|
حضرة الباب
المبشّر بحضرة بهاء الله (١٨١٩-١٨٥٠)
إنّها سيرةٌ تُعَدّ مثلاً من أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام، وكان
للإنسانيّة حظّ عظيم في التعرّف عليها..."(١) ورد هذا التقريظ على لسان
الكاتب والمؤرخ الفرنسي المرموق أ.ل.م نيكولاس، وكان يقصد به سيرة تلك
الشخصية القدسية الفذّة التي عرفها تاريخ القرن التاسع عشر باسم "الباب."
ففي النصف الأول من ذلك القرن استحوذ على العديد من الناس، شعورٌ عميق
من التَّرقُّب والانتظار لعودة السيد المسيح. وبينما كان المسيحيون
ينتظرون المجيء الثاني لعيسى ابن مريم، اجتاحت العالم الاسلامي موجة من
التوقعات بظهور "صاحب الزمان." واعتقد كلٌّ من المسيحيين والمسلمين
بأَنَّ عصراً روحياً جديداً سيبدأ تحقيقاً للنبوءات التي جاءت في كتبهم
المقدسة.
بلغت حميّة تلك التوقعات ذروتها في الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو)
١٨٤٤، عندما أعلن تاجر شاب – هو حضرة الباب – بأنه صاحب رسالة إلهيّة،
طال الوعد بها، ومقدّر لها أنْ تُحوِّل الحياة الروحية للجنس البشري
وتحييها من جديد. وكان نداؤه شاملاً إذ قال:
"يا أهل الأرض اسمعوا نداء الله ... لقد جاءكم النور من الله بكتاب هذا
على الحقّ بالحقّ مبيناً لتهتدوا إلى سبل السلام."(٢)
كان المجتمع الفارسي آنذاك يرزح تحت وطأة انهيار خُلُقي واسع في مداه،
فأَعلن حضرة الباب في هكذا جوّ أَنَّ أساس الإحْياءِ الروحي والتقدم
الاجتماعي هو "الحبّ والرأفة" وليس "الشدة والسطوة،"(٣) فأثار ذلك
الإعلان الأمل والانفعال لدى طبقات المجتمع كافة، وسرعان ما اجتذبت
دعوة حضرة الباب تلك الآلاف من المؤيّدين والأتباع.
ورغم أنَّ اسم التاجر الشاب كان سيد علي محمد، إلاّ أنه اتخذ لنفسه لقب
"الباب." وبيّن حضرة الباب بأنَّ مجيئه لم يكن إلاّ مدخلاً تَعبُره
الإِنسانيّة نحو ذلك الظهور الإلهيّ الذي ينتظره البشر في كلِّ مكان.
أما الموضوع الرئيس الذي تناوله كتاب البيان – وهو أم الكتاب بالنسبة
للظهور البابي – فكان الظهور الوشيك لرسول ثانٍ يبعثه الله، يكون أعظم
شأناً من حضرة الباب نفسه، ويحمل رسالةً جديدة لبدء عهد من العدل
والسلام، وهو ما وعد به كلٌّ من الدين الاسلامي واليهودي والمسيحي،
بالإضافة إلى كلّ دين عالمي آخر اعتنقه البشر.
حين أشار حضرة الباب إلى ذلك الرسول القادم استخدم عبارة رمزيّة
وَصَفَتْهُ بأنّه "مَنْ يُظْهِرُه الله". وأَكّد استقلالية ذلك الرسول
وسيادته الكاملة فصرّح "بأنّه لا يستشار بإشارتي ولا بما نزل في البيان."(٤)
كما وضّح حضرة الباب أيضاً الهدف الرئيس لرسالته هو فقال: "إنَّ الهدف
من هذا الظهور، وكلّ ما سبقه من الظهورات الأخرى، ليس إلاّ الإعلان عن
مجيء مَنْ يُظْهِرُه الله وبعث رسالته."(٥) وبما أنَّ جوهر الإنجازات
الإِنسانية كافة موجودة في تعاليم هذا الظهور الإلهي الموعود فإنَّ "الدين
كلّه يكمن في نصر ذلك الظهور ودعمه."(٦) ولقد اعتبر حضرة الباب أنَّ
التاريخ الإِنساني قد بلغ نقطة تحوّل رئيسة، وكان هو بمثابة "صوت
الصارخ الذي كان ينادي في بريّة البيان"(٧) بأنَّ الإِنسانية بدأت
بالدخول في مرحلة نضجها الجماعي.
