|
|
لايكاد خطاب سياسي اوتعليق أو مقال
وتصريح الاوكانت الديمقراطية مرتكزة الأساسي ولاتكاد تقرا لتنظيم لحركة
سياسية اوحزب أو تجمع الاانتهى بالديمقراطي ولاترى اسما وعنوانا ولافتة
لاتحاد اومنظمة مهنية أواحد منظمات المجتمع المدني إلا ونهت بعبارة
الديمقراطي.
ففي الوقت الذي نرى ان هذا السيل الديمقراطي الجارف في زمننا الحاضر إنما
هو مهما كان شكله ومضمونه إنما جاء نتيجة لنضال كافة شعوب الأرض الحرة
والمؤمنة بكرامة وحرية الإنسان وسعادته ومقاومتها للحكومات الاستبدادية
والدكتاتورية وخصوصا القوى اليسارية والشيوعية والجماهير العمالية والأدباء
والفلاسفة والمثقفين نساءا ورجالا في طول ارض وعرضها . نرى ان قوى الرأسمال
العالمي وذيوله ومريديه انمايريد ان يفرغوا هذا المفهوم من مضمونه ومحتواه
الاجتماعي وجوهره وغايته العدالة والمساواة والسلام لكل شعوب الأرض وخصوصا
بلدان الإطراف والقوى المهمشة لتختزل مفهومه في حرية وديمقراطية لراسالمال
وكسر كل حواجز المقاومة لشروره ونهمه وسعيه لاستعباد الشعوب ومنها شعبنا
العراقي في ظل الديمقراطية الرأسمالية الأمريكية المسلحة.
يسعدنا كثيرا ان نضع دراسة الأستاذ الدكتور عبد الباري الشيخ علي أمام
أنظار قرائنا وناشطينا وأصدقائنا وأبناء شعبنا العراقي الكريم وهو يلط
الضوء الكاشف على المشروع الأمريكي للديمقراطية المسلحة في عراقنا الجريح....
وليكن المهووسون والمظللين ببريق ديمقراطية رأس المال الفضفاضة على بينة من
هذا الأمر وعدم الهرولة العمياء وراء هذا السراب الديمقراطي الزائف الذي
لايجر لغير الاستعباد والتخلف والفقر والجهل وان هذا كان من المواضيع
الهامة التي ركزت عليها بيانات وتوجهات وتنظير حركة اليسار الديمقراطي
العراقي.
العراق..........ومشروع الديمقراطية الأمريكية
بقلم : د. عبد الباري الشيخ علي
تقديم
تهدف الدراسة تسليط الضوء على جوهر الخطاب الأمريكي في ترويج الديمقراطية
في المنطقة عموما, وفي العراق خصوصا , وطرح بعض المعالجات النظرية للخروج
من واقع الأزمة المفروضة على العراق , حيث أخفقت التحولات السياسية الجارية
في إطار المنظور الأمريكي ضمن تأييد القوى السياسية العراقية الفاعلة حاليا
على الساحة, لأنها لم تستمد مضمون ومحتوى برامجها من واقع متطلبات الاصطفاف
المجتمعي الجديد بالعراق و ضرورات تغييره بانجاز متطلبات الأمن و الاستقرار
لمعالجة إعادة بناء الدولة وخلق الأرضية لإعادة الإعمار وتنمية البلاد
اقتصاديا و اجتماعيا .
تتألف الدراسة من ثلاثة محاور هي:
أولا: توطئة تاريخية للخطاب الديمقراطي الأمريكي
ثانيا: التغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية و المشروع الجديد "ترويج
الديمقراطية"
ثالثا: المشروع الأمريكي لإعادة بناء العراق ونظرة للمستقبل.
