|
اقتصاديات عراق التنمية البشرية المستدامة
- من يملك رفع شأنك يقدر على الهبوط به -
يميل نهج التطور الاقتصادي في بلادنا بقوة نحو التطور الرأسمالي بصورته
الليبرالية بسبب مجموعة من الضغوط الاقتصادية أبرزها ضغط الازمة
البنيوية،ضغط المديونية الخارجية الثقيلة ومتطلبات الدول والمؤسسات
الدائنة وشروط إسقاط الديون فضلا عن ضغط مؤسسات التمويل الدولية التي
تطالب الحكومة العراقية بالالتزام بتحرير الاقتصاد وتطبيق المتطلبات
المعيارية للتصحيح الهيكلي،ضغط المتطلبات التمويلية الهائلة لإعادة
الأعمار.ووفق خبراء البنك الدولي فأن سياسة الخصخصة تحتاج الى وضع
برنامج يبدأ بإجراء عملية مسح كامل لمشروعات القطاع العام ومشكلاته،وتصنيف
هذه المشروعات حسب أوضاعها،ثم تحديد المشروعات المراد خصخصتها،مع وضع
أسس لتقييم أصول الشركات المباعة،وتحديد جدول زمني يحدد دفعـات البيع،وإنشاء
جهاز خاص يكون مسؤولا عن برنامج الخصخصة.لا يمانع البنك الدولي من
تقديم الدعـم المالي والفني لوضع هذه البرامـج وتنفيذها شريطة أن تقوم
حكومة العراق بخلق مناخ يعمل على إنعاش اقتصاديات السوق،مثل:
1. تحرير الأسعار وبصفة خاصة سعر الصرف،وسعر الفائدة.
2. تحرير التجارة الخارجية .
3. تغيير القوانين المنظمة لشركات القطاع العام .
4. عودة وتنمية بورصة الأوراق المالية .
لم تستفد الحكومة العراقية من مواردها الطبيعية والبشرية بالشكل الأمثل
ولم تحصل زيادة في معدلات النمو في البلد مع هبوط الانتاجية والتخلف
التقني الى جانب توقف آلاف المصانع عن العمل لأسباب معروفة مثل العجز
في تغذية التيار الكهربائي ونقص الوقود وعدم استقرار الوضع الأمني،اضافة
الى تقادم عمر معظم معدات وأجهزة المصانع واستهلاكها بكثرة اذ لم يتم
تحديثها،كما لم يتوافر أي تكوين للرأسمال الوطني في ظل ارتفاع أسعار
النفط الخام،وخراب البنى التحتية والمواصلات،فمعظمها مدمر بسبب ما
أحدثه الاحتلال من أضرار وتخريب فيها.ويؤكد الاستاذ هلال الطعان في
تقرير نشره حول السياسة الاقتصادية في العراق(الجريدة الرسمية العراقية)أن
السياسات المالية والنقدية لم تعالج التضخم،ولا تزال أسعار سلع كثيرة
في ارتفـــاع مستمر،ما أثر في الاستقرار الاقتصادي وفي الترويج
للاستثمار أو الادخار،وما زال ميزان المدفوعات العراقي ينوء بعجز،بالرغم
من ان استقرار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي عند
مستوى 1225 دينار/دولار يعد نقطة ايجابية لمصلحة البنك المركزي العراقي.
ادت سياسة الاغراق الدائم في السوق العراقية الى وقف أكثر من ألفي معمل
ومصنع،وزادت البطالة التي أسهمت في ارتفاع عمليات الإرهاب.وعلى الرغم
من قيام الحكومة بتوفير فرص عمل ل(365000)في موازنة عام 2007،الا أن
هذا الإجراء لم يحقق هدفه بسبب ارتفاع البطالة الى 30% و40% من قوى
العمل في العراق.وفق اتحاد الصناعات العراقي واتحاد رجال الاعمال
العراقيين واتحاد الغرف التجارية العراقية تسبب الحظر الاقتصادي في
إغلاق العديد من المصانع والمعامل والورش التي قدر عددها عام 1990 ب(59413)وحدة
صناعية ليصبح العدد الإجمالي(30)الف عام 1994 و(17500)سنة 2002 من
ضمنها(1500)منشأة كبيرة يعمل فيها 10 اشخاص فاكثر.تزامن ذلك مع سياسة
الخصخصة الموجهة للقطاع العام والنتائج السلبية المباشرة على مستلزمات
وشروط العمل وعرقلة وتخريب الدورة الإنتاجية- الدورة الاقتصادية
السلمية.