ناشد حضرة الباب في كلِّ ما كتب، أتباعَه ليكونوا يقظين حتى إذا أظهر
الموعود نفسه بادروا إلى إعلان الإيمان به. وحثّ أتباعه أيضاً على أن
يشاهدوا الأمور بأعين أفئدتهم منزّهين أنفسهم عن كل وهم:
"قل إِنّما الآخرة أيام من يظهره الله، لا تجعلُنَّ شيئاً من أوامر
الله موهوماً عند أنفسكم ولْتَرَوُنَّ كلَّ شيء ما قد خلقه بأمره
بأَعْين أَفئدتكم مثل ما أنتم بأَعْين أَجسادكم تُبصرون."(٨)
أكَّد حضرة الباب لأتباعه مراراً عِظَمَ مقام "من يُظهره الله" وسموَّ
مكانته، وأراد لهم أنْ يكونوا لائقين للمثول بين يديه حين ظهوره، فسنّ
لهم نمطاً للحياة وقواعدَ للسلوك تتصف بالعفّة والطهارة والقداسة ونبل
الأخلاق. وأهاب بالرعيل الأول من أتباعه وتلاميذه التقيّد بتلك القواعد
الأخلاقية التي لم تشهد لها الإِنسانية مثيلاً قبل ذلك:
"اغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل
الملأ الأعلى... والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأَعمال إلى
عرشه الأعلى إلاّ إذا كانت طاهرةً نقيةً، ولا تكون مقبولة لديه إلاّ
إذا كانت خاليةً من آثار الدَّنس..."(٩)
وردت إشارات عدة بقلم حضرة الباب بالنسبة لشخصيّة "مَنْ يُظهره الله،"
منها مثلاً قوله في موضعين مختلفين:
"طوبى لمن ينظر إلى نظم حضرة بهاء الله ويشكر ربّه فإنّه يَظهر ولا
مردَّ له من عند الله في البيان..."(١٠)
"إذا أشرقت شمس البهاء عن أفق البقاء أنتم فاحضروا بين يديّ العرش..."(١١)
وفي عام ١٨٤٨ وفي جمعٍ ضم جمهرة من أتباع حضرة الباب اتخذ حسين علي لقب
"البهاء." وقد عرف التاريخ حسين علي باسم بهاء الله وهو الذي كان من
أبرز أتباع حضرة الباب، وحاز اتخاذُه لذلك اللقب دعم حضرة الباب
وتأييده.
إنَّ الدور الذي قام به حضرة الباب تجاه ظهور حضرة بهاء الله يشبه في
بعض وجوهه ما قام به يوحنا المعمدان تجاه تأسيس الدين المسيحي. كان
حضرة الباب المبشّر بحضرة بهاء الله، وكانت وظيفته تمهيد السبيل لمجيء
حضرة بهاء الله. وطبقاً لذلك، فإنَّ تأسيس الدين البابي لهو في الحقيقة
مرادف لتأسيس الدين البهائي، وإنَّ هدف رسالة حضرة الباب تَحَقَّقَ
عندما أعلن حضرة بهاء الله في عام ١٨٦٣ بأنَّه الموعود المنتظر الذي
أعلن عنه حضرة الباب. وأكّد حضرة بهاء الله فيما بعد هذا الرأي في أحد
ألواحه حين وصف حضرة الباب بأنه كان "[منادياً] باسمه و[مبشّراً]
بظهوره الأعظم الذي ارتعدت له فرائص الأمم وسطع النور به من أفق العالم."(١٢)
فقد سجّل ظهور حضرة الباب في التاريخ الديني ختام "كور النبوّة" و"بداية"
الكور الذي "سوف تتحقّق فيه كل النبوءات."