أولا: توطئة تاريخية للخطاب الديمقراطي الأمريكي
من الصعب تقديم تعريفا شاملا للنظام الديمقراطي لاختلاف و تباين ظروف
وفترات نشوءه وتطور مسيرته الناجمة عن الصراعات و النزاعات المختلفة التي
نشأت بين جبهة القوى الرأسمالية الناهضة و الساعية لإحداث تغيرات نوعية
وكمية في للبنى و الهياكل الاقتصادية وبين جبهة القوى الرافضة لهذه
التغيرات خصوصا بما يتعلق بالتصادم بين العناصر الديناميكية لعملية التحول
الرأسمالي المطلوب وبين عناصر بقايا الإقطاع و هيمنة السلطة المركزية.
انعكست هذه المسيرة الطويلة و المعقدة في بزوغ تعاريف مختلفة, كما تبلورت
دروسا وتجارب عديدة و أحيانا كثيرة متباينة بما يتعلق بالمفهوم الجديد
للديمقراطية مقارنة بالتعريف الكلاسيكي القديم . و كنتيجة لقانون تباين
تطور القوى المنتجة و علاقات الإنتاج , تطور النظام الديمقراطي وتوطد
ببلدان مختلفة عديدة و عبر فترات زمنية متباينة و أخذ أشكالا عديدة.
استطاعت بعض البلدان الرأسمالية الناشئة تبني النظام الديمقراطي في فترة
زمنية متقدمة من مرحلة تطورها الاقتصادي و الاجتماعي, في حين تأخرت المسيرة
الديمقراطية ببلدان أخرى. عموما شهد تطور النظام الرأسمالي أربع مراحل
أساسية حسبما طرحه البروفسور وليم روبنسن :
" الفترة الأولى و يطلق عليها عهد الاكتشافات و الغزوات الذي بدأ بوصول
كولومبس إلى أمريكا. تميزت هذه الفترة بالمركنتلية
( الرأسمالية التجارية) و التراكم البدائي . تمحورت الفترة الثانية
للرأسمالية في المنافسة أو الرأسمالية التقليدية التي نجمت عن الثورة
الصناعية و صعود البرجوازية و نشوء الدولة القومية الحديثة و تصاعد مفهوم
الحرية و الديمقراطية التي أفرزتها الثورة الفرنسية.
أما المرحلة الثالثة في تاريخ الرأسمالية فقد تميزت بظهور سوق عالمي موحد
ونظام الأمة/ الدولة التي سعت بدورها تنظيم الرأسمالية العالمية , وشهد
العالم خلالها تطور رأسمالية الاحتكارات و اتحادات الشركات الصناعية و
المالية من ناحية, و تكثفت حروب القوى الرأسمالية
و ظهور الفكر الاشتراكي كبديل من الناحية الأخرى . يعيش العالم اليوم
المرحلة الأولى من العهد الرابع للرأسمالية (العولمة).. عهد الميكروجيب و
الكومبيوتر التي تميز بها عصر المعلومات من الناحية التقنية , و انهيار
محاولات القرن العشرين لبناء الاشتراكية
من ناحية , و إخفاق حركة التحرر الوطني من الناحية الأخرى , التي أريد من
كلاهما خلق البديل عن الرأسمالية."( 1)
فعبر هذه المسيرة الطويلة شهد العالم الرأسمالي أطوارا مختلفة من
الديمقراطية وإن اختصر مضمونها و جوهرها على لعبة الحكم في حماية الملكية
الرأسمالية , لذا سوف يتم هنا التركيز على الجوانب الأساسية في دور وتنظيم
مسألة علاقات الملكية الرأسمالية في تحديد و تفسير مفهوم النظام الديمقراطي
تاركين عمدا الخوض بالجوانب الأخرى لأصحاب الاختصاص في معالجتها.
فبالرغم من التفاوت النسبي في تطور الأنظمة الديمقراطية بالبلدان
الرأسمالية المختلفة و قوانينها الموضوعية و الذاتية نرى إن جميع هذه
البلدان الديمقراطية اعتمدت في دساتيرها و قوانينها على قدسية مبدأ حماية
الملكية الرأسمالية و تنظيم العلاقات بين العمل المأجور و الرأسمال و ضمان
تحقيق أعلى الأرباح في بناء هيكل مؤسساتها الإدارية و التنظيمية ووسائل
القوة و القمع المعتمدة عليها.