تضم غرفة تجارة بغداد وحدها 3000 عضو،ولها دور ريادي عريق في حركة
التجارة منذ عام 1926،الا ان حركة السوق متذبذبة في التداول السلعي
وتشهد بعد عام 2003 الفجوات الفجائية في حالتي العرض والطلب لمختلف
السلع والمواد المحلية والمستوردة وما تحمله من كم كبير من العلاقات
والمسميات والمناشئ المعروفة والمقلدة والمجهولة المصدر.وتعاني الغرف
التجارية العراقية عموما من قرارات تجميد ارصدتها لأغراض حماية المال
العام،وانعدام القرارات الحكومية الداعمة من قبيل شمول التجار بالاعفاء
الضريبي لفترات زمنية محدودة بسبب الوضع الامني وضعف القطاعات الخدمية
والعجز عن تأمين حركة وانسيابية التداول السلعي علاوة على الفساد
والافساد وتأثير الاسعار والاجور على المعروض السلعي.
الاستيراد التجاري المشوه او سياسة الباب المفتوح للاستيراد
وجدت الصناعة العراقية نفسها بعد الاحتلال امام تدفق هائل لسلع قادمة
من الخارج،تتمتع بميزات تنافسية افضل من السلع المحلية وتباع باسعار
ارخص،الامر الذي ادى الى تهميش وتعطيل الكثير من الصناعات المحلية.الاستيراد
التجاري المشوه او سياسة الباب المفتوح للاستيراد هو هدر لثروات شعبنا
والهم في ايراد السلع البخسة والرخيصة من مناشئ حديثة تعوزها الدراية
والخبرة الصناعية بهدف تحقيق الارباح الطائلة برؤوس الاموال المتواضعة
وبكلف نقل يسيرة.
ان زيادة نسب الاستيراد لم تكن بسبب الانفتاح التجاري وتطبيق نظام
السوق الحر فحسب بل يضاف لها عدة عوامل من أهمها القصور الواضح في نشاط
المنشآت الاقتصادية لكافة القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية وغيرها،ما
أدى الى زيادة الاعتماد على الاستيراد لتأمين متطلبات السوق العراقية
والذي يعد الأكثر رغبة في الاستهلاك.ان فراغ السوق من السلع المحلية
فتح الأبواب على مصراعيها أمام التجار ليقوموا بعمليات إغراق للسوق
بسلع مستوردة وبمواصفات وأسعار متدنية انعكس سلبا مرة ثانية على نفس
المنشآت وقلل من نشاطها ورغبتها للنهوض بواقعها.ان السبب الآخر في تردي
الواقع الإنتاجي العراقي هو أن الحكومة العراقية سحبت يدها وبشكل كامل
من عمليات الدعم والإسناد،وكان من المفترض وقبل القيام بذلك مرة واحدة
البقاء على نفس الدعم وإجراء عمليات اعادة هيكلة شاملة وتأهيل لتمكين
القطاعات من الخوض في تجربة السوق المفتوح والاعتماد على نفسها!.يعتمد
الاقتصاد العراقي على الاستيراد بنسبة تجاوزت 80% ويتميز بقلة الرسوم
الكمركية الامر الذي حول الاسواق العراقية الى مكان رائج للشركات
العالمية في كافة المجالات،ويشكل قطاعا الغذاء والملابس النسبة الاكبر
في عموم الاستيراد.
