|
|
بقلم : جورج فونتيه
لا يمكنك تعريف المجتمع الشيوعي بأفضل من تكرار القول القديم "من كل
بحسب قدرته و لكل بحسب حاجته" . أولا إنه يؤكد على التبعية التامة
للاقتصاد لحاجات التطور الإنساني في وفرة البضائع و تخفيض العمل
الاجتماعي و أن يكون لكل شخص دور فيه حسب قواه الخاصة و قدراته الفعلية
. هكذا فإن هذه الوصفة تعكس إمكانية التطور الكامل للبشر .
ثانيا تشير هذه الوصفة إلى غياب الطبقات و إلى الملكية و الاستخدام
الجماعيين لوسائل الإنتاج لأنه فقط استخدام كهذا من قبل المجتمع يسمح
بالتوزيع حسب حاجات الناس .
لكن الشيوعية الكاملة لهذه الوصفة "لكل حسب حاجته" لا تفترض فقط
الملكية الجماعية ( التي تديرها مجالس العمال أو النقابات أو الكومونات
) و لكن أيضا نموا كبيرا في الإنتاج , أو الوفرة في الواقع . الآن من
المؤكد أنه عندما تحدث الثورة فإن الظروف لن تسمح في هذه المرحلة
الأولى من الشيوعية : إن حالة الندرة تشير إلى استمرار سيطرة الاقتصادي
على الإنساني و بالتالي وجود قيد معين . إذا فإن تحقيق الشيوعية عندها
لا يعني تطبيق ذلك المبدأ "لكل حسب حاجته" , بل فقط المساواة في الدخل
أو المساواة في الظروف , الذي يصل إلى مستوى حصص متساوية من المؤونة أو
حتى التوزيع عبر استخدام عملات مالية رمزية ( و هي ذات صلاحية محدودة و
ذات وظيفة وحيدة لتوزيع المنتجات التي ليست نادرة بحيث أنه لا بد من
حصحصة توزيعها بصرامة أو أنها ليست متوفرة بكثرة بحيث أنه يمكن الحصول
عليها مباشرة ) – هذا النظام سيسمح للمستهلكين أن يقرروا بأنفسهم كيف
سينفقون دخلهم . لقد تم تصور أن الناس قد يتبعون وصفة "لكل بحسب عمله"
, آخذين بعين الاعتبار التخلف في التفكير في مواضيع معينة مرتبطة
بأفكار التراتبية الهرمية – معتبرين إياها ضرورية للبقاء اعتمادا على
معدلات أجور متفاوتة أو لإعطاء ميزات مثل التخفيض في ساعات العمل
للحفاظ أو زيادة الإنتاج في نشاطات خاصة "دنيا" أو غير مرغوبة , أو
لبلوغ أقصى طاقة إنتاجية أو أيضا لتوفير حركة قوى العمل . لكن أهمية
هذه الاختلافات سيكون محدودا و حتى في أدنى مراحلها ( التي يسميها
البعض بالاشتراكية ) فإن المجتمع الشيوعي يميل إلى أكثر ما يمكن من
المساواة و أكثر ما يمكن من التماثل في الظروف .
الشيوعية التحررية
إن مجتمعا تتحقق فيه الملكية الجماعية و مبادئ المساواة لا يمكن أن
يكون مجتمعا يستمر فيه الاستغلال الاقتصادي أو يوجد فيه شكل جديد من
الحكم الطبقي . إنه بالتحديد نفي هذه الأشياء .
و هذا صحيح حتى بالنسبة للمرحلة الأدنى من الشيوعية و التي رغم أنها
تبدي درجة من القيود الاقتصادية فإنها لا تبرر بأية طريقة استمرار
الاستغلال . على نحو مختلف طالما أنها تبدأ دوما تقريبا من حالة الندرة
فإن الثورة سوف تنتفي بكل معنى الكلمة . إن الثورة الشيوعية التحررية
لا تحقق مجتمعا كاملا منذ البداية , أو حتى مجتمعا عالي التطور , لكنها
تدمر أسس الاستغلال و الهيمنة . إنه بهذا المعنى تحدث فولين عن "ثورة
فورية لكن تقدمية" .
لكن هناك مشكلة أخرى : مشكلة الدولة , مسألة أي نوع من المؤسسات
السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية سيكون لدينا . المدارس الماركسية
اللينينية خاصة تتصور زوال الدولة في المرحلة الأعلى من الشيوعية لكنها
تعتبر هذه الدولة ضرورة في المرحلة الأدنى .
هذه الدولة التي تسمى دولة "العمال" أو "البروليتاريا" ينظر إليها على
أنها قوة إكراه منظمة و أنها تصبح ضرورية بسبب عدم كفاية التطور
الاقتصادي , و غياب تقدم القدرات الإنسانية و – على الأقل في المرحلة
الأولى – بداعي الصراع ضد بقايا الطبقات الحاكمة سابقا و التي هزمتها
الثورة , أو بشكل أكثر تحديدا مدى الأرض الخاضعة للثورة من الداخل من
الخارج .
ما هي فكرتنا عن نوع الإدارة الاقتصادية التي يمكن أن توجد في المجتمع
الشيوعي ؟
إدارة عمالية بالطبع , إدارة تتألف من كامل هيئة المنتجين . نحن الآن
نرى أنه فيما يؤدي المجتمع الاستغلالي على نحو متزايد إلى توحيد سلطة ,
و شروط الاستغلال التي هي على نحو متناقص الملكية الخاصة و السوق و
المنافسة الخ و بهذه الطريقة فإن الاستغلال الاقتصادي و الإكراه
السياسي و التعمية الإيديولوجية تصبح مترابطة على نحو صميمي , و إن
الأساس الضروري للسلطة و خط التقسيم الطبقي بين المستغلين و المستغلين
تصبح إدارة الإنتاج .
في هذه الظروف فإن الفعل الضروري للثورة , إلغاء الاستغلال , يتم
إحداثه بواسطة حكم العمال و هذا الحكم يمثل النظام الذي يحل مكان كل
السلطات . إنهم كل المنتجين الذين يديرون و ينظمون و الذين ينجزون
الإدارة الذاتية , الديمقراطية الحقيقية , الحرية في ظرف المساواة
الاقتصادية , إلغاء الامتيازات و الأقليات التي تستغل و توجه , و هم
الذين يحددون الأولويات الاقتصادية و الحاجة للدفاع عن الثورة . إدارة
الأشياء تحل مكان حكم البشر .
إذا ترافق إلغاء التمييز في المجال الاقتصادي بين أولئك الذين يصدرون
الأوامر و أولئك الذين ينفذونها بالاحتفاظ بهذا التمييز في المجال
السياسي بصيغة ديكتاتورية حزب أو أقلية , هذا إما أنه لن يستمر أكثر من
5 دقائق أو أنه سوف يخلق نزاعا بين المنتجين و البيروقراطيين السياسيين
. لذلك فعلى حكم العمال أن ينجز إلغاء كل سلطة تملكها أية أقلية ,
إلغاء كل مظاهر الدولة . لا يمكن أن تبقى القضية في وجود طبقة واحدة
تهيمن و تقود , بل بالأحرى في الإدارة و الإشراف , و ذلك في النطاق
السياسي كما في النطاق الاقتصادي , من قبل المنظمات الاقتصادية
الجماهيرية , الكومونات , الشعب و هو يحمل السلاح . إنها سلطة الشعب
المباشرة , و هذه ليست دولة . إذا كان هذا ما يسميه البعض بديكتاتورية
البروليتاريا فإن هذا المصطلح مشكوك به ( سنعود إلى هذا المصطلح مرة
أخرى ) لكن من المؤكد أنه لا علاقة له مطلقا بديكتاتورية الحزب أو أية
بيروقراطية . إنها ببساطة ديمقراطية حقيقية ثورية .
الشيوعية التحررية و الإنسانية
إذا فإن الأناركية الشيوعية أو الشيوعية التحررية بتحقيقها لمجتمع ,
للتطور الكامل للإنسانية , مجتمع مؤلف من رجال و نساء إنسانيين على نحو
كامل , تبدأ حقبة من التقدم الدائم , من التحول التدريجي , من التحولات
.
إنها لا تخلق عندها إنسانية وفق غرض , نشأت إيديولوجيته داخل مجتمع
طبقي , و في سياق تطور صراع الطبقات , إنسانية لا يوجد أي شيء يجمعها
مع الرأي المخادع عن الكائن الإنساني المجرد التي تحاول البرجوازية
الليبرالية أن تدل به علينا في مجتمعها الطبقي .
و هكذا فالثورة – مستندة إلى قوة جماهير البروليتاريا عندما تقوم
بتحرير الطبقة المستغلة فإنها تحرر كل الإنسانية .
* هذا هو الفصل السادس من "بيان الشيوعية التحررية" الذي كتبه الشيوعي
الفرنسي جورج فونتيه عام 1953 باسم الفيدرالية الشيوعية التحررية في
فرنسا .
|
|