أفرز ترسيخ هذا النظام الديمقراطي الرأسمالي صراعات طبقية بين الشريحة
المالكة لوسائل الإنتاج و المسيطرة على تلابيب السلطة ( وهي فئة الأقلية في
المجتمع ) من ناحية و بين الأكثرية غير المالكة و المستغَلة مستهدفة ضرورة
إعادة تنظيم علاقات الملكية وتغيير الهيكل الاستغلالي بين البناء الفوقي و
التحتي في الدولة الرأسمالية الحديثة . تجلى ذلك في انتفاضات و ثورات ذات
طابع طبقي كان أهمها ثورات الطبقة العاملة عام 1848 في بعض بلدان أوربا.
لقد اعتبرت مجلة الاقتصادي اللندنية المناصرة لهذه الأنظمة مثل هذه الثورات
جميعها تشكل كارثة على النظام الديمقراطي الرأسمالي
حيث ذكرت " إن حكومة تدار من الطبقات السفلى في المجتمع ( يقصد بها الطبقة
العاملة) تشكل تحديا للحرية وكارثة للسلام و الرفاه."(2)
استجابت البرجوازية الرأسمالية لبعض المطالب العمالية في تحسين ظروف العمل
بعد أن شكلت هذه الثورات و الانتفاضات الامتحان الجدي لاحتمال سقوطها و
بالأخص بعد صدور "البيان الشيوعي" وبروز شبح ضرورة وحتمية إحداث تغييرات
جذرية
هيكلية للنظام الرأسمالي و بالأخص في هيكل علاقات الملكية.
فأحداث التاريخ حافلة بالسجل أللا إنساني لممارسات النظام الديمقراطي
الرأسمالي في سحق الإضرابات و الانتفاضات العمالية وفي هتك الحقوق
القانونية الديمقراطية ما دامت تلك المطالب و الدعوات تشكل انتهاكا وتحديا
خطرا على علاقات الملكية والإنتاج و الربحية. وضمن هذه الصراعات عجز الفكر
الليبرالي , رغم ما حمله من عقائد و تصورات لتوسيع مفهوم الحرية الفردية أو
تهذيب حقوق الفرد في مناحي ومجالات الانتخابات و التصويت أو شمول النساء و
الشرائح المعدمة و المهمشة ودمجها بالعملية الانتخابية دون تغيير جوهر
النظام الاستغلالي . عموما يمكن القول بأن الفكر الليبرالي ظل عاجزا على أن
يلعب دورا حاسما و فاعلا و مؤثرا لتغيير أو تحويل جوهر هيمنة وسيطرة "
النخبة الرأسمالية" المسيطرة على النظام السياسي الاقتصادي و الدولة .
فكل ما ابتكره الفكر الليبرالي من أفكار وتصورات اقتصرت حصرا وتجلت في مبدأ
الفصل بين السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية , بينما استمرت
الأكثرية العظمى من السكان تخضع و تعاني من وطأة قوانين و أنظمة وتعليمات
الدولة الرأسمالية التي شكلت جوهر الاستغلال المفروض قسرا على المجتمع و في
إطار شكليات تشريعية وتنفيذية وقضائية مبتكرة ونافذة.
إن اكتساب النظام الرأسمالي الاستغلالي الشرعية القانونية أجاز لنظامها
الديمقراطي شرعية الممارسات العنصرية ليس فقط على البلدان المستعمَرة وشبه
المستعمَرة وفرض الوصايا, وإنما أجاز نظامها الديمقراطي و شعاراتها حول
الحرية و المساواة إلى ممارسة نظام العبودية في بلدانها للعنصر الأفريقي
الذي تم جلبه من خارج حدوده بلادها , كما عمدت إلى إبادة شعبها الأصلي "
الهنود الحمر "
وقامت بلدان أوربية ديمقراطية عديدة في استخدام أساليب القتل الجماعي و
الإبادة و التعذيب للشعوب المستعمرة من قبلها ونهب خيراتها و إشاعة الأسلوب
العنصري في إدارة وتوجيه هذه البلدان.