ان السنوات الأربع الماضية ارتفعت فيها نسب الاستيراد ولكافة القطاعات
بشكل كبير يكاد يكون الأعلى في تاريخ العراق التجاري.ان قيمة الاستيراد
لاعوام 2005و2006 بلغت 44.424 مليار دولار،وشملت السلع المستوردة
المواد الغذائية والحيوانية الحية بقيمة 1.423 مليار والمشروبات والتبغ
582 مليون والمواد الخام غير الغذائية عدا الوقود 782 مليون دولار،أما
الوقود المعدنية وزيوت التشحيم فكلفت العراق 4.380 مليار دولار والزيوت
والشحوم الحيوانية والنباتية فبلغت 2.839 مليار والمواد الكيماوية
2.986 مليار والسلع المصنوعة والمصنفة بحسب المادة 3.714 مليار،أما
المكائن والمعدات فبلغت قيمة استيراداتها 19.320 مليار والمصنوعات
المتنوعة 7.032 مليار،وأخيرا السلع والمعاملات غير المصنفة حسب النوع
فبلغت 1.266 مليار.أما الصادرات العراقية الكلية فبلغت وبحسب التقرير
54.225 مليار دولار وتركزت على فقرتي النفط والكبريت والتي شكلت العمود
الفقري للصادرات العراقي،حيث بلغت أقيامها ولنفس الفترة 53 مليارا و876
مليون دولار فيما بلغت الصادرات الغذائية والحيوانات الحية 146 مليون
دولار ولم تكن هناك صادرات عراقية تذكر لكل من المشروبات والتبغ
والزيوت والشحوم والمصنوعات المتنوعة،فيما بلغ حجم الصادرات في المواد
الخام 90 مليون دولار والمواد الكيماوية مليونين دولار والسلع المصنوعة
31 مليون والمكائن 72 مليون.
تتعرض شاحنات نقل السلع التجارية والصناعية للسرقة من المسلحين داخل
المناطق الساخنة والتي تفرض الاتاوات المرورية،بينما يستهدف الارهاب
الاسواق العامة باستمرار،وتعرضت الاسواق العامة في بغداد والمدن
العراقية للعمليات الارهابية بهدف خلق الكساد في البضائع وقتل المئات
من الناس،فتعرض سوق الشورجة(المركز التجاري العراقي الاول)وحده من تموز
2006 الى تموز 2007 الى 12 عملية ارهابية ذهب ضحيتها المئات من
المواطنين معظمهم من الحمالين وباعة الارصفة والمتسوقين،واحرقت اطنان
من السلع ودمرت المحال التجارية.
ميزانية العراق والتضخم
يشير مشهد الاقتصاد العراقي،وكما توضحه تقارير المنظمات والهيئات
الدولية والإقليمية الى تدني مؤشرات أداء الاقتصاد الكلي،فمعدلات
البطالة والتضخم مازالت مرتفعة بشكل كبير جدا،وتشير تقديرات اللجنة
الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا - الآسكوا ان نمو الناتج المحلي
الإجمالي الحقيقي في العراق قدر ب8%عام 2006،ومن المتوقع أن ينخفض الى
7%في عام 2007 نتيجة للأوضاع الأمنية المتردية،فضلا عن تذبذب الإنتاج
النفطي،وتدهور الإنتاج الزراعي والصناعي.وتبقى معدلات النمو التي حققها
الاقتصاد العراقي خلال عام 2006 والنصف الأول من عام 2007 متخلفة عن
نظيرتها في الدول النفطية الأخرى مقارنة بمعدلات التضخم التي لم تنخفض
عن 50% خلال نفس الفترة.بالنسبة لمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي
الإجمالي،فقد شهد ارتفاعا ملحوظا خلال عامي 2005و2006 حيث أرتفع من
1509 دولار في عام 2005 الى 1696 دولار عام 2006،ومن المتوقع أن يرتفع
عام 2007 بسبب الارتفاع المستمر في أسعار النفط ومن ثم العوائد النفطية
التي تشكل العمود الفقري للناتج المحلي الإجمالي في العراق.
