|
|
مقدمة
اعود اليكم والى الصديق الدكتور كاظم حبيب لاكمل حواري معه ، متمنيا ان
اكمله بالسرعة الممكنة ، اذ لم يتبق الا ثلاث او اربع حلقات اخرى
ساعالج فيها ما ورد من نقاط اساسية يستوجب التوقف عندها لتوضيح رأيي
فيها وسواء اتفقنا ام اختلفنا ، فانني اكن كل المودة والاحترام لمن
اخالفه ويخالفني بالرأي ، اذ انني اؤمن ايمانا عميقا بأن واحدا او
اثنين او حتى نخبة او مجموعة من النخب لا يمكنه ويمكنها ان يغّير
كلامهم التاريخ والواقع .. كما اؤمن ايمانا عميقا بأن الحقيقة لا يمكن
ابدا ان يمتلكها واحد فقط حتى ولو كان صاحبها ، فكيف له ان يحتكرها
لنفسه من دون ان يفسح المجال للاخرين ان يقولوا كلمتهم فيها ، والفرق
كبير بين المعلومة والرأي ، تلك قابلة للخطأ والصواب وهذا قابل للاخذ
والرد ..ان الحياة نسبية ولا يمكن ان تكون الامور فيها مطلقة ابدا ،
وسواء اصبت ام اخطأت فذلك لا يغير شيئا من ثقافتي ومكانتي ، بل يزيد من
تجاربي ومعلوماتي ..
انني احّي سجايا الاخ الدكتور كاظم حبيب والتزامه الاخلاقي وصدره الرحب
في تقّبل ما اكتبه ، وسواء اتفق معي او اختلف فانني اعلن للناس جميعا
ان حوارنا هذا بالرغم من تشعباته وخلجانه وتباين مضامينه ومقارباته
ومباعداته بيني وبين الرجل ، الا اننا لم نزل نتبادل الرسائل الشخصية
ويتفقد احدنا الاخر .. ان اسلوبنا هو نهج جديد من صيغ الحوار النزيه
البعيد كل البعد عن المهاترة والتعابير الشائنة التي تزدحم بها مع كل
الاسف ساحتنا العراقية وثقافتنا العربية المعاصرتين.. واتمنى من صميم
القلب ان يبقى الاختلاف بين اثنين يحتكما للعقل دوما فيجدا ان الاجماع
العام هو سيد الموقف .
الرد على الاحكام الرائجة حول الدولة العثمانية
يختتم الدكتور حبيب الحلقة الاولى من حواره بالفقرة التالية : " ففي
الدولة العثمانية سيطر في فترات معينة الإقطاع العسكري وإقطاع النخب
الحاكمة والميسورين من جهة, والتعصب الديني والمذهبي من جهة أخرى,
والتمييز القومي من جهة ثالثة, إضافة إلى العشائرية ودور شيوخ الدين
الرجعي, على حياة البلاد العربية في ظل هذه الدولة الثيوقراطية
المتخلفة. ورغم مرور ما يقرب من تسعة عقود على انتهاء تلك الفترة
المظلمة التي دامت قرابة أربعة عقود, ورغم محاولات التحديث والتجديد,
فأن آثارها وبصماتها الفكرية والسياسية لا تزال فاعلة في العقلية
العربية وفي السلوك السياسي العربي " .
انني اتفق مع الدكتور حبيب حول الذي ذكره بصدد الاقطاع العسكري
العثماني ، ولكن اسجل في ادناه بعض ملاحظاتي على بعض ما جاء في النص :
1/ صحيح كانت هناك اقطاعات لنخب حاكمة ، ولكن ليست مشروطة الا قبل
اصدار قوانين الاصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر .
2/ لقد انتهى الاقطاع العسكري اثر اصدار قانون الاراضي الجديد في العام
1856 ، واخذت التقسيمات صيغا اخرى من العلاقة بين الملاكين والفلاحين
ببروز الاراضي الميرية ( او : الاميرية ) ..
3/ لم يكن هناك تعصّب ديني من هذه الناحية ولا من النواحي الاخرى ، اذ
تمّتع المسيحيون واليهود بدرجة متميزة وبمكانة لائقة في مجتمعاتهم ،
وحوفظ على كنائسهم ، بل وكانت الدولة العثمانية حامية لليهود السيفاردم
الذين اضطهدهم الكاثوليك في اوروبا شر اضطهاد .. وفي العراق كانت لبعض
المسيحيين املاكهم من دون اي مسائلة ويكفي مثلا ان منطقة زيونة ببغداد
كانت من املاك عائلة زيونة المسيحية ، وعائلة عبو اليّسي تمتلك غربي
مدينة الموصل.
4/ لم تحجر الدولة العثمانية على رؤساء العشائر الشيعية التملك للارض ،
اذ قام بتسجيل جملة هائلة من الاملاك والاراضي العشرات من الملاكين
الشيعة الكبار .. ويكفي ان الاف الدونمات الاميرية امتلكها شيوخ
العمارة والكوت والمشخاب والديوانية والناصرية وهم من الشيعة منذ القرن
التاسع عشر .. ويكفي ان السيد عبد الهادي الجلبي كان يمتلك اقطاعات
واسعة تمتد من الكاظمية الى اللطيفية ، وكان ان قطّعها وباعها وانشأ
مدينة الهادي عام 1954 التي اسميت بمدينة الحرية بعدئذ . وكان الرجل قد
ورث تلك " الاراضي" عن ابيه عبد الحسين الجلبي رئيس بلدية الكاظمية
سابقا .
5/ اما التمييز القومي ، فانا مخالف لهذا ايضا ، اذ ارجو ان يرجع من
يعارضني الى دفاتر الطابو العثمانية ويدقق فيها ، لنصفق له ان اكتشف ان
تمييزا قوميا قد حصل في تاريخ العراق الاقتصادي ، ان من يستوطن العراق
يصبح عراقيا ، فمن حقه ان يتملك فيه .. وان كل الارض والعقار والاموال
غير المنقولة كانت لعراقيين عرب واكراد وتركمان .. مسلمين ومسيحيين
ويهود وصبة مندائيين.. ان التمييز القومي جرى في اداة الحكم والادارة
فقط ، فلم نجد في حكم العراق ولا في تسيير ادارته من ولاة ووزراء اي
عرب او كرد او تركمان او غيرهم . لقد كان الحكام اتراكا او جراكسة
ياتون من المركز او من ادارة ولايات اخرى مباشرة . لقد جاء التمييز
القومي مع سياسة التتريك التي اتبعها الاتحاديون اثر انقلابهم الشهير
عام 1908 .
6/ واختلف ايضا بمسألة العشائرية وتأثير رجال الدين الرجعي .. ذلك اننا
عندما نحاكم تاريخيا انظمة القرن التاسع عشر ، علينا بادراك ما الذي
كان عليه العالم عصر ذاك .. فاذا كانت العشائرية وتأثير رجال الدين لم
يزل قويا حتى اليوم في القرن الواحد والعشرين ، فمن غير العدالة ان
نعتب على الدولة العثمانية او القاجارية او محمد علي باشا بمصر او
الحسينية في تونس او العلوية في المغرب او الزيدية في اليمن وغيرها ان
تلغي ذلك من قاموسها !
7/ وصف الدكتور حبيب الدولة العثمانية بالدولة الثيوقراطية المتخلفة ،
وهو وصف اقبله منه لأن معظم من قرأ تاريخ هذه الدولة على عجل وصفها
بذلك .. والحقيقة ، انها دولة امبراطورية امتلكت نظما سياسية وادارية
واقتصادية متنوعة آسيوية واوربية ومتوسطية على امتداد ستة قرون ونصف
القرن ، وكانت توازن بين السلطة الزمنية والدينية فهي ليست ثيوقراطية
دينية ابدا ، اذ لم تكن دولة خلافة او امامة اسلامية ثيوقراطية ، بل
كانت دولة سلطنة دنيوية اتوقراطية ترسخت بقوانين جددتها على امتداد ستة
قرون ، فالسلطة العليا بيد السلطان والصدور العظام وليست بيد شيخ
الاسلام ( = مفتي الدولة ) ، وما محاولة السلطان عبد الحميد الثاني
لاحياء الخلافة الاسلامية باسم الخلافة العثمانية الا مشروع متأخر لم
يلق اي نجاح ولا تطور .
8/ كنت اول من اشار الى التركة التاريخية العثمانية وتأثير مواريثها في
المجتمعات التي كانت في اطارها .. ولقد استمرت تلك المواريث على امتداد
القرن العشرين وخصوصا في المجتمعات العربية التي استمر الحكم العثماني
فيها اربعة قرون ، واتمنى على القراء والمتابعين الكرام الاطلاع على
كتابين نشرتهما قبل سنوات حللت هذا " الجانب " من مواريث العثمانيين
لدى كل شعوب المنطقة ، اولاهما : العثمانيون وتكوين العرب الحديث : من
اجل بحث رؤيوي معاصر ، بيروت 1989 ، وثانيهما : بقايا وجذور : التكوين
العربي الحديث ، بيروت ، 1997 . ولعل من اسوأ تلك المواريث جملة من
الظواهر الاجتماعية المأساوية التي عاشتها مجتمعاتنا في القرن العشرين
، ولم يكن حّلها سهلا ابدا حتى يمكنني ادانة اي مسؤول من المسؤولين
الذين حكموا العراق .. مع حدوث اخطاء واسعة من قبل كل من الدولة
والمجتمع معا .
ملاحظات نقدية حول المعرفة العراقية
انني اعتز جدا بـ " المعرفة العراقية " كوني أحد ابنائها الذين تلقوها
عن شغف وحب وعشق لا متناه ابدا ، وانني اعترف بأنها كانت من افضل ما
قدّمه اي مجتمع في المنطقة من دراسات وابحاث ونتائج ، ولكن ليسمح لي
الاخ الدكتور كاظم حبيب وكل الاخوة الزملاء العراقيين ( متمنيا ان
يتفقوا معي ) بالقول ان المعرفة العراقية كانت قد انتكست منذ زمن طويل
، وخصوصا ما يتعلق بشؤون العراق الخاصة ومعرفة ظواهره كاملة لأكثر من
سبعين سنة .. ان العلوم الاجتماعية العراقية ، خصوصا ، لم تلق رعاية
كافية في جزئياتها ، اذ وقفنا على موضوعات كلية من دون فحص دقيق
للجزئيات ، وزاد الضرب على العموميات دون الخصائص والشموليات على
الدقائق .. لقد حاربت السلطات الحاكمة في العراق منذ اربعين سنة
المعرفة العراقية حربا لا هوادة فيها ، انني اعترف بأن اول تأسيس لعلم
الاجتماع في الشرق الاوسط كان في العراق ، ولكنه العلم الوحيد الذي
حورب بشتى الوسائل وخصوصا في العهد السابق بحيث هرب العلماء ليكتبوا في
موضوعات عامة .. وانكمش علم الانثربولوجيا كثيرا .. ولم يقّدم الاهم
على المهم ، انني اعترف بأن دراسة الدكتور شاكر مصطفى سليم عن (
الجبايش ) مهمة جدا ، ولكن لم تعالج تقاليد وعادات اهل الصرائف مثلا ..
بل واهملت معالجة موضوعات الاقليات الدينية كاملة وبشكل تفصيلي
واكاديمي واضح المعالم ! ونال علم التاريخ اهمية فائقة في العراق عند
رجالاته السابقين ، ولكن ناله التزوير والتشويه كثيرا وبشكل لا يتصوره
اي محايد واسع النظرة ، بل واستخدم وسيلة للهيمنة والتمجيد والتقديس
لفئة على حساب فئة اخرى ولسلطة الحاكمين .. صحيح ان موضوعات مهمة جدا
قد عولجت في اروقة الجامعات العراقية والاجنبية ، ولكنها بقيت بعيدة عن
النشر وباشكال متعمدة .. لقد حوصرت المعرفة العراقية كثيرا على امتداد
الخمسين سنة الاخيرة وبشكل لا يصدق .. وطغت النزعات الايديولوجية
والشخصية والفئوية والحزبية والسياسية عليها ، بل وحوربت المناهج
المختلفة باساليب لا هوادة فيها باسم المبادئ والقيم والتقاليد
والنزعات القومية .. ان رجالا من الافذاذ العراقيين ما كانوا ليكتبوا
اعمالهم الممتازة لو عاشوا في النصف الثاني من القرن العشرين ، ومنهم ـ
على سبيل المثال لا الحصر ـ الدكاترة : متى عقراوي ومجيد خدوري ومصطفى
جواد وجواد علي ومحمد مهدي البصير وعلي الوردي وعبد الرحمن الجليلي
وشاكر مصطفى سليم وعبد الجليل الطاهر وحسن احمد السلمان ومحمود الجليلي
ومهدي المخزومي وصبيح جميل وحمدي يونس وعبد الوهاب الوكيل وجعفر خياط (
ماجستير ) وحسن علي الذنون وغيرهم . وكلنا يعرف ما الذي ناله ـ على
سبيل المثال لا الحصر ـ كل من الدكاترة : عبد الجبار عبد الله ويوسف عز
الدين وحسين قاسم العزيز وفائز عزيز اسعد وعباس الدباغ وفريد الله
ويردي ومحمد رشيد الفيل وغسان العطية وعبد الواحد لؤلؤة وحكمت جميل
وكاظم حبيب وعماد الدين خليل وعوني كرومي وجبار قادر غفور وغيرهم من
سلسلة العلماء الاكاديميين العراقيين المعروفين بمختلف اتجاهاتهم
ومشاربهم الفكرية والسياسية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار .
التوقف عند ظاهرة اجتماعية
اليوم اود ان اكمل ما بدأت به وساخصص حديثي عن ظاهرة عراقية طالما
اختلف الناس حولها ، وكانت ولم تزل سببا لشقاء حزمة عريضة من ابناء
المجتمع العراقي .. واريد هنا ان اسأل سؤالا واحدا لكل من ادلى بدلوه
حولها اذ انني دوما ما أثير السؤال التالي : هل يتحمل عهد سياسي واحد
المسؤولية التاريخية لظاهرة النزوح السكاني في المجتمع العراقي ؟ ولما
كان هذا " الموضوع " ، وخصوصا نزوح الجنوبيين الى اطراف بغداد ، قد
ارتبط بـ " الاقطاع " ، وان " الاقطاع " ارتبط بالعهد الملكي . فمن
يتحمّل مسؤولية هذه الظاهرة التاريخية من حياة البؤس في العراق ؟ انني
اثير الموضوع واربطه بهذا " الحوار " كي نسمع سويا الى رأي الاخ
الدكتور حبيب بمن كان وراء هذا البؤس ؟ ولماذا ينقسم الرأي العام
الاجتماعي ببغداد خصوصا ازاء تقييم هذه " الظاهرة " ؟ ولماذا عولجت هذه
" الظاهرة " علاجا غير واقعي البتة ؟ ولماذا تحمّلت العاصمة بغداد
والمدن الكبيرة ترسبّات تلك الظاهرة القديمة التي انتجت واقعا جديدا
يقوم على التباين لا على التعايش ، وعلى الانشطار لا على الوئام ؟؟
ولماذا انفرد السياسيون ومن كان في السلطة بصنع القرارات من دون
استشارة العلماء في الاجتماع والبيئة والتخطيط الحضري ؟
ان السائل اليوم ، كما كان سابقا ، يحتار وسط رأيين عراقيين ( وبالذات
بغداديين ) حول اهل الصرايف .. رأي متعاطف معهم ويبكي على مآسيهم
وبؤسهم وشقائهم ويريد ان يكونوا مثل خلق الله العراقيين الآخرين ورأي
يختلف معهم ، بل يخاصمهم وينعتهم بشتى النعوت القاسية ويعتبرهم كائنات
من الدرجة الخامسة . ونفس هذا الرأي او ذاك اجده في تقييم النازحين
الذي قطنوا حول المدن الكبيرة ، وخصوصا في الموصل وكركوك واربيل والنجف
والبصرة مع اختلاف طبيعة السكن وطبيعة المعاملة ، فلا يمكن ان نجد
مجتمعا متعبا كما هو حال اهل الصرايف .. هنا ، ربما يسألني سائل :
ولماذا كل هذا الاهتمام بهذه الظاهرة ؟ اقول لأننا لا يمكننا ان نحاور
ونجادل بعضنا بعضا حول الديمقراطية والاشتراكية والمفاهيم الحديثة من
دون معرفة ما قادت اليه ظواهر قديمة بعينها من نتائج مفجعة ؟ ولماذا لم
نربط بين الظواهر لاكتشاف المزيد من الحقائق عن العراق ومجتمعه الذي
نجده اليوم وقد تشّظى فجأة .. فهل المشكلة تنحصر فقط بحكام العراق
الطغاة والوادعين ؟ ام ان المشكلة الاجتماعية في العراق اكبر منهم
جميعا ، واكبر حتى من ان تعالج في يومنا هذا . نعم ، لقد كان كل عهد قد
ساهم في تفاقم الخلل والعطب من حيث يدري ولا يدري .. انني عندما اعالج
هذا " الموضوع " في حوارنا اليوم ، فانني متأكد ان ادبيات كل الاحزاب
العراقية التقدمية والاصلاحية .. الليبرالية والقومية على امتداد القرن
العشرين كانت تكتب الكلائش والشعارات والبيانات والخطابات وتثير
العواطف والاتجاهات من دون ان نجد دراسة واحدة لها موضوعيتها وعمقها
يعتمدها العراقيون في اصدار قراراتهم رسميا او احكامهم اجتماعيا ..
ولا ادري هنا هل يتقارب معي الدكتور كاظم حبيب ام يتباعد ؟
الاسباب والعوامل
يكاد يجمع الناس من علماء وكتّاب ورجال مجتمع على ان غالبية من سكن
الصرايف في بغداد كان من الجنوب ، وبالذات من العمارة شرق دجلة ، ولكن
تتباين الاسباب والعوامل في نزوحهم الواسع نحو العاصمة . صحيح ان
الاضطهاد الذي مارسه الاقطاعيون من شيوخ العمارة قد ساهم في ذلك ، بحيث
كان النازحون طرداء من الارض ، اي مبدعين عن المكان .. ولكن هل يمكننا
ان نصّدق ان كل النازحين كانوا من الفلاحين المضطهدين ؟ من الطبيعي ان
نزوح بعضهم لأسباب متنوعة ، فجاء لكي يعيش قرب العاصمة يبحث عن عمل او
يبحث عن مال .. وقد قيل لي ان كثافة النزوح جرت في عقد الخمسينيات ، اي
قبل ثورة تموز بثلاث سنين وبعد قيام الثورة بثلاث سنين .. اذ ازداد
النزوح بعد اصدار قانون الاصلاح الزراعي بسبب فقدان الفلاحين لاعمالهم
السابقة وعجزهم على السيطرة على مساحات واسعة منحت لهم .. فضلا عن بوار
الارض وتوقف انتاجها تماما . لقد اخفقت الدولة في حل قضايا اساسية
تتعلق بالحياة الاجتماعية ، وهي ترى هذا النزوح الكثيف من الجنوب نحو
بغداد .. فلا هي أمنّت الخدمات الضرورية لهم ، كما انها اخفقت في
ارجاعهم الى ارضهم وديارهم .. ولا هي قرأت مستقبل البلاد الاجتماعي في
جعلهم يستوطنون حول بغداد والمدن الرئيسية ، كي يجدوا انفسهم بعد حين
وقد اندمجوا ببغداد والمدن الرئيسية .. بل يصل توصيف بعضهم لهؤلاء من
اهل الصرائف مثل قنابل موقوتة ستنفجر يوما ! لم يجد هؤلاء اي رعاية
تذكر ابان العهد الملكي ، ولكنهم وجدوها في الزعيم عبد الكريم قاسم
الذي غدا بالنسبة لهم الاب الحاني عليهم والمتعاطف مع مشكلتهم ، وخصوصا
عندما بنى لهم بيوتا اسكنهم فيها من دون ان يدري ان خللا كبيرا سيحدث
في الهيئة الاجتماعية للمجتمع البغدادي الذي لم يعد ينفع دفاع البغاددة
عنه ..
دعوني الان أوّضح بعض التفصيلات عن مأساة الصرايف وتداعيات آثارها على
مجتمع بغداد ، وعلى انظمة الحكم المتعاقبة .
مأساة الصرايف حول العاصمة بغداد
كانت الصرائف تغطي مساحات واسعة من مدينة بغداد في جانبيها الشرقي
والغربي، الرصافة والكرخ، وتضم في أحشائها المظلمة مئات الألوف من
أبناء الشعب العراقي النازحين من موطنهم الأصلي وأغلبهم من أبناء لوائي
العمارة والكوت . إن الدراسات الإجتماعية لأحوال العراق تقول: إن ظاهرة
هجرة الفلاحين من الريف إلى المدن بدأت بشكل واسع منذ ظهور الوسائل
الحديثة والمواصلات والكهرباء والخدمات .. ولكن لماذا نزح الاكثرية من
لوائي العمارة والكوت ؟ وايضا الى حد كبير من الناصرية ؟ ثمة جواب واحد
متفق عليه يتضمن انفجار تناقضات كبيرة في داخل البنية الاجتماعية في
الالوية الثلاثة نتيجة سوء استخدام السلطة وسوء استخدام العلاقات
الانتاجية والصراع من اجل قيم جديدة لم تكن موجودة سابقا .. وكانت
صرائف العاصمة قد غطت مساحة كبيرة من الأراضي المنخفضة، ما وراء السدة
الشرقية، التي أقامتها الحكومة لحماية بغداد من الفيضانات وكانت
بدايتها من المنطقة القريبة من ساحة النهضة حالياً حتى منطقة البتاويين
في الباب الشرقي ويفصل بين هذه الصرائف متنزه بارك السعدون، الذي
أقامته أمانة العاصمة في العهد الملكي.
عوامل الهجرة المتنوعة :
انني ادرك ان عوامل هجرة الفلاحين من اقصى الجنوب الى اطراف بغداد قد
بدأ منذ زمن طويل يعود الى عهد مدحت باشا ابان القرن التاسع عشر ، اذ
تخبرنا الروايات التاريخية ان النازحين كانوا يقطنون خارج الاسوار ، اذ
لم يكن سكان المدن ليسمحوا ابدا لاولئك النازحين بالدخول الى داخل
اسوار المدن لأسباب تتعلق بالامن والنظام ، واول من قطن خارج الاسوار
البدو ، وخصوصا حول الكرخ ( خلف مطار المثنى ) وحول الرصافة ( خلف
السدة ) وحول مدينة النجف ( خلف المقابر ) وحول اسوار مدينة الموصل
القديمة ( ومنهم جوبة البكارة خلف باب الطوب وجوبة عكيدات قرب المحطة
.. ) وغيرها من المدن .. ثم كثر النزوح مع وجود الكهرباء في المدن
والخدمات الجديدة التي ظهرت في الاربعينيات وازدادت تماما في
الخمسينيات ، بحيث انتشرت الاف الاكواخ / الصرائف من السعف والطين على
جانبي غرب بغداد ( = الكرخ ) وشرقها ( = الرصافة ) ناهيكم عن نزوح الاف
الاكراد الى الساحلين الايمن والايسر من الموصل ، وكان الساحل الايسر
خاليا الا من جامع النبي يونس الذي يسكن حوله البيغمبرلية التركمان ..
كما كان النزوح الى اربيل والاستيطان حول منطقة القلعة وكذلك كركوك ولا
استطيع القول ان نزوح الجميع نحو العاصمة والمدن كان قسرا ، بل كان
نزوح بعضهم لاسباب البحث عن عمل من نوع آخر .. وقسم أتى ليعيش بهرجة
المدن والتسكع او العمل في شوارعها .. وبعضهم أتى للخلاص من حياته
الريفية كي يصبح ابن مدينة .. ولقد تفاقم النزوح بعد ثورة 14 تموز /
يوليو 1958 بشكل كبير جدا .. كتاب التجمعات البشرية في العراق . تأليف
الفريق طه الهاشمي 1936.
هذا هو تأريخ أصحاب أكواخ القصب الذين اتوا ليسكنوا اكواخ الطين (=
الصرائف ) وكيف هجروا أو هاجروا من مناطق سكناهم الأصلية في العمارة
إلى أطراف بغداد ، واغلبهم من الشروك ( وهذا ليس عيبا ) أي : انهم من
شرق دجلة ، وهم ليسوا المعدان في الهور . فالمصطلح مأخوذ من الشروق ،
يعني اهل الشرق ، ويذهب بعضهم لانتزاع صفة العراقية منهم كونهم نازحين
من الشرق مستقرين في العراق منذ العهد الصفوي ، وانهم لم يمنحوا
الجنسية العراقية حتى عهد عبد الكريم قاسم ! يكتب الكاتب عارف معروف
قائلا : " وكان اسم " الشروكية او الشراكوة او الشروك"كما عرفوا لدى
البغادة ذي دلاالة مكانية، اولا، باعتبار نزوحهم من الجزء الجنوبي
الشرقي للبلادلكنه اكتسب لاحقا دلالة اجتماعية معينه واصبح في عرف
الطبقة السائدة مفردة تشير الى الدونية والانحطاط والهامشية رغم ان "
الشروكية " ضموا في صفوفهم لاحقا ،( بعيد ثورة تموز وخلال الستينات)
بعض عوائل الشيوخ ممن انتزع ما بحوزتهم من اراضي وتهاووا سريعا الى درك
المعدمين وعملوا في ذات المهن مع بني جلدتهم حيث كان افضل ما يمكن ان
يكون عليه احدهم من مرتبة ، كما يغمزهم اندادهم، ولكن حقا وصدقا،هو ان
يصبح شرطيا او عريفا في الجيش فكونوا جل القاعدة الاساسية لمراتب الجيش
والشرطة وستظهربعض نتائج ذلك واضحة خلال العقود اللاحقة ايضا .. " (انظر
: عارف معروف ، المضمون الاجتماعي للطائفية في العراق ، 7 ، الحوار
المتمدن ).
وماذا ايضا ؟
لقد تحولت تلك المناطق الواسعة بعد ان اصبحت الاراضي اميرية وخصوصا
ابان نهايات العهد العثماني ومن ثم البريطاني ومن ثم الحكم الملكي إلى
مجموعة من الشيوخ لشراء ولائهم ، كما كان الشيوخ دوما يتحالفون مع رجال
الحكم ـ كما عرفنا من الحلقتين السابقتين ـ .. هذا ما عرف من ادبيات
العراقيين للأرض وانغمس في حياة الترف واللذة المشروعة وغير المشروعة،
لذلك هجر أغلبهم مناطق قبائلهم وأخذوا يسكنون المدن، هذا ما جاء في
دراسة الوردي في كتابه طبيعة المجتمع العراقي.. وأضاف: إن السفير
الأمريكي في بغداد، ولدمار دولمن ـ قد أشار في كتابه الشهير عن العراق
في عهد نوري السعيد إلى إن أسباب هروب الناس بعيداً عن أراضيهم
الزراعية في تلك الفترة تعود إلى تسلط وظلم شيوخ العشائر والإقطاع في
تلك المناطق . وقد أشار الدكتور علي الوردي إلى هذه القضية بقوله: إن
هذه القوانين قد أرست دعائم العلاقة الإجتماعية الضعيفة في الريف، فبعد
أن كان شيخ القبيلة يعيش بين أفراد عشيرته ولا يتميز عنهم إلا بحنكته
وإخلاصه لهم، أصبح مالكاً للارض والمصالح .. وتحولت الأقوام إلى مجاميع
طالها الظلم والإستبداد اللذان إستمرا حتى بعد ولادة الدولة العراقية
واستند الرجل في ذلك على ادوات المعرفة التحريرية والشفوية التي يدركها
القاصي والداني . ( اشير الى ان اول من اعتنى بموضوع التبيؤ السكاني هو
الفريق طه الهاشمي في كتابه : التجمعات البشرية في العراق 1936 ).
الانتشار الجغرافي للبؤس :
ففي بغداد ، سكن النازحون في ثلاث مناطق وراء السدّة ( = سدة ناظم باشا
) . وفي محلة الصرافية وتجمعات اخرى صغيرة هي المنتشرة قرب المحطة
العالمية نحو الشمال .. فهل هناك اسوأ من تلك الأكواخ ؟ انها "الصرايف"البائسة
التي اشتهرت بها بغداد اكثر من اي مدينة عراقية اخرى ، علما بأن بقية
المدن الكبرى كانت قد احاط بها ايضا الآف النازحين .. في بغداد امتدت
الصرائف بمناظر تثير الاستياء من مبنى محطة قطار الموصل جنوب / غرب
بغداد والوصول إلى الشمال على المنطقة المقابلة لمعسكر الوشاش وامتدادا
حتى كرادة مريم ؟، انها منطقة صرايف، وقد امتداد سكة القطار المار
بمنطقة الشالجية ومنطقة علي الصالح وصولا الى الطوبجي وحتى الكاظمية
شمال / غرب ..
نعم ، انها مدينة كاملة تحيط بكرخ بغداد .. اما " الشاكرية " ، فهي تلك
سمّيت نسبة إلى مالكها وزير الدفاع ابان العهد الملكي شاكر الوادي، كما
كانت قد اسميت مدينة الهادي نسبة الى الوزير عبد الهادي الجلبي ( ابو
الدكتور احمد الجلبي ) .. اما في الرصافة ، فهناك " صرايف خلف السدة "
وفي الاعظمية " صرايف بزايز الصليخ " .. كانت تحتشد المئات بل آلاف
الصرائف حول بغداد ! وعلينا ان نتصور حجم الكراهية الاجتماعية
المتوالدة بالضرورة بين هؤلاء النازحين البؤساء وبين البغداديين اولا ،
وحجم الاحقاد البشعة بين الاغنياء من ذوي القصور والثراء وبين الفقراء
المحرومين الذين يعيشون في الصرايف التي يقطنها آلاف مؤلفة من البشر.
وقد عللت لي احدى السيدات البغداديات القديمات اللواتي تعاملن مع هؤلاء
الناس من خلال موقعها المسؤول في الهلال الاحمر ان مجتمعا غرائبيا
عجيبا كان يقطن حول بغداد ، وهم قد اعتادوا تلك الحياة المشينة في
نومهم مع حيواناتهم وممارستهم اسوأ الاعمال .. واردفت قائلة بأنهم "
شروك " اي انهم قدموا من شرق دجلة عند العمارة ، ولم يكونوا بالمعدان ،
فالمعدان غير الشروك .. يعيشون على هامش بغداد ويعاملون كاناس من
الدرجة الثانية او الثالثة .. ولم يظهروا احقادهم على المجتمع البغدادي
، فهم يهربون ويسكتون على الاساءة من دون اي رد ، قلت لها : ربما
يكظمون غيضهم ويخفون المهم . اجابت : ربما !.. وكان رجل بغدادي قديم
يردد قائلا لولده ( الذي اصبح طبيب عيون في المستقبل ) بأن الفجيعة
قادمة الى بغداد عندما يكبر هؤلاء الاطفال البؤساء !
حجم البشاعة الاجتماعية :
اننا قد نجد حجم البشاعة كبيرا لما حدث صبيحة 14 تموز / يوليو 1958 ،
من قتل وسحل ربما اشترك في ذلك اغلب دهماء بغداد ، ولكنني اعتقد ان كل
ما حدث هو تعبير عن الكراهية والاحقاد المتوقدة في دواخل الذات
العراقية على كل ولاة الامر .. خصوصا وان العقيد الركن عبد السلام عارف
كان يستصرخ كل العراقيين من اذاعة بغداد ان يخرجوا الى الشوارع كي
ينتقموا من العهد البائد قائلا بالحرف الواحد ان جثتي كل من الوصي
وسيده تسحلان الان في الشوارع ولم يكونا قد قتلا بعد .. فهل يمكن
للعراقيين بالعاصمة بغداد واطرافها ان ينتظروا داخل بيوتهم ؟ ولكن
دعونا نتساءل ونحن نتخيل ماذا لو فلت زمام الامر قبل اعلان الزعيم
الركن عبد الكريم قاسم منع التجول على الساعة الثانية عشرة ظهرا ؟ ماذا
كان سيحدث لو انفلت الامر من ايدي الانقلابيين الثوار او الضباط
الاحرار خلال ساعات نهار 14 تموز / يوليو 1958 ؟ انني اتخيل ان اكبر
كارثة كانت ستحل ببغداد من قتل وسلب ونهب .. كالذي حدث في الموصل على
مدى عدة ايام عشية فشل تمرد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف على الزعيم
عبد الكريم قاسم في 8 آذار / مارس 1959 ، وما حل من فجائع قتل وسحل
وتعليق ونهب وسلب من قبل الذين هبّوا ع |