تحقيق الاستقلال وبناء نواة الدول الحديثة وبناء أسس الاقتصاد الرأسمالي الجديد.
هكذا تشير العلمنة إلى تحول المجتمعات التاريخي نحو أنماط جديدة او حديثة للتنظيم
الاجتماعي والسياسي، نتج عنها في الواقع دولة حديثة خاضعة لأعضائها ومعبرة عنهم، أي
معنية بالدرجة الرئيسية بتحسين شروط حياتهم على الأرض، لا تأكيد ولاءهم أو انتمائهم
ونسبهم لملك السماء وتسديد دينه عليهم. وهو ما يفسر الحاجة إلى تطوير آليات التنظيم
المعتمد على العقل والرأي، بما يشير إليه من قيم ومفاهيم النجاعة والفعالية وحسن
الأداء. وهذا هو الأصل في نشوء الفكرة الايجابية عن الدولة الحديثة بوصفها أداة
لتقدم المجتمع والارتقاء به، وفي ربط السياسة، التي تحدد جدول أعمالها وتشكل
محركها، بالممارسة العقلية المفتوحة على كل أنواع المراجعة والمساءلة والانتقاد.
ولا ينبغي أن نفهم من التفكير العقلي أو التنظيم العقلي، أو الممارسة العقلية، أو
استخدام الرأي، عوض النقل، على أنه رديف الصحيح والصالح دائما بالضرورة. فعكس ذلك
هو الصحيح. إنه يعني الاعتراف بنسبية المعرفة وإمكانية الخطأ، ومن وراء ذلك قابلية
هذه المعرفة النسبية، وبسبب نسبيتها ذاتها، للإصلاح والتحسين باستمرار، بقدر ما
يخضع فيها عمل العقل لنقد العقل ويتبرأ مسبقا من أي تقديس.
ولم يحصل هذا التحول في اتجاه إعمال العقل وتأكيد أسبقيته في تنظيم كل ما له علاقة
بالشأن العام، في جميع التشكيلات الاجتماعية التاريخية، من خلال نقد الدين، ولم يجر
دائما إلى صدام مع رجال الدين، كما كان الحال في أوروبة، وربما في فرنسا بشكل
رئيسي. لقد حصل ذلك فقط في الحالات التي وقفت فيها السلطة الدينية، وهنا الكنيسة،
موقفا معاديا للتحول الاجتماعي بأكمله. ولم يكن ذلك بسبب ضيق المفاهيم والأفكار
الدينية أو انغلاقها وتكورها على نفسها، وإنما نتيجة تحالف طبقة الاكليروس كشبكة
مصالح اجتماعية مع الطبقة الارستقراطية المسيطرة، ودفاعها عن مواقعها في النظام
المجتمعي، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبالعكس ستلعب السلطات الدينية دورا
بارزا في تمهيد سبل الحداثة، في معظم بقاع العالم، ومنها البلدان العربية
والاسلامية، بانخراطها في معركة التحرر من الاستبداد، وخوضها الطوعي لمعركة الاصلاح
الديني داخل المؤسسة الدينية القديمة، وتواصلها مع مجتمعاتها في مواجهة الطغيان
الداخلي والخارجي .
والواقع أن بروز تيارات الاصلاح في أوساط السلطة الدينية قد حصل بموازاة بروز
تيارات الاصلاح في حضن السلطة السياسية وانقسام النخب الاجتماعية. ولم يكن هناك سبب
يجعل هذه التيارات تخشى الاصلاح. بل لقد مالت في أغلبها إلى الموقف الإصلاحي ردا
على التحديات الخارجية وفي سبيل تجنب السيطرة الأجنبية. وقد قدمت لها قضايا مواجهة
الاستعمار الغربي فرصة كبيرة لإعادة تثمين نفسها ورأسمالها الديني نفسه وتجديد
دورها وتعزيز مركزها الاجتماعي. وهكذا لم يعن التأويل الجديد للدين بالنسبة لها
تهميش الدين أو تهميشها هي نفسها في النظام العام، وإنما إعادة توجيه الموارد
الروحية أو الرأسمال الرمزي الاجتماعي، نحو المطالب الاجتماعية الجديدة، وتوظيفها
في المجالات التي تجعل الدين، وبالمناسبة هي أيضا، يساهم بشكل أكبر في تحقيق
المصالح العامة كما بدت لها في ذلك الوقت، سواء أتمثلت هذه المصالح في تحرير الشعوب
من الاستبداد أو تعز& |