ومع ذلك يجدر بنا أنْ لا ننسى أنّ حضرة الباب أسَّسَ ديناً مستقلاً
قائماً بذاته، خاصاً بدعوته هو، عُرِفَ بالدين البابي. فبَعَث هذا
الظهور الديني جامعة من المؤمنين مليئةً بالحيويّة والنشاط، وانبثق عنه
وحيٌ من الآيات والآثار المقدسة، ومَهَرَ التاريخَ ببصماته الخاصة
المُمَيَّزَةِ التي لا تُمحى. وتشهد الآثار البهائية المقدسة بأنَّ "عظمة
حضرة الباب لا تكمن فقط في أنَّ الله قد بعثه ليبشّر بهذا الظهور
الأعظم، بل وأكثر من ذلك لكونه ظهر بالقدرة والسيادة ذاتهما الكامنتين
في كلّ ظهور إلهي يتمتع بالقوة والعزم، فمَلَكَ بصولجان رسالته
المستقلة مُلكاً لم يُضاهِهِ فيه أحدٌ من الرسل والأنبياء السابقين."(١٣)
وقد تمكّن حضرة الباب حقاً من القيام بدورٍ يذكّرنا بما قام به الرسل
والأنبياء الأولون، إذ أطلق دعوة الإصلاح الخلقي والروحاني في المجتمع
الفارسي، وأصرّ على رفع المستوى الاجتماعي للمرأة وتحسين أوضاع الفقراء
والمعْوزِين. ولكن - على عكس مَنْ سَبَقَهُ من الذين نظروا إلى
المستقبل البعيد إلى يوم تمتلئ الأرض بـ"معرفة الرب"(١٤) - تمكّن حضرة
الباب من أن يقيم الدليل بفضل ظهوره بأنَّ فجر نور "يوم الله" قد بدأ
ينبثق.
موصدةً بدت قلوبُ وعقول أولئك الذين وجّه إليهم حضرة الباب دعوته،
فكانوا وكأنهم أسرى عالم فكري تجمّد على حاله دونما تبديل منذ القرون
الوسطى. فكانت الإجراءات والقواعد التي سنّها لمعالجة انهيار الحياة
الروحية، ناهيك عن إعلاء شأن العلم والتربية وتشجيع دراسة العلوم
النافعة، كل هذه الأفكار بدت آنذاك ثوريّة للغاية مهما كان المعيار
الذي نُِقيمُه للحكم عليها. وهكذا استطاع حضرة الباب بإِعلانه عن دين
جديد مساعدة أتباعه كي يتحرّروا من التقاليد الفكرية الاسلامية
الموروثة، وعبّأَ صفوفهم استعداداً لمجيء حضرة بهاء الله.
وصفَ الملاّ حسين البشروئي، أحد علماء الدين المرموقين في بلاد فارس،
الأثر الذي تركه في نفسه ذلك اللقاء الأول حين مَثُلَ بين يديّ حضرة
الباب: "شعرت بقوة وشجاعة خُيِّل إليّ معهما أنني أستطيع أنْ أقف
وحيداً لا أتزعزع في وجه العالم كلّه بكل شعوبه وحكّامه. وبدا لي أنَّ
الكون لا يزيد على حفنة من التراب في يدي. وحَسِبتُ أنني صوتُ جبريلَ
المتجسّد يَهيب بالناس جميعاً أنْ أفيقوا فإِنَّ نور الصبح قد لاح."(١٥)
كان لدعوة حضرة الباب تأثير بالغ أَحدث تحوّلاً وتغييراً في النفوس،
وتحقّق ذلك أساساً عبر رسائله وتفاسيره وكتاباته العقائدية والصوفية.
أما البعض، كالملاّ حسين، فقد استمعوا إليه شخصياً يحدّثهم ويتحفهم
ببديع بيانه. ووصف أحد أتباعه ما كان للباب من صوت مؤثّر فقال: "كان
صوت حضرة الباب وهو يُملي تعاليمه وقواعد إيمانه مسموعاً بوضوح في سفح
الجبل الذي كان يردد هو والوادي صوته، وكانت نغمة ترتيل الآيات تفيض من
فمه وهي تشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح، وتتحرك لندائه قلوبنا
من أعماقها."(١٦)
اتّسم الإعلان عن الدعوة الجديدة بالشجاعة والإقدام، وهي الدعوة التي
رسمت للبشر رؤية مجتمع جديد في كل نواحيه، فأصاب الفزع المؤسسات
الدينية والمدنيّة على حدّ سواء. وسرعان ما تعرّض البابيون للاضطهاد
والتعذيب نتيجة لذلك. فأُعدم الآلاف من أتباع حضرة الباب في سلسلة من
المجازر الفظيعة. وسجّل عدد من المراقبين الغربيين الشجاعة المعنوية
الخارقة التي أبداها البابيون وهم يواجهون حملة العنف والاضطهاد هذه.