بلغ العجز في ميزانية العراق لعام 2007 (6)مليارات دولار لأن العراق لم
يستطع تصدير اكثر من مليون برميل يوميا خلال النصف الاول من العام اي
60%من الكمية المقررة بسبب التوقف عن تصدير النفط عبر كركوك.ويؤكد
البنك المركزي العراقي ان سياسة الانفاق التي تعتمدها الحكومة تواجهها
العثرات الكبيرة،وان العراق يمتلك احتياطي نقدي من العملة الصعبة بلغ
21 مليار دولار مما اسهم في استقرار العملة المحلية،وتم الغاء ما يعادل
60%من حجم الديون وفوائدها المترتبة على العراق حتى اواسط عام 2007،كما
افلحت جهود الحكومة العراقية في تحويل اكثر من 60 مليون دولار من
الاموال التي كانت في حساب الانموفيك – لجنة التفتيش عن اسلحة الدمار
الشامل- الى صندوق تنمية العراق.لوحظ من خلال استعراض الموازنة العامة
لسنة 2007 الاخفاق في اداء تنفيذ المشاريع الاستثمارية،ولم ينفذ منها
الا 10% بحكم فقدان الامن والاستقرار والفساد الاداري والمالي،رغم ان
نسبة تنفيذ المشاريع الممولة من الميزانية بلغت ضعف معدلات التنفيذ
لمثيلاتها في العام الماضي.يذكر ان الميزانية العامة للدولة لعام 2007
كانت اضخم ميزانية في تاريخ العراق الحديث رغم العجز البالغ 9000 مليار
دينار الذي اتفق على تغطيته من المدور.ولفت مستشار الحكومة الاقتصادي
الدكتور كمال البصري الى ان عجز موازنة عام 2007 بلغ 7.669 مليارات
دولار في وقت شكل الدعم الحكومي ما نسبته 80% من قيمة هذا العجز في
الموازنة،وان اصلاح سياسة الدعم الحكومي تكمن بخلق البيئة الضرورية
لنمو الاقتصاد من خلال توفير الامن والاستقرار فضلا عن تطوير شبكة
الحماية الاجتماعية وتحسين الجانب الخدمي شريطة ان يحدد الدعم بشرائح
الفقراء من المجتمع وفق سياسة تأخذ بنظر الاعتبار الاحتياطات الضرورية
لمجابهة الاحتكار ورفع الاسعار.من الضروري معالجة البطالة وفتح باب
الاستثمار في مختلف قطاعات الاسكان والطرق والجسور والاتصالات ومشاريع
الري والزراعة وتفعيل دور القطاع الخاص ومشاركته في الاستثمارات واعادة
الاعمار واقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة سعيا لخلق دورة
اقتصادية نشيطة.
فاقت الميزانية العامة للدولة لعام 2008 سابقتها بمليار دولار بسبب
ارتفاع أسعار النفط،والحصول على مبلغ ثلاثة مليارات و750 مليون دولار
من شركات الهاتف النقال،وليس بسبب التطور المبرمج والنسبي للاقتصاد
الوطني،وخلق التوازن بين الفروع الرئيسية للاقتصاد الوطني،وتقليل اثر
التقلبات الاقتصادية غير العادية واختلال التوازن غير الاعتيادي
والازمات،واستتباب الوضع الامني.الا ان الموازنتين تعكسان الطبيعة
الريعية للاقتصاد العراقي لان كل مصادر الدخل العراقي كثروة وطنية
جاهزة يجري تبادلها بعملة صعبة،واستراتيجية الموازنتين تركزان على
اقتصاد السوق بدلا من الادارة المركزية،وكون الموازنتين انفجاريتين حسب
وصف الحكومة العراقية لا يعني سوى المزيد من الفساد،وتخصص الموازنتان
75%منهما للانفاق التشغيلي اي مزيدا من الارتفاع في معدلات التضخم و25%
منهما فقط للانفاق الاستثماري.العديد من المشاريع التى رصدت لها
المبالغ في ميزانية 2007 لا زالت معطلة نتيجة لتردى الوضع الامنى وتفشى
الفساد الادارى فى مفاصل الدولة.ستواجه موازنة 2008 عجزا قيمته تعادل
6.1 مليار دولار تقريبا ليتم تغطيته من المبالغ النقدية المدورة من
موازنة 2007 ،وسيستمر نهج السعي للحصول على المنح الدولية ومجموعة
الاستثمارات لتمويل اعادة اعمار البلاد الامر الذي يكرس من تبعية
الاقتصاد العراقي والانتقاص من السيادة الوطنية.