إن تصاعد الإنتاجية من جراء المكننة و ارتفاع نسبة رأس المال الثابت من جهة
, وانخفاض معدل الأجور مما قاد إلى ضعف القوة الشرائية للعاملين من جهة
أخرى. برزت ظاهرة فائض الإنتاج و انخفاض معدل الربحية.
ببروز ظاهرة فائض الإنتاج و انخفاض معدل الربحية اتجهت البلدان الأوربية
نحو توسيع رقعة مستعمراتها, حيث وصل ذروته في القرن التاسع عشر و بداية
القرن العشرين . لقد سيطر الأوربيين حتى نهاية عام 1800 م على نسبة 35% من
أقاليم ومناطق
الكرة الأرضية ووضعوها تحت سيطرتهم . ارتفعت هذه النسبة إلى 67% عام 1878م
ثم ازدادت على 84% عام 1914م (3)
بعد هذا التاريخ تم احتلال البلدان العربية , حيث استولت الإمبراطورية
البريطانية وبسطت نفوذها على العراق ومصر , و السودان و فلسطين و الكويت و
الإمارات العربية وقطر وعمان ومسقط, في حين سيطرت الامبريالية الفرنسية على
المغرب وموريتانيا وتونس ولبنان وسوريا , كمل تم إلحاق ليبيا بالاستعمار
الايطالي, وظلت الجزائر تشكل جزءا من فرنسا "الأم".
فالاستعمار و النهب و الاستغلال و العبودية و استخدام القوة في تحديد و
تأطير العلاقة بين بلدان المركز وبلدان الأطراف, كله
اعتبره قادة الأنظمة و الأحزاب الديمقراطية الرأسمالية في أوربا و الولايات
المتحدة الأمريكية ضرورات وطنية أساسية تصب في تحقيق مصالح ومصير شعوبهم
وديمومة بقاءها و تطورها رغم بعدها عن مراعاة كافة القيم الإنسانية التي
تعهدت بها بعد الحرب العالمية الأولى . ساندت الأحزاب الديمقراطية الحاكمة
وغير الحاكمة ببلدان المركز هذه التوجهات الاستعمارية و أشاعتها بين صفوف
المنظمات المدنية و المهنية استنادا على تبريرات مظللة عندما اعتبرت الدفاع
عن النظام الاستعماري يشكل عاملا هاما في تعضيد قوة ومكانة دولتهم الوطنية
اتجاه البلدان الأخرى و العالم.
ضمن هذا السياق ذكرت الكاتبة "أنتي هوكفيلت"الناقدة للنظام الاستعماري
العالمي ما يلي:-
"تعتبر هذه السياسة أمرا هاما لتشجيع التجارة وخلق فرص العمل وتعظيم مركز
الوطن وجعل البلاد دولة قوية نافذة قادرة على المنافسة و مواجهة تحديات
البلدان الأخرى."(4)
وضمن هذا السياق يمكن القول إن النظام الامبريالي وعمليات نهب خيرات الشعوب
أصبحت تشكل جزءا أساسيا في فكر وممارسات الأحزاب السياسية الديمقراطية التي
تقود سلطة الدولة و الحكم فيها , وتم به تحويل هذا النظام إلى هيكل دولي
يحدد ويرسم العلاقات الدولية خصوصا بين بلدان المركز وبلدان الأطراف. لذلك
اعتبرت مطالب ودعوات الاستقلال و التحرر الوطني و إلغاء التمييز العنصري
وغيرها من الممارسات الامبريالية تحديات خطرة تشكل تهديدا و تخريبا للنظام
الديمقراطي العالمي يتوجب
القضاء عليها بجميع الوسائل و السبل حتى و إن اعتمدت هذه المطالب و الدعوات
على الأساليب الديمقراطية و السلمية الشرعية المتعارف عليها ضمن القوانين
الدولية . و التاريخ حافلا بالأدلة حول التدخلات المباشرة و الغير مباشرة
في جميع أرجاء العالم وما جلبته من مآسي لا إنسانية على هذه الشعوب.