وتأثّر المفكرون الأوروبيون كإرنست رينان، وليو تولستوي، وساره برنارد،
والكونت غوبينو، أبلغ الأثر لهذه المأساة الروحيّة التي دارت رَحَاهَا
في بلد خيّم عليه الظلام. وأصبحت أخبار حضرة الباب موضوع حديث
المنتديات الفكرية والأدبية الأوروبية بصورة متكرّرة. وحَمَلت تلك
الأخبار البطولة التي تحلَّى بها أتباعه، وحكت عن سيرته العطرة ونبل
تعاليم رسالته. وانتشرت قصة الطاهرة، تلك الشاعرة العظيمة والبطلة
البابية، انتشاراً واسعاً كقصة حضرة الباب نفسه - فهي التي خاطبت
جلاّديها حين استشهادها بجرأة قائلة: "تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون،
ولكنكم لن تستطيعوا إيقاف تحرير المرأة."(١٧)
وفي نهاية الأمر زعم أعداء حضرة الباب ومناوئوه بأنه لم يكن مارقاً في
الدين فحسب، بل ثائراً ومتمرداً عظيم الخطر أيضاً. لذا قررت السلطات
التخلّص منه وإِعدامه. ونُفّذ فيه الحكم في التاسع من تموز (يوليه) عام
١٨٥٠ (الموافق للثامن والعشرين من شعبان ١٢٦٦ هجرية) في ميدان يتوسط
الثُّكنات العسكرية بمدينة تبريز. واحتشد جمع غفير من الناس قُدّر
عددهم بعشرة آلاف شخص، غصّت بهم سطوح الثكنات العسكرية والمنازل
المشرفة على الميدان. وعُلّق حضرة الباب وشابٌ من أتباعه بحبلين
ودُلِّيا أمام جدار في الميدان. واصطفّت الفرقة العسكرية وكان قوامها
٧٥٠ جندياً أرمنياً ثم انتظمت في صفوف ثلاثة في كل صف ٢٥٠ جندياً،
وأطلق كل صف الرصاص بعد الآخر، وتكاثف الدخان المتصاعد من البنادق
السبعمائة والخمسين حتى أظلم الميدان وتعسرت الرؤية فيه.
وسجّل أحداث استشهاد حضرة الباب السير جستين شييل، السفير فوق العادة
ومبعوث الملكة فكتوريا الخاص لدى بلاط الشاه، في تقرير رفعه إلى وزير
الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون بتاريخ الثاني والعشرين من تموز (يوليه)
عام ١٨٥٠، وقد جاء في تقريره ما يلي: "عندما انقشع الغبار الكثيف بعد
إطلاق الرصاص، توارى حضرة الباب عن الأنظار وهتف الجمهور بأنّه قد صعد
إلى السماء. فقد مزّق الرصاص الحبلين اللذين رُبط بهما حضرة الباب
ورفيقه، إلاّ أنّه أحضر فيما بعد من الغرفة التي اكتُشِفَ وجوده فيها
وتّم إطلاق الرصاص عليه من جديد."(١٨)
بعد هذه المحاولة الأولى لتنفيذ حكم الإِعدام في حضرة الباب واختفائه
عُثِرَ عليه يجلس في زنزانته وهو يُملي الإرشادات على أحد أتباعه. وكان
حضرة الباب قد حذّر حرّاسه في وقت سابق من النهار حين قدموا ليقودوه
إلى ساحة الإعدام بأن ليس هناك من قوة في الأرض يمكنها منعه من إتمام
كل ما يريد الإدلاء به حتى الحرف الأخير. ولكن عندما حضر الحراس
لاقتياده إلى الساحة للمرة الثانية تحدث اليهم قائلاً بكل هدوء: "أما
وقد انتهيت من حديثي مع السيد حسين فبإمكانكم أنْ تفعلوا ما بدا لكم."(١٩)
واقتيد حضرة الباب ورفيقه الشاب مرة أخرى إلى ساحة الإِعدام. إلاّ أنَّ
الجند الأرمن رفضوا إطلاق الرصاص عليه مرة ثانية، فشُكِّلت فرقة من
الجند المسلمين وأُمروا بإطلاق الرصاص على حضرة الباب ورفيقه. وفي هذه
المرة مزّق الرصاص جسدي الشهيدين جاعلاً منهما كتلةً واحدة من اللحم
والعظم، أما الوجهان فقد ظلاّ سالمين لم تصبهما إلاّ خدوش طفيفة.