تقديرات الايرادات المخططة لعام 2008 مقارنة بعام 2007
المفردات تقديرات سنة 2007 تقديرات سنة 2008 نسبة النمو %(1:2) الاهمية
النسبية %
ايرادات النفط الخام المصدر 31025 35368.499 14 83.6
ايرادات اخرى 2359.52 6944.068 194.3 16.4
المجموع 33384.52 42312.567 26.7 100
المصدر:وزارة المالية/دائرة الموازنة/موازنة عام 2008/بغداد 2008/ص 3.
بنية النفقات العامة في موازنة عام 2008 مقارنة بعام 2007(تريليون
دينار)
المفردات تقديرات سنة 2007 % من مجموع الميزانية تقديرات سنة 2008 % من
مجموع الميزانية نسبة النمو (1:2)
النفقات التشغيلية 39051.908 75.5 42250.125 72.7 8.2
نفقات المشاريع الاستثمارية 12675.56 24.5 15860.822 27.3 25.1
المجموع 51727.468 100 58110.947 100 12.3
المصدر:وزارة المالية/دائرة الموازنة/موازنة عام 2008/بغداد 2008/ص 26.
العجز(الفجوة)في الموازنة العامة لعام 2008 مقارنة بعام 2007 (مليون
دينار)
المفردات تقديرات سنة 2007 تقديرات سنة 2008 نسبة النمو %(1:2)
اجمالي النفقات 51727.468 58110.947 12.3
النفقات التشغيلية 39051.908 42250.125 8.2
النفقات الاستثمارية 12675.56 15860.822 25.1
الايرادات 42064.500 50775.081 20.7
العجز(1-2) 9662ز968 7335.866 - 24.1
المصدر:وزارة المالية/دائرة الموازنة/موازنة عام 2008/بغداد 2008/ص 1.
لا تساهم الاستراتيجيات المعتمدة في بلورة الموازنات العامة للاعوام
المنصرمة والهادفة الى تحقيق التوازنات المالية الضخمة في بناء اقتصاد
عصري ومتطور،بل تعيد انتاج اقتصاديات التخلف والتبعية المرتهنة باسعار
النفط الخام واشتراطات واملاءات المؤسسات المالية الدولية.وتعمق هذه
الاستراتيجيات الازمات البنيوية للاقتصاد العراقي وتنقلها الى مستويات
جديدة وتفاقم تناقضاتها،كما تنمي معدلات البطالة وتسرع من عملية "طرد
الدولة"من ميدان الاقتصاد،والتدمير التدريجي للطاقات الانتاجية الوطنية
مما يترك كل ذلك تأثيراته في البنية والعلاقات الإجتماعية،بفعل ولادة
الفئات المستفيدة من حزمة السياسات المنطلقة من برامج التكييف الهيكلي
التي تعتمدها الموازنات.
لقد شهد المركز المالي الدولي للعراق انهيارا كاملا في العقدين
الماضيين،وتحول العراق من دولة ذات فائض احتياط من النقد الأجنبي
والذهب يقدر بحدود 40 مليار دولار عام 1980،الى دولة مدينة بمقدار 130
مليار دولار وطلبات تعويضات عن أضرار ناجمة عن حرب الخليج الثانية
مقدارها 320 مليار دولار،منها 50 مليار دولار تمت الموافقة عليها من
قبل لجنة التعويضات.وتفرض مؤسسات التمويل الدولية شروطها في الحد من
نفوذ القطاع العام وتأمين الخصخصة بينما تسرع الوصاية المالية من تدويل
الوظيفة الاقتصادية الخدماتية للدولة العراقية وترحلها الى مؤسسات
خارجية.شهدت الفترة 2004-2007 جهود حثيثة للحكومة العراقية تكللت
بالغاء 45 دولة لديونها للعراق بنسب تراوحت بين 100% و80%،حيث انخفضت
ديون العراق من 131.2 مليار دولار في عام 2004 الى 56.4 مليار دولار في
عام 2007.