دق ناقوس الخطر على النظام الديمقراطي الغربي عندما ظهر الفكر الاشتراكي
الماركسي و اعتبر شبحا يخيم على أوربا رغم تأكيدات معظم قادة هذه الحركة
الاشتراكية – الماركسية في بداية تكويناتها التنظيمية بتمسكهم
بالديمقراطية. وهذا ما أكدت عليه رائدة الفكر الاشتراكي روزا لكسمبورغ
حينما قالت " لا توجد اشتراكية من دون ديمقراطية , كما لا توجد ديمقراطية
من دون اشتراكية"
اعتبر النظام الرأسمالي الديمقراطي الدولي ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا
تحولا خطرا بارزا لما تضمنته من تغييرات جذرية بعلاقات الملكية الرأسمالية
و احتمالات تبني و اعتماد البلدان الأخرى إلغاء هيمنة الملكية الرأسمالية ,
مما قد يؤدي إلى تغيير الهيمنة و السيطرة على النظام السياسي و الاقتصادي
الدولي.
وباسم الدفاع عن الحرية و الديمقراطية أجازت البلدان الأوربية و الولايات
المتحدة الأمريكية لنفسها حقا دوليا شرعيا للتدخل العسكري المباشر و إشعال
الحروب المباشرة و الأهلية وفرض الحصار و المقاطعة و غيرها من الهجمات
البربرية أللا إنسانية التي سمحت بها حكومة الإمبراطورية البريطانية لنفسها
باسم الدفاع عن الديمقراطية باستخدام الغازات السامة ضد جيش الثورة
البلشفية وفرض أقسى أساليب الحصار و المقاطعة السياسية و الاقتصادية لتجويع
شعوب الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين وذهب ضحيتها الملايين . كل ذلك بهدف
إسقاط هذا النظام الجديد الذي يشكل خطرا على علاقات الملكية و النظام
الديمقراطي الرأسمالي الدولي و لكي لا يكون نموذجا تحتذي به بقية الشعوب.
على النقيض من هذه الممارسات ضد الاتحاد السوفيتي ونظامه الجديد نرى إن
الديمقراطية الرأسمالية الغربية لم تعتبر قدوم الفاشية في ايطاليا وتصاعد
الحركة النازية في ألمانيا و استلام السلطة في هذين البلدين تحديا أو خطرا
عليهما, كما لم تشكل إجراءات النظام الفاشي في ايطاليا و النازي في ألمانيا
سواء تلك التي ألغت البرلمان ومنعت الأحزاب و المنظمات المهنية و المدنية و
الصحافة و واعتقال الممثلين المنتخبين من الشعب أو الأعضاء العاملين في
صفوف الحزب الشيوعي و الاشتراكي الديمقراطي الذين يشكلون الأغلبية
البرلمانية وزجهم في السجون و المعتقلات و معسكرات الموت وغيره من الأعمال
التي تتعارض و النهج الديمقراطي الرأسمالي. وظلت البلدان الغربية , خصوصا
بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد مثل هذه التحولات وكلما توغل
هذان النظامان الفاشي و النازي في محاربة وقتل الاشتراكيين و زعماء
النقابات العمالية نرى إن الديمقراطية الرأسمالية العالمية تحتضن هذه
الأنظمة الديكتاتورية و توثق العلاقة معها. فقد قام النظامان البريطاني و
الأمريكي بتقديم العون المالي و التقني لحكم النازي في ألمانيا ليتجاوز هذا
النظام أزمته الاقتصادية و ترسيخ دعائم حكمه . وفي إطار هذا السياق يذكر
الكاتب الأمريكي الشهير نعوم خومسكي ما يلي :
" في الوقت الذي كان ظلام الفاشية ينسد ل على ايطاليا كان العون المالي من
حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ونشاط أوساط الأعمال الأمريكية يقفز إلى
الأعلى وبسرعة مذهلة . لقد قدمت لايطاليا تسويات متميزة لديونها الحربية
أفضل بكثير من أي قطر آخر عندما ثبت النظام الفاشي أقدامه و أزال القلاقل
العمالية وغيرها من الاضطرابات الديمقراطية."(5)
علاوة على ذلك أحجمت الديمقراطية الرأسمالية الغربية عن معارضة أو التصدي
اعتداءات الحكم الهتلري وسياسته العنصرية ضد اليهود و الغجر . فكلما عمقت
هذه الأنظمة هذه التوجهات أللا ديمقراطية و أللا إنسانية نرى التقارير
السياسية و الدبلوماسية الأمريكية تسهب المديح للجوانب الإيجابية للنظامين
الفاشي و النازي.
