هل يجوز أن تتصارع الحضارات؟

 

  

غازي الجبوري
gh_ob@yahoo.com
 

الحوار المفتوح العدد 185: 1\10\2007

 

 
ا
إن مفهوم الحضارة يشير بشكل عام إلى الرقي والتقدم والازدهار في جميع نواحي الحياة الإنسانية . وهذا الإنجاز العظيم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التنمية الخلاقة للإمكانيات البشرية والمادية المتوفرة لأمة من الأمم . ومن ابرز سمات الأمة المتحضرة هي تجنب الدخول في الصراعات إلا في حالة الدفاع عن النفس وعند فشل وعجز جميع الوسائل الأخرى كالحوار والتفاوض . أما في ما يتعلق بالعلاقة بين الحضارات فان العلاقة الوحيدة التي يفترض أن تنشا فيما بينها إذا ما كانت حضارات حقيقية فعلا ، هي علاقة التعاون الفعال لتطوير البناء الحضاري وإعلاء صرحه لتحقيق اكبر قدر من الرفاه والسعادة للإنسانية جمعاء وليس للأمم المتحضرة المتعاونة فحسب ، كما يمكن أن يكون هناك تنافس شريف وتسابق بين الحضارات لتقديم نماذج أكثر رقيا وإبداعا وهذا يختلف كليا عن التصارع فالأول ايجابي ويثمر منفعه للنفس وللآخرين وتقدم إلى الأمام وحافزا للحضارات الأخرى نحو المزيد من الإبداع والعطاء والثاني سلبي ولا يثمر سوى الإضرار بالنفس وبالآخرين وتدميرا للبناء الحضاري وعودة إلى الوراء على جميع الأصعدة ، ولذلك فان من المستحيل بمكان أن يكون هناك صراع بين حضارة وأخرى ، ولكن يمكن أن يحدث الصراع بين الأمة المتحضرة وأمة أخرى من الأمم التي تمتلك قدرات مادية كبيرة ولكنها عاجزة عن العطاء والبناء الحضاري بسبب انعدام الوازع الأخلاقي الذي يعد احد أهم أسس البناء الحضاري وهو ما يدفعها إلى الاعتداء على الأمة المتحضرة بدوافع الحسد أو الحقد أو الطمع لتدمير حضارة تلك الأمة أو اغتصاب عناصرها المادية . وما يقال اليوم عن وجود صراع حضارات إنما يثير الاستغراب لعدم وجود شيء يمكن أن نطلق عليه حضارة في الوقت الراهن فالأمم المتقدمة عسكريا واقتصاديا وتقنيا تفتقد إلى الوازع الأخلاقي الذي لايمكن أن نطلق على أي بناء تسمية "حضاري" مالم يكن مستوفيا لجميع العناصر وفي مقدمتها الوازع الأخلاقي لذلك نجدها تمارس العدوان والتدخلات المباشرة وغير المباشرة ضد الأمم الأخرى من خلال الاستخدام الغاشم لقدراتها وهذا ما ينفي عنها أية سمة حضارية لان الأمة المتحضرة تشع الفكر النير وتنشر المنفعة وليس الفكر الفاحش والعدوان الصارخ والانتهاك السافر لحقوق وحريات الآخرين وهو ما يشبه إلى حد كبير حياة الغاب إن لم يتجاوزها بكثير . أما الحضارة العربية الإسلامية فإنها لا ترقى اليوم إلى مستوى الحضارة بسبب الضعف والوهن الذي ينتابها مع توفرها على عناصر التحضر ومن أبرزها الدين الإسلامي الذي يتضمن وازعا بديلا الوازع الأخلاقي وكذلك القدرات البشرية والمادية لأنها تفتقد إلى الفكر السياسي القادر على استقطاب الأغلبية الساحقة للأمة كما تفتقد إلى القيادة السياسية الفذة القادرة على توظيف هذه العناصر لبناء الحضارة العربية الإسلامية المنشودة . ولذلك فان الصراع الذي يجري بين العرب والمسلمين من جهة وبين الصهاينة والغرب من الجهة الأخرى لايمكن أن نطلق عليه صراع حضاري لأنه صراع بين أمم عدوانية وأمة ذات ارث حضاري ولكنها فقدت موقعها كأمة متحضرة منذ مئات السنين . وقد اختلف الباحثون حول هذا الوقت فهناك من يرى إنها فقدت موقعها الحضاري منذ ارتكاب جريمة قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان"ذي النورين" وهناك من يرى منذ وفاة أو مقتل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وآخرون يرون منذ سقوط الدولة العباسية .
غازي الجبوري





 



 

 
 

    

اراء وتعليقات على الموضوع

http://opendialog.ourtoolbar.com/contact/

 
 

للاشتراك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1