|
دخلت المجتمعات العربية
العصر الحديث، منذ بداية القرن الماضي، وقد شكل الاستعمار الغربي
العامل الأهم في عملية انتقال المجتمعات العربية إلى الحداثة، عبر
غزواته واحتلاله المباشر للدول العربية. لقد ترك المستعمر بصماته
الحادة على تطور هذه البلدان، في مختلف المجالات، منها مستوى الحداثة
وأشكال الحداثة في المجتمعات العربية ، في الوقوف عند أهم سمات التطور
الحداثي في المجتمعات العربية نجد إن:
إن الحداثة لم تأتي حصيلة صراع داخلي بين القوى المنتجة القديمة والقوى
المنتجة الجديدة ، التي من المفترض أنها تجسد القطيعة مع القديم، كما
حصل في الغرب بل كان للعوامل الخارجية الدور الحاسم، تمثلت في الصدمة
مع منجزات الغرب، إضافة لتهديدات الغرب في آن معاً، عاملين أساسيين
دفعا باتجاه التغيير، منذ ذلك الحين شكل الغرب العدو، و النموذج في
الوقت نفسه .
لقد اعتمدت الدول الغربية المستعمرة ، طابعاً متناقضاً، في عملية
التحديث الذي قامت به في الدول المستعمرة، عندما كانت تحت سيطرتها
المباشرة ، حيث أنها لم تعمل على تحديث البنى التقليدية، الاجتماعية،
والسياسية والاقتصادية. الدعائم التي يقوم عليها التغيير الجذري، بل
قام التحديث الاقتصادي، على مبدأ تفاوت التطور، بما يخدم اقتصاد الدول
المستعمرة .. كان نتيجته التداخل والارتباط بين القديم والجديد ، من
خلال استمرار البنية السابقة مع معتقداتها ، إلى جانب ركوب قسم من هذه
البنية موجة الحداثة، تم ذلك على مختلف الأصعدة الاقتصادية والفكرية،
والسياسية، إن التيارات السياسية التي ظهرت في حينها عبرت عن المنطق
ذاته، حيث نرى إن هذا الفريق مع الغرب سياسياً، وضده فكرياً ، والعكس،
الدفاع عن الغرب أيديولوجيا، ومحاربته سياسياً. أما في التعليم ، لقد
حل التعليم الحديث بشكل جزئي، بما يخدم مصالح الاستعمار لإدارة البلد
في حينها ، إضافة لإدارة الشركات. و بما يخدم الغرب في نشر مفاهيمه،
حيث طرحت وأعطيت نظرية التمركز الأوروبي، طابع شمولي عام.
هكذا نجد إنه بسبب من ضعف القاعدة الاجتماعية والاقتصادية للحداثة ، تم
التأسيس لاستمرار التخلف، شكل هذا الواقع أحد أسباب الانقلابات، التي
أدت إلى وصول أنظمة استبدادية عسكرية إلى السلطة، التي بدورها طرحت
الحداثة والعقلانية، ومشروع التحرير والمشروع القومي، ولكنها فشلت في
تحقيق أياً من هذه الأهداف، لقد قامت هذه الأنظمة على نفس القاعدة التي
بناها الغرب ، وعملت على استنزاف طاقات وثروات الوطن لحماية سلطتها ،
صنعت امتيازاتها، ولم تحقق أي ميزة ومكانة لشعوبها، بل على العكس، مع
الاستبداد، نمت ظاهرة الاغتراب عن الواقع ، بسبب القمع الذي شمل
المعارضة، والمجتمع ، وبسبب الظلم وانسداد أفق التغيير نحو مستقبل أفضل،
لقد فشلت الحداثة في المجتمعات العربية وتدهورت الأوضاع، الاقتصادية ،
والاجتماعية ، وتحولت نسبة كبيرة من أبناء المجتمع إلى قطاعات مهمشة ،
تهدد بتفتيت البنية الاجتماعية، هذا الوضع دفع الكثيرين إلى التحول نحو
الأصولية والتطرف وصوروا الحداثة، على أنها سبب مآسي هذه المجتمعات .
العلم في هذه المجتمعات مازال ينمو بعيداً عن مراكز الأبحاث، ولا يتحول
إلى تكنولوجيا، ولا عجب إذا عرفنا إن أكثر من مليوني كادر علمي
وتكنولوجي يعملون في كندا وأمريكا، من دول العالم الثالث، يساهمون في
تطوير تلك الدول ، بعدما سدت الأبواب في وجوههم، لا أحد من القائمين
على هذه الدول يهتم ببناء العنصر البشري، حيث لا يوجد قيمة للبشر.
في زمننا الذي نعيش صار الغرب أقرب إلينا، ليس بسبب ثورة الاتصالات
وحسب، بل إن كل وسائل الترفيه والإنتاج التي نستخدمها ، هي من صنع
الغرب، وكل أسباب التطور والعلم، إضافة إلى إن حياة الآخر صارت أقرب
إلى أذهاننا بدون جواز سفر، فالتعرف على الآخر صار بوسائل سهلة ومدهشة،
ونظرية التمركز عادت من جديد، بقيت صورة الغرب كما كانت ، هي العدو، و
هي النموذج، ولكن بصورة أكثر حدة ، فالأصوليون يرفضون الغرب جملة
وتفصيلا، وليس لديهم تصوراً بديلاً قابلاً للحياة، وخطرهم يتمثل في
تأثيرهم على قطاعات شعبية تعاني الفقر والجوع، والجهل ، أما النخب ذات
الأصول القومية سابقاً واليسارية، والليبرالية فهي ترى في الغرب
نموذجاً كاملاً قابلاً للتطبيق ، هذه القوى مع القوى الأخرى ، لها طابع
نخبوي ، تبدو عاجزة عن بناء تصور إلى المستقبل ، عاجزة عن وضع حلول
وبرامج لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ، يتم التركيز من قبلهم على
التخلص من الاستبداد قبل كل شيء ، في الوقت ذاته الأنظمة القائمة تريد
أن تأخذ كل وسائل الحياة والترفيه من الغرب، تريد من الغرب كل شئ ،
باستثناء الحريات والديمقراطية، خوفاً على سلطتها.
التغيير ضرورة ، من أجل الخروج من نفق التخلف و الاستبداد، والعمل على
دفع عجلة التطور بشكل حقيقي، لابد لنا من امتلاك ناصية العلم والمعرفة،
والسعي في تحويل العلم إلى تكنولوجيا، أحد أهم الشروط في اتساع قاعدة
الحداثة، الحداثة ترتبط بشكل مباشر بحرية البحث العلمي وتطوير أداء
الجامعات حتى تتحول إلى مراكز أبحاث وليست مراكز تلقين كما هي عليه
الحال، اندماج الجماهير في عملية التحديث، ودخول العصر، هذا الشرط لن
يتحقق إلا بالمشاركة عبر الديمقراطية، و بمزيد من الحريات.
|