وانطفأ نور ذلك "البيت"(٢٠) (والبيت كلمة استخدمها حضرة الباب في أحد
ألواحه إشارة إلى ذاته) تحت وطأة سلسلة من الأحداث والظروف المثيرة
للغاية، أما كلماته الأخيرة فقد وجهها حضرة الباب إلى الجمهور المحتشد
قائلاً: "أيها الجيل الملتوي! لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا
الشاب الذي هو أعظم منكم شأناً، ولأقبل راضياً مختاراً على التضحية
بنفسه في سبيلي، وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون
معكم."(٢١)
سجّل حضرة بهاء الله تقديره للباب وأجزل له الثناء في كتاب الإيقان
فقال:
"... وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحدية، بحيث أنَّه
قام كلّ من على الأرض على منعه، ولم يأت ذلك بثمر أو فائدة بل كلّما
كان يرد منهم من الإيذاء على تلك السّدرة، سدرة طوبى، كلّما كان يزداد
شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أَنْ فدى
أخيراً بروحه وصَعِدَ إلى الرفيق الأعلى."(٢٢)
وكتب المؤرخ أ.ل.م. نيكولاس الذي سجّل الأحداث المحيطة باستشهاد حضرة
الباب ما يلي: "لقد فدى الإِنسانيّة بنفسه، ومن أجل الإِنسانيّة وَهَب
روحَه وجسده، ولأجلها تحمّل الحرمان، والأذى، والتعذيب، والاضطهاد،
وأخيراً الاستشهاد. ولقد أحكَم بدمائه ميثاقَ الأخوَّة العالمية، ودفع
تماماً كما فعل المسيح حياته ليعلن مجيء عهد من الوفاق والعدالة
والمحبة الأخويّة."(٢٣)
إنَّ فترة السّنوات الستّ القصيرة التي عاشتها رسالة حضرة الباب
والسرعة التي حققت فيها أهدافها رمزت في بعض أوجهها إلى الطّفْرة
المفاجئة التي حثّ حضرة الباب العالم لِيُقدِمَ عليها حتى يتمّ
الانتقال إلى حالة من الوعي والاحساس بالوحدة العالمية. فمنذ إعلانه
الجريء لدعوته في منتصف القرن الماضي تحقّق تقدُّم قلّ نظيره في العديد
من المجالات العلمية والتقنية. وسجّل هذا التقدم انبثاق التباشير
الأولى لميلاد "مجتمع عالمي موحّد". فكان دوره كـ "النقطة التي ذُوّتَ
بها من ذُوّتَ"(٢٤) باعثاً لدورة جديدة من الكشف والإبداع البشري. لقد
هبّت نسائم العرفان فاغتنت العقول وحَلّقت الأرواح في السموات العُلَى.
يصف حضرة بهاء الله تعاقب ظهورين إلهيّين بحيث كادا يتزامنان بأنّه "سرّ
لا سبيل إلى اكتشاف كنهه."(٢٥) ويعتقد البهائيون أَنَّ هذه الظاهرة ما
هي إلاّ تأكيد على قرب مجيء "ملكوت الله على الأرض" وهي الشهادة أيضاً
على عظمة ظهور حضرة بهاء الله. وقد علَّق على ذلك عبد البهاء قائلاً:
"إِنَّ حضرة الأعلى [حضرة الباب] لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء
بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي الجمال المبارك [حضرة
بهاء الله] الذي وعدت به الكتب والصحف والزبر والألواح السابقة جميعها.