بجانب ذلك سكتت الأنظمة الديمقراطية الغربية , ولم تعارض أو تتصدى للتدخل
العسكري العدواني- الدموي للقوات العسكرية الألمانية و الايطالية لإسقاط
الجمهورية الديمقراطية البرلمانية الأسبانية و إحلال الحكم الفرنكوي
الدكتاتوري باعتباره لا يشكل خطرا على هيكل الملكية الرأسمالية العالمية
مثلما يشكله النظام الديمقراطي البرلماني المنتخب من أكثرية الشعب الأسباني
.
وفي إطار تقسيم أوربا بعد الحرب العالمية الثانية بين الإتحاد السوفيتي و
معسكره الجديد أوربا الشرقية , و الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكرها
أوربا الغربية , قامت أمريكا بإعادة بناء الدولتين ألمانيا و ايطاليا
بواسطة قوى يمينية محافظة و بالتعاون مع بقايا القوى النازية و الفاشية بعد
أن تبنت النظام الديمقراطي الرأسمالي الذي تقوده أمريكا. من اجل دعم و
ترسيخ هذا النظام الديمقراطي السياسي في أوربا الغربية قامت المؤسسات
الأمريكية ليس فقط بالدعم المالي و إنما أيضا بالتدخل المباشر و غير
المباشر لدعم هذه القوى الحاكمة الجديدة خصوصا في حالة ميل المد الشعبي
لصالح الأحزاب اليسارية و العمالية أو بروز احتمال حصول هذه الشرائح على
الأغلبية بالانتخابات البرلمانية الديمقراطية أو احتمال تشكيل هذه القوى
حكومات ديمقراطية ائتلافية أو إنها سوف تشارك في تشكيلة الحكومة و القرار
السياسي بشكل عام . وقد أظهرت عديد من الوثائق السرية عن احتمالات قيام
الولايات المتحدة الأمريكية في الإعداد و التحضير لانقلابات أو تدخل عسكري
في بعض بلدان أوربا الرأسمالية الغربية عند احتمال فوز القوى الشيوعية أو
اليسارية بالانتخابات البرلمانية العامة.
وحول توثيق الكثير من التدخلات أللا شرعية و أللا ديمقراطية التي قامت بها
الديمقراطية الأمريكية يذكر الكاتب الأمريكي نعوم خومسكي حول هذه الحقيقة
حينما يشير " إن استعراضا خاطفا للسجل التاريخي يبين إن المحور الدائم
للسياسة الخارجية الأمريكية
كان تخريب الأنظمة البرلمانية و الإطاحة بها و اللجوء إلى العنف لتدمير
المنظمات الشعبية التي تتيح لأغلبية السكان فرصة الدخول إلى الحلبة
السياسية . فإذا كنا نعني الديمقراطية بموجب الأسلوب الأمريكي نظاما سياسيا
يجرى انتخابات منظمة دون تحد خطير لحكم طبقة رجال الأعمال , فإن صانعي
القرار في الولايات المتحدة هم إذن تواقون بلا ريب رؤيتها – الديمقراطية
وهي تثبت أقدامها في أرجاء العالم كله . لذلك فإن العقيدة لا تقوضها
الحقيقة القائلة بأنها عقيدة تنتهك باستمرار بتفسيرات مختلفة لمفهوم
الديمقراطية. كنظام يقوم فيه المواطنون بدور ذو معنى في إدارة الشؤون
العامة."(6)
تم توكيد سياسة التدخل السياسي الأمريكي المباشر وممارساته بشكل عام وفي
بلدان العالم الثالث بشكل خاص في إطار مبدأ ترومان عام 1947 الذي تضمن
بموجبه أن تلعب أمريكا دو " الشرطي" الدولي لمواجهة التهديدات و التغييرات
الاقتصادية و الاجتماعية الساعية لتقليص و/أو إزالة نفوذ مصالح الملكية
الرأسمالية العالمية, وتحول هذا المبدأ إلى قاعدة و أساس للسياسة التي يطلق
عليها " حماية وضمان الأمن القومي و الدفاع عن المصالح الأمريكية" التي
تعكس في الحقيقة و الواقع فقط حماية ملكية رأس المال العالمي ومصالح النخب
الأمريكية المسيطرة عليه . وضمن هذا المبدأ اعتبر نضال ومساعي بلدان العالم
الثالث من أجل الاستقلال و التحرر الوطني يشكل تحديا لهياكل الملكية
الرأسمالية الدولية وخرقا واضحا لمضامين "الحرية و الديمقراطية" الغربية.
فالتدخل السياسي الأمريكي تحت مظلة الدفاع عن النفس أو لضرورات الأمن
القومي في جميع أرجاء المعمورة وفي بلدان نائية بعيدة آلاف الأميال و
التصدي لأنظمة برلمانية منتخبة , جميع هذه الأعمال تنفي إدعاءات أمريكا في
الدفاع عن الديمقراطية وعزمها على إشاعة أنظمة ديمقراطية وطنية بالبلدان
حديثة الاستقلال, و إن خطابها الديمقراطي و سياستها الخارجية لا تعدو أن
تكون حماية مصالح الملكية الرأسمالية العالمية . لذلك ساندت الحكومات
الديكتاتورية بالعالم .الثالث وممارساتها أللا إنسانية و المعادية لحقوق
الإنسان ضد شعوبها, مادامت هذه الأنظمة لا تلبي مطالب حركة التحرر الوطني و
تعادي الشيوعية و الاشتراكية وتضمن ملكية الرأسمال الأمريكي. بهذا الصدد
يورد الكاتب الأمريكي نعوم شومسكي تصريحات جورج كينان أحد كبتر المسئولين
بوزارة الخارجية الأمريكية حينما قال " أن حماية مواردنا في أمريكا
اللاتينية و في غيرها من بلدان العالم يجب أن تكون موضع اهتمامنا الكبير
... و أضاف يقول: بما إن التهديد الأساسي لمصالحنا هو تهديد محلي فعلينا أن
ندرك إن الحل النهائي قد يكون حلا مزعجا ألا وهو القمع البوليسي من قبل
الحكومات المحلية. إن إجراءات القمع الحكومية العنيفة لا ينبغي لها أن
تحرجنا طالما إن النتائج النهائية هي في صالح أغراضنا . وعلى العموم فان من
الأفضل أن نرى نظاما قويا في السلطة من وجود حكومة متساهلة و متراخية و
يتغلغل فيها الشيوعيين.(7)
شكل التوجه الجماهيري بعد الحرب العالمية الثانية في البلدان المستعمرة و
شبه المستعمرة ضد النهب الامبريالي ومن اجل الاستقلال الوطني خطرا أساسيا
على النظام الرأسمالي الديمقراطي الدولي , وبالأخص عندما أخذت توجهات حركة
التحرر تشير إلى احتمال تنظيم الجماهير نفسها لدعم مهام ثورة التحرر الوطني
و إشاعة أنظمة ترتكز على الهيكل البرلماني – الديمقراطي و احتمال انسلاخ
هذه البلدان عن هيمنة و سيطرة منظومة النظام الر|أسمالي . اعتبرت أمريكا
رائدة النظام الديمقراطي الدولي بأن هذه الأنظمة خطرا يتوجب القضاء عليها
بأي أسلوب و ترجمت ذلك عمليا حين تم ضرب النظام الديمقراطي البرلماني في
إيران و غواتيمالا أوائل خمسينيات القرن الماضي باعتبارها أنظمة جماهيرية
تهدد النظام الديمقراطي الدولي . فلقد اعتبرت إجراءات تأميم النفط في إيران
من قبل حكومة رئيس الوزراء مصدق المنتخب من الشعب ديمقراطيا تشكل خطرا على
الرأسمالية الديمقراطية يتوجب التدخل المباشر للإطاحة به بانقلاب عسكري
قادته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
يستشهد الكاتب الأمريكي نعوم خومسكي في معرض حديثه حول مبدأ التدخل
الأمريكي ومساعيه لتغيير النظام الديمقراطي في غواتيمالا بتقرير مجلي الأمن
القومي الأمريكي الذي ورد فيه :
"بأن التهديد الرئيسي لمصالح الولايات المتحدة تطرحه الأنظمة الوطنية التي
تستجيب للمطالب الشعبية من أجل تحسين نوعي لمستويات المعيشة المنخفضة
للجماهير و من اجل تنويع اقتصاديات هذه البلدان . إن هذا الاتجاه لا يتعارض
فقط مع الحاجة إلى حماية مواردنا , بل يتعارض كذلك مع اهتمامنا لتشجيع
الاستثمار الخاص و وتحويل عوائد معقولة للرأسمال الأجنبي."(8)
يعكس هذا التقرير بوضوح جوهر الخطاب الديمقراطى الأمريكي اتجاه الدول
المستقلة حديثا بالأخص اتجاه الأنظمة الوطنية التي تحاول الاستجابة للمطالب
الاقتصادية و الاجتماعية الوطنية الملحة لغالبية الجماهير و التي تعكس
الديمقراطية الموضوعية لهذه البلدان .
لذلك اعتمدت المصلحة الأمريكية على أنظمة غير ديمقراطية ودكتاتورية . انعكس
ذلك في الدراسة التي أعدها مكتب الاقتصاد
الحديث , التي انطلقت من تقسيم السياسة الأمريكية لبلدان العالم الثالث
إلى:
أ. دول حرة
ب. دول حرة جزئيا
ج. دول غير حرة
لقد أظهرت هذه الدراسة بأن أكثر من 72% من الاستثمارات الصناعية الأمريكية
تدفقت إلى البلدان غير الحرة. استمرت هذه السياسة الاستثمارية الأمريكية
حتى بعد انتهاء الحرب الباردة ودعمت بسياسة تجارية , حيث ارتفعت استيرادات
الولايات المتحدة
من هذه البلدان غير الحرة من50% إلى 75%من مجموع استيراداتها ... التي وجهت
معظمها لسد احتياجات الشركات الأمريكية كمدخلات إنتاجية (مواد أولية أو شبه
مصنعة ) وبأسعار زهيدة لضمان وتعزيز قدراتها التنافسية و تصعيد معدلات
أرباحها.
يدافع المحللون الاقتصاديون المناصرون لهذا التوجه على أهمية انخفاض الأجور
بالبلدان الدكتاتورية غير الحرة بالمقارنة بمستويات الأجور بالبلدان الحرة
أو شبه الحرة .بهذا الخصوص أورد الكاتب باول ستريت بعض الأرقام التي وردت
ضمن الدراسة التي أعدها الأستاذ (رودريك) والتي شملت (93) بلدا بالعالم ,
حيث ظهر إن العمال الصناعيين بالبلدان الحرة يتقاضون أجورا تزيد 30% عن
زملائهم بالبلدان شبه الحرة وأكثر من 60% عن مستوى الأجور بالبلدان غير
الحرة."(9)
إن هذا الاختلاف بمستويات الأجور ناجم عن الاستجابة النسبية للبلدان
المختلفة لمطالب الشغيلة و ما توفره دولها من إعانات ومساعدات اجتماعية (
الصحة و التعليم و تعويضات الب |