سجلت معدلات التضخم تسارعا ملحوظا في الأعوام الأخيرة حيث بلغت حوالي
76% تموز 2007 الامر الذي يشير الى أن الاقتصاد العراقي يغرق فيما يسمى
الركود التضخمي(أي ارتفاع الأسعار مع استمرار انكماش الانتاج وارتفاع
معدلات البطالة)وعند مستويات تثير القلق رغم ان البنك المركزي قد رفع
من سعر الفائدة ثلاث مرات خلال فترة قصيرة ليصل إلى 14 % بهدف الحفاظ
على قيمة الدينار وتخفيف الضغوط التضخمية،لكنه زاد بذلك من تكلفة
الاقتراض ولم يعد يشجع على الاستثمار.من الملفت للانتباه تواصل ارتفاع
الاسعار بمعدلات عالية تزيد على 30 % سنويا ما يعني تآكل القدرة
الشرائية للرواتب والاجور والمداخيل عموما،وبالتالي خفض مستويات
المعيشة خصوصا لذوي الدخل المحدود وصغار الكسبة ولقطاعات شعبية واسعة
اخرى.بدلا من اعتماد سياسات اقتصادية تقشفية،واجراء اصلاحات شاملة على
البنى الاقتصادية العراقية،فقد اعتمد النظام العراقي المنهار منذ عام
1991 سياسة (تنقيد الدين)اي طبع العملة بدون غطاء ذهبي،بكميات كبيرة
لتغطية العجز المستديم في موازنة الدولة،الامر الذي جعل معدلات التضخم
تقفز على نحو غير مسبوق،وقاد هذا الاختلال الى نشوء مايسمى بالتضخم
الجامح الواسع المفرط،وهو تضخم حلزوني تصاعدي في الأسعار والأجور،يغذي
نفسه بنفسه.
تتجه 50%من ايرادات الدولة الى مشاريع غير منتجة تسبب ارتفاعا في
السيولة النقدية بالنسبة للسلع والخدمات الاساسية المتداولة مما يشكل
عاملا مساعدا في ارتفاع معدلات التضخم.وعزا اقتصاديون هبوط مستوى
المعيشة في العراق الى ضعف الاداء الحكومي في تقديم الخدمات العامة
والمتمثلة بالماء والكهرباء والصرف الصحي.ورأى مراقبون للشأن الاقتصادي
ان احد اهم عوامل الارتقاء بمستوى المعيشة هو العمل على زيادة الانتاج
النفطي ورفع الصادرات الى 3.5 مليون برميل يوميا سعيا لزيادة التخصيصات
المالية للقطاعات الخدمية المهمة مؤكدين في الوقت ذاته ضرورة ترشيد
سياسة الدعم الحكومي.بلغ الدعم الحكومي في الموازنة العامة للــدولة
80%تقريبا.
التضخم في بلادنا ليس وليد لحظته،وانما تعود اسبابه بمجملها الى تدهور
الاقتصاد العراقي بشكل عام في العقود التي سبقت سقوط النظام السياسي في
عام 2003،الاقتصاد الريعي،الاقتصاد الموجه وحيد الجانب،القادسيات
الكارثية،انتشار البطالة وتزايد العاطلين عن العمل.هناك أسباب عديدة
تجعل من ظاهرة التضخم في العراق،ظاهرة ملزمة ومواكبة وعصية على
المعالجة في الاقتصاد العراقي،وابرز هذه الأسباب:انعدام النهج
الاقتصادي،فوضى الانفاق الحكومي،جدلية الضرائب والاستيراد،انفلات الوضع
الأمني،الأزمة البنيوية المتشابكة،انتشار الفساد المالي والاداري،وجود
اقتصاد الظل او الاقتصاد الخفي،انعدام الثقافة الاقتصادية.
ازاء كل هذا وذاك لا احد يعتب على ابناء الشعب العراقي في الحركة ضد
تفاقم صعوبات العيش واشتداد الازمات في شتى ميادين الحياة اليومية،وتحت
تأثير الشعور بالاحباط ازاء مجمل الاداء الحكومي وعدم وفاءه بما يطلق
من وعود،والسخط على الكثير من الاجراءات المستعجلة وغير المدروسة التي
يقدم عليه.لقد تجلى التحرك في المظاهرات الواسعة التي غطت العراق اكثر
من مرة محتجة على القرارات الدورية لرفع اسعار المشتقات النفطية،وفي
التظاهرات المطلبية والعمالية وغيرها.من حق الشعب العراقي النضال في
سبيل تحقيق التحسن النوعي في مجال الخدمات الاساسية المقدمة للمواطنين،دعم
نضالات العاطلين من اجل الحق في العمل والمطالبة بصندوق للتضامن
الاجتماعي والتأمين ضد البطالة مع الزام الحكومات العراقية ببلورة
مشاريع مكافحة البطالة باعتبارها مشكلة ذات ابعاد اقتصادية - اجتماعية
– سياسية،دعم نضال العمال ضد التسريح واغلاق المعامل وتقليص ساعات
العمل،العمل على ايقاف عمليات الخصخصة ودعم النضالات المطلبية من اجل
اعادة تاهيل المعامل والمصانع،النضال ضد كل اشكال الفساد والجرائم
الاقتصادية وضمان استرجاع اموال الشعب المنهوبة وممتلكاته المسلوبة،دعم
المساعي الرامية الى الابقاء على البطاقة التموينية والعمل على تحسين
نوعية موادها ومكافحة اي توجهات لالغائها في الظروف الراهنة،دعم
التحركات النقابية العمالية والمهنية المحتجة على ضغوط ومضايقات
تمارسها الجهات الحكومية المستندة الى قرار النظام المباد الرقم 150
لسنة 1987 القاضي بتحويل العمال الى موظفين ومنعهم من العمل في
النقابات ذات العلاقة.
الصناعة والتصنيع
تركزت الصناعات الصغيرة والمتوسطة في محافظات بغداد والموصل والبصرة.وهذا
مرتبط بالكثافة السكانية ومركز السوق التجاري.وزاد عدد العاملين في هذا
القطاع الصناعي خلال الفترة 1988 ـ 2001 بمعدل قدره 3.2%،تعود هذه
الزيادة الى توسع المشاريع الصناعية الصغيرة بمعدل 4.1%ما يشير الى
فردية هذه الصناعات.اما بالنسبة للصناعات المتوسطة فان الامر يختلف
تماما حيث انخفض عدد العاملين لنفس الفترة بمعدل نمو سالب مقداره 5.1%بسبب
انخفاض عدد المشاريع بمعدل 4.7%،في حين بلغت مساهمة هذا القطاع في
التشغيل الاجمالي الاقتصادي نسبة 4.5% عام 1989 ثم انخفضت الى 4%عام
1990 الى ان وصلت 1.8%عام 1998 ما يعني انخفاضا عاليا في عدد العاملين
في الصناعات الصغيرة والمتوسطة.ان نسبة المنشآت الصناعية المتوقفة عن
العمل بلغت 90% عام 2003،وهي نسبة مرتفعة جدا،بعد عجزها عن تشغيل
خطوطها الإنتاجية بسبب مجموعة من العوائق منها الفشل في منافسة أسعار
المنتجات المستوردة حين عرضت غالبيتها في الأسواق بأقل من كلف مثيلاتها
المحلية،إرهاق مداخيل أصحاب تلك المشاريع بالضرائب المختلفة مقابل
الغاء الرسوم الكمركية عن المستوردات الأجنبية.
الشركات الصناعية في القطاعين الحكومي والمختلط تعاني من غياب الضوابط
الاقتصادية بسبب دخول السلع الصناعية من مختلف المناشئ العالمية الى
البلاد وتميزها بالتكلفة المنافسة والنوعية الرديئة.هذا ليس بمعزل عن
تواطؤ مجالس ادارتها مع ديناصورات التجارة الاهلية مقابل العمولات
المغرية والتسهيلات الامنية!كما تعاني هذه الشركات من حجوم المديونية
الكبيرة والتأخر في تسديد ما ترتب بذمتها من ديون تتمثل باقساط التقاعد
والتأمين وأجور الماء والكهرباء،والتي جاوزت لوحدها مليارات الدنانير.ولازال
توقيع العقود مع الشركات العالمية والتي تصبح بموجبه شركات متعددة
وكيلة معتمدة حصريا للشركات العالمية في العراق يسير وفق مزاجية مفرطة
وخارج نطاق الرقابة الحكومية الامر الذي وسع من الاختراقات الطفيلية
لها وجعلها لقمة سائغة لمن هب ودب!
ازدادت اوضاع القطاع الصناعي الخاص ترديا بعد سقوط النظام 2003 اذ عمت
العراق الفوضى والنهب وتخريب المؤسسات،وقد وصلت مساهمة هذا القطاع الى
ادنى مستوياتها 1.2%من الناتج الاجمالي المحلي.مع ذلك يتركز القسم
الاكبر منها في الصناعات الغذائية(381)مشروعا والمنسوجات والملابس
الجاهزة(388)مشروعا والمنتجات المعدنية المصنعة(123)مشروعا والمنتجات
الكيمياوية والبلاستيكية(122)مشروعا.هذه المشاريع تتميز بالصفة الفردية
من حيث الاستثمار والتنظيم والانتاج والتسويق وتميل الى الربح المضمون
بعيدا عن استخدام الاجهزة الالكترونية والآلآت الحديثة المستعملة في
الانتاج بالاضافة الى ضعف المنافسة تجاه السلع المستوردة من الخارج،مع
ذلك لايمكن تجاهل اهمية الناتج المحلي للقطاع الخاص حسب الانشطة.
تمتلك الحكومة العراقية نحو 192 مشروعا مملوكا للدولة يعمل فيه نصف
مليون فرد يعاني أكثر من 50% منهم من البطالة المقنعة،وتعاني هذه
المشروعات من التقادم التكنولوجي.يتكون القطاع الصناعي العام في العراق
من"61"شركة تضم"230"معملا في المجالات الصناعية،وتنقسم الى القطاعات
التخصصية الآتية:قطاع الصناعات الانشائية الذي يضم تسع شركات ويعد ابرز
القطاعات الصناعية في العراق،قطاع الصناعات الكيمياوية والبتروكيمياوية،قطاع
الصناعات الهندسية،القطاعات النسيجية والغذائية والدوائية.وبعد إبريل
2003 عانت الكثير من هذه المشروعات لعمليات التدمير والسرقة.وباتت
غالبيتها ذات إنتاجية منخفضة،وتشكل عبئا ماليا على الدولة ونتيجة لعدم
كفاءة هذه المشاريع على تحقيق الإيرادات التي تغطي تكاليف الإنتاج،أضطرت
الحكومة الى تقديم دعم مالي يقدر بحوالي 1.2 مليار دولار.وتقدر
التخصيصات الاستثمارية الضرورية للنهوض بالقطاع الصناعي للفترة 2007-
2010 بنحو 800 مليون دولار.ان 230 مصنعا لا تزال تعمل في العراق رغم
الأوضاع الأمنية المتردية،وتؤكد الحكومة العراقية انها لا تنوي أن تبيع
الآن أيا من القطاعات الصناعية وخصوصا النفطية منها قبل ان تصبح في
مستوى قابل للمنافسة.ان المشكلة الرئيسية الآن تكمن في تأمين الطاقة
اللازمة للمعامل في ظل المشكلات الراهنة في الكهرباء والطاقة!من
الضروري ان تكون الاولوية في خطوات الاعمار تتجه نحو المنشآت والمشاريع
الاستراتيجية القادرة على الانتاج في حال استمرار الدعم الحكومي لها
وبما يسهم بتعزيز الثقة بالعاملين وتقليل نسب البطالة،وهناك شركات
ومنشآت قادرة على العودة الى الانتاج اذا ما تم استمرار الدعم الحكومي
لها.ان الإنتاج الأكبر في الصناعات العراقية الآن هو في مجال الاسمنت
وبعده النسيج، حيث يعمل 20 ألف موظف وعامل.
لازالت الصناعة الاستخراجية تح |