فظهور الجمال المبارك أشرق بالنور ذاته الذي تجلّى على الطور في سدرة
سيناء. كلّنا عباد لتلك المظاهر الإلهيّة خاضعين خاشعين لدى بابهم."(٢٦)
صاحب الرسالة الإلهية (١٨١٧-١٨٩٢)
مقام حضرة بهاء الله في عكا
"وإنما الوجه الذي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون
البرّاقة النافذة التي تقرأ روح الشخص. وتعلو جبينه الوَضّاح العريض
القدرة والجلال... فلم أك إذ ذاك في حاجة للسؤال عن الشخص الذي امتثلت
في حضوره، ووجدت نفسي منحنياً أمام من هو محطّ الولاء والمحبة التي
يحسده عليهما الملوك، وتتحسر لنوالهما عبثاً الأباطرة!"(١)
بهذه الكلمات وصف المستشرق إِدوارد غِرانفيل براون، الأستاذ بجامعة
كمبريدج، حضرة بهاء الله حين تشرف بزيارة حضرته عام ١٨٩٠ في سجن عكا في
فلسطين. وكان حضرة بهاء الله حينها رهين السجن طال نفيه عن وطنه لمدة
قاربت الأربعين عاماً، وكانت رسالته آنذاك يحيط بها الغموض بسبب القيود
المفروضة عليها، والدعوات المغرضة التي يطلقها أعداؤها. أما اليوم
فيعترف الملايين من أتباعه المؤمنين في أرجاء العالم كافة بأنه صاحب
الرسالة الإلهيّة لهذا العصر والمربّي الرّوحي لأهل هذا الزمان. ويعتقد
البهائيون أنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث برسله في فترات مختلفة من
التاريخ فيؤسّس هؤلاء، كما فعل موسى وإبراهيم وعيسى ومحمد وكرشنا وبوذا
عليهم السلام، أَديانَ العالم ونظمه الروحية. إنّه الخالق الودود يبعث
برسله الينا كي نتمكن من التعرف عليه والتعبد لديه بحيث نتمكن من بناء
حضارة إِنسانية دائمة التقدم فيما تحقّقه من انجازات عظيمة.
إِنَّ مقام رسل الله ومظاهر أمره مقامٌ فريد متميّز في عالم الخلق.
فرسل الله ومظاهر قدرته يتمتعون بطبيعة ثنائية إِنسانيّة وإلهيّة في آن
معاً دون أنْ يكونوا في مقام الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق المنزّه
عن الادراك. وفي هذا المجال كتب حضرة بهاء الله في وصف الله سبحانه
وتعالى ما يلي:
"إنَّه لم يزل ولا يزال كان متوحّداً في ذاته ومتفرّداً في صفاته
وواحداً في أفعاله وإنَّ الشبيهَ وَصْفُ خلقه والشريكَ نعتُ عباده،
سبحان نفسه من أَنْ يوصف بوصف خلقه، وإنَّه كان وحده في علوّ الارتفاع
وسموّ الامتناع ولن يَطِرْ إلى هواء قدس عرفانه أطيار أفئدة العالمين
مجموعاً، وإنَّه قد خلق الممكنات وذَرَأ الموجودات بكلمة أمره."(٢)
إِضافةً إلى ذلك يوجّه حضرة بهاء الله هذا الدعاء إلى الله سبحانه
وتعالى فيقول:
"سبحانك سبحانك من أنْ يقاس أمرك بأمر أو يرجع اليه الأمثال أو يُعرف
بالمقال، لم تزل كنت وما كان معك من شيء ولا تزال تكون بمثل ما كنت في
علوّ ذاتك وسموّ جلالك، فلما أردتَ عرفان نفسك أَظهرتَ مظهراً من مظاهر
أمرك وجعلته آية ظهورك بين بريّتك ومظهر غيبك بين خلقك..."(٣)
وفي شرحه للعلاقة القائمة بين المظهر الإلهي والخالق السماوي استخدم
حضرة بهاء الله مَثَل المِرآة، فالمِرآة تعكس نور الشمس، تماماً كما
تعكس المظاهر الإلهيّة نور الله، وكما أنّه لا يمكن مقارنة الشمس
بالمِرآة، كذلك لا يمكن مقارنة المظهر الإلهي بالحقيقة الإلهيّة:
"إنَّ هذه المرايا القُدُسية... كلّها تحكي عن شمس الوجود تلك، وذلك
الجوهر المقصود، فَعِلْمُ هؤلاء مثلاً من علمه هو، وقدرتهم من قدرته،
وسلْطنتهم من سلْطنته، وجمالهم من جماله..."(٤)
إنَّ رسالة حضرة بهاء الله لهذا العصر هي في الأَساس رسالة العدل
والوحدة والاتّحاد، فقد كتب يقول: "أحبُّ الأشياء عندي الإنصاف،"(٥)
وكرّر القول في موضعين آخرين بأن "العالم وطن واحد والبشر سكّانه"(٦)
وبأنَّه "لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلاّ بعد
ترسيخ دعائم الاتِّحاد والاتِّفَاقِ."(٧) هذا ما وصفه الرّحمن من دواء
ناجع لشفاء علل العالم.
ورغم أنَّ مثل هذه التصريحات والبيانات أَصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ
مما يفكّر به عموم الناس، فَلَنا أنْ نتصور كيف باغتت هذه الآراء
والأفكار شخصاً مثل إِدوارد غِرانفيل براون حين وجّه اليه حضرة بهاء
الله هذه الكلمات في تصريحه الرائع حيث قال:
"الحمد لله إذ وصلتَ... جئتَ لترى مسجوناً ومنفيّاً... نحن لا نريد
إلاّ إصلاحَ العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك يعتبروننا مثيرين للفتنة
والعصيان، ومستحقين للحبس والنفي... فأي ضرر في أنْ يتّحد العالم على
دين واحد وأنْ يكون الجميع إخواناً، وأن تُستَحكَم روابط المحبّة
والاتحاد بين بني البشر، وأنْ تزول الاختلافات الدينية وتُمحى الفروق
العِرقية؟ ...ولا بدّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمرة
والمشاحنات العقيمة وسيأتي الصلح الأعظم..."(٨)
وُلد حضرة بهاء الله في بلاد فارس في القرن التاسع عشر في أسرة عريقة
مرموقة الجانب، وكان من البديهي أنْ يجد نفسه في بُحبوحة من العيش وقسط
وافر من الثراء. إلاّ أنّه ومنذ زمن مبكّر لم يُبدِ اهتماماً بالسير
على خُطى والده والدخول إلى بلاط الشاه، مُؤثِراً أن يصرف جُلّ وقته
وإمكاناته في رعاية الفقراء والحدب عليهم. وفيما بعد سُجن حضرة بهاء
الله وتم نفيه نتيجة اعترافه بدين حضرة الباب الذي قام يبشّر بدعوته
عام ١٨٤٤ في بلاد فارس، وهو الذي كان مُقدّراً له أنْ يحقّق ما جاء به
الإسلام من الوعود والنبوءات.
أشار حضرة الباب في آثاره إلى قرب مجيء الموعود الذي بشّرتْ به الأديان
العالمية كلّها، فكان أنْ أعلن حضرة بهاء الله بأنَّه ذلك الموعود
المنتظر، فخصّ العصر الذي شهد مجيء رسالته بهذا التمجيد والثناء: "إن
هذا اليوم هو سلطان الأيّام جميعها، إنّه يوم ظهر فيه محبوب العالم،
ومقصود العالمين منذ أزل الآزال."(٩) وفي مناسبة أخرى يضيف قائلاً: "قل
إنيّ أنا المذكور بلسان الإشعيا وزُيّنَ باسمي التوراة والإنجيل."(١٠)
أمّا في حقّ نفسه فقد صرح مؤكدا: "إنَّ قلم القدس قد كتب على جبيني
الأبيض بنور مبين أنْ يا ملأ الأرض وسكان السماء هذا لهو محبوبكم
بالحقّ وهو الذي ما رأت عين الإبداع شبهه والذي بجماله قرّت عين الله
الآمر المقتدر العزيز."(١١)
وأَما بخصوص رسالته فقد قال:
"فلمّا انقلبت الأكوان وأهلها والأرض وما عليها كادت أَنْ تنقطع نسمات
اسمك السبحان عن الأشطار وتَركُد أرياح رحمتك عن الأقطار. أقمتَني
بقدرتك بين عبادك وأمرتني باظهار سلطنتك بين بريّتك. قمتُ بحولك وقوّتك
بين خلقك وناديتُ الكلّ إلى نفسك، وبشّرتُ كلَّ العباد بألطافك ومواهبك
ودعوتُهم إلى هذا البحر الذي كلُّ قطرة منه تنادي بأعلى النداء بين
الأرض والسماء بأنه محيي العالمين ومُبعِثُ العالمين ومعبود العالمين
ومحبوب العارفين ومقصود المقرَّبين."(١٢)
وعَرَفَ حضرة بهاء الله أول ما عرف تباشير الظهور الإلهي أثناء الفترة
الأولى في السجن، فوصف تجربته تلك بهذه الكلمات:
"وبالرّغم من أنّ النوم كان عزيز المنال من وَطْأة السلاسل والروائح
المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء [طهران] إلاّ أَنَّني كنت في
هَجَعاتي اليسيرة أُحسّ كأنّ شيئاً يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري
كأنّه النهر العظيم ينحدر من قُلَّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب
جميع الأعضاء. في ذلك الحين كان اللّسان يرتّل ما لا يقوى على الإصغاء
إليه أحد."(١٣)
وخلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن أنزل حضرة بهاء الله من
الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة سِفْرٍ مجلّد. فأفاض علينا
قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات احتوت الكتابات الصوفية،
والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، بالإضافة إلى
إعلانٍ واضح صريح لا لبس فيه عن رسالته وَجَّهَه إلى الملوك ورؤساء
الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا،
والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول،
والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون.
إنَّ مفهوم الطبيعة الإنسانيّة في رسالة حضرة بهاء الله يقوم على
التأكيد على كرامة الإنسان وما فُطر عليه من خُلُقٍ نبيل. وفي أحد
آثاره المباركة يخاطب حضرة بهاء الله الإنسان بلسان الحقّ فيذكّره
بمنشأه ومنتهاه: "يا ابن الروح! خلقتك عالياً، جعلتَ نفسك دانية، فاصعد
إلى ما خُلقتَ له."(١٤) ويصرّح في موضع آخر: "انظر إلى الإنسان بمثابة
منجمٍ يحوي أحجاراً كريمة، تخرج بالتربية جواهره إلى عَرَصة الشهود
وينتفع بها العالم الإنسانيّ."(١٥) ويعود حضرة بهاء الله فيؤكد بأنَّ
كلّ إنسان قادرٌ على الإيمان بالله، وكل ما هو مطلوب قَدرٌ من التجرد
والانقطاع.
"وإذا ما تَطَهّر مشام الروح من زُكام الكون والإمكان، لوجد السالك
حتماً رائحة المحبوب من منازلَ بعيدة، ولَوَرَدَ من أثر تلك الرائحة
إلى مصر الإيقان لحضرة المنّان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في
تلك المدينة الروحانية... وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كل
عهد... وفي هذه المدائن مخزونُ ومكنونُ الهدايةِ والعنايةِ، والعلمِ
والمعرفةِ، والإيمانِ والإيقانِ لكل من في السّموات والأَرضين..."(١٦)
وقد وصف حضرة عبد البهاء، الإبن الأَرشد لحضرة بهاء الله ومركز عهده
وميثاقه، رسالة والده بهذه الكلمات:
"تحمّل حضرة بهاء الله جميع البلايا حتى تتحوّلَ النفوس لتصبح نفوساً
سماوية، وتتحلّى بالأخلاق الرحمانية، وتسعى لتحقيق الصلح الأَكبر،
لتؤيَّدَ بنفثات الروح القُدُس، فتظهر الودائع الإلهيّة المخزونة في
الحقيقة الإنسانيّة، وتصبح النفوس البشرية مظاهر الأَلطاف الإلهيