من غزة إلى بيروت و دمشق

 

مازن كم الماز

mazen2190@maktoob.com

 

الحوار المفتوح العدد 109: 18\6\2007

 

 

تخاض الحرب في لبنان بدماء الطبقة السياسية أما في العراق فتخاض بدماء الناس العاديين جدا..يتحول الناس في شوارع بغداد إلى هدف سهل للغاية في ما يسمى بحرب طائفية أو حرب مقاومة أو و لذا تجد عدد الضحايا مرتفع بشكل همجي رغم أنه لا قيادات هؤلاء الطائفية و لا رجال دين طوائفهم تهزهم هذه الأرقام الفاحشة من الدم البشري الذي يسيل..يحتاج القتلة في بيروت للمزيد من الجهد للوصول إلى أهدافهم و هنا تختلف ردات الفعل أيضا سواء السياسية أو من رجال الدين..خلال فترة طويلة أصبحت القدرة على القتل جزء من ممارسة السياسة بمعناها الرسمي و خلال فترة طويلة تعودنا على الموت كحالة طبيعية تفرضها قوى خارج المساءلة بل و كرمز للبطولة أو للنصر الإلهي..لقد أفهمونا حروب الفتح الإسلامي على أنها مواجهة بين عدد محدود من الفرسان الفاتحين المنصورين بإذن الله و بين أعداد لا حصر لها من الأعداء المقتولين بإذن الله و أعادت هوليود رسم صورة رامبو الذي يقتل عشرات أو مئات الصينيين أو العرب أو الشيوعيين يحصدهم كالذباب إذا توخينا الدقة..تصبح المراقد في العراق أو رموز الطائفة في نفس الوقت رمزا لحرب الآخر و يبدو بوضوح تفاهة البشر أمام ما تحمله هذه المراقد من دلالات ترتبط بالمقدس بصيغته الطائفية , البشر الذين يتساقطون كالذباب في مقابل هذه المراقد هذا مع ضرورة الإشارة إلى ما تنطوي عليه هذه الاعتداءات من كراهية و احتقار للآخر من تكفير "لمقدسه" في مقابل مقدس صحيح هذه المرة..الكثير من السياسيين المحترفين اليوم هم عبارة عن قتلة محترفين أو مأجورين..النظام السوري مارس الاثنين منذ نشأته مارسه ضد المعارضة و داخل مؤسساته و ضد خصومه و عند الضرورة ضد الشعب في سوريا و لبنان..مارسته أيضا الطبقة السياسية اللبنانية التي أصبحت اليوم تحت مرمى نيران سيد الأمس أو تحت نيران قوى أصولية تريد أن تسحب البساط من تحتها لصالح مشروعها الذي يتجاوز مشروع هذه الطبقة الطائفي الفوقي..هناك أزمة مشاركة تخلق اليوم جيلا غير قادر على التعبير عن غضبه بدون أن يصبح قاتلا محترفا أو مأجورا..كان هذا ما شاهدناه نحن السوريون في أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينيات عندما كان الاغتيال و العبوات الناسفة الأسلوب المتبع لتحقيق النصر للثورة الإسلامية في سوريا و كان الهدف هو النظام و بعض مؤسساته و الطائفة العلوية يومها أظهر النظام أنه خصم دموي بما فيه الكفاية : قاتل محترف و أنه قادر على تدمير حياة الكثيرين من البشر في سبيل كرسي السلطة..في لبنان اليوم حرب طائفية باردة تغذيها الطبقتين السياسية التقليدية و طبقة كبار رجال الدين , حرب أكبر من البشر العاديين..في غزة هناك حرب تحرير أو حالة انقلاب بعد مغازلة طويلة بين المسلحين و من جديد لا تهم الأرقام أرقام الضحايا..من جديد يضرب بعرض الحائط ما يسمى بإرادة الشارع أمام قوة السلاح..من جديد تترك الكلمة الأخيرة لميليشيات شخصية الولاء مهمتها القتل لصالح الحركة أو الحزب أو "الطائفة السياسية"..إن عبارات الشرعية و الديمقراطية و الدستور تستخدم في كل مكان بشكل كوميدي يستحق منا ابتسامة سوداء..الكوميدي أيضا هنا هو من يستنكر الموت بأيدي مسلحي حماس أو فتح الإسلام أو الميليشيات السنية في العراق و يراه مشروعا بيد خصومهم..و الممتع أكثر الإدارة الأمريكية التي تترك الفلسطينيين نهبا للموت و الحصار اليومي على أيدي طغاة تل أبيب و تثور لشرعية عباس و يتبعها هذا الذي يسمى بالمجتمع الدولي في إدانتها لفتح الإسلام و لانقلاب حماس و في إرسال الإمدادات للقتلة "الشرعيين" في لبنان أو تعهدها بتدريب فصائل منهم في غزة و الضفة..20 مليون سوري يسومهم نظام فاجر الفقر و الذل لا يشكلون أزمة عند أحد إلا إذا بدأت الطبقة السياسية اللبنانية تدفع ثمن تغييرها لتحالفاتها و حتى هنا تبقى ضحايا هذه الطبقة مجرد ورقة في اللعبة الجارية لعبة القط و الفأر بين النظام و أمريكا..و تصبح عذاباتنا و معتقلينا ورقة بيد اللاعب الأمريكي الذي يريد أن يفرض شرقه الأوسط الجديد ضد النظام تماما كما هي الطبقة السياسية اللبنانية التي تدرك اليوم أنها قد تكون مادة لمساومة ممكنة ولو نظريا..و يحاول النظام تحويل عذابات العراقيين أو اللبنانيين و ربما الفلسطينيين إلى ورقة بيده ضد هذا النظام العالمي الفاجر و يدرك حزب الله و حتى حماس و من يدعي النظام اليوم دعمها أنها هي الأخرى مرشحة أن تكون مادة للمساومة و لو نظريا بين النظام و أمريكا..أمريكا و النظام السوري هما المسئولان عن تثبيت الوضع القائم في لبنان اليوم في وضعية الأزمة و أمريكا و ربما إسرائيل و بالتأكيد كثير من الأنظمة العربية مسؤولة عن دفع جماعة "فتح" أولاد الحلال أي ليست فتح الإسلام إلى مواصلة استفزاز حماس و محاولة الحسم ضدها عسكريا..هذا يترك شعوبنا أمام خيارات صعبة , هكذا على الشعب اللبناني أن يختار بين حكم ضباط المخابرات السورية و حكم الطبقة السياسية اللبنانية الأكثر فسادا و تكالبا على سرقة البلد و على الشعب الفلسطيني أن يختار بين حكم بيروقراطية فتح و منظمة التحرير أو حكم حماس "الشرعي" ذا اللون الواحد الذي لا يقبل القسمة على اثنين و على الشعب العراقي أن يختار "مكرها" حسب انتمائه الطائفي بين الميليشيات الطائفية و القيادات الطائفية..ما يزال بإمكاننا كبشر يعيشون على هذه الأرض العودة إلى التاريخ أن نتجاوز كل هذا إذا ما انتقلنا إلى الفعل في سبيل هدف بسيط لا يفرق بين أصولي أو يساري أو ديمقراطي أو سني أو شيعي أو مسيحي ما يزال بإمكاننا بناء عالم جدير بالبشر بل إنه في الواقع لا قيمة لأي حديث أو للخوض في ما يسمى بالتغيير إذا لم يكن ذلك في سبيل هذا العالم الذي يخصنا كبشر

 

 

اشترك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

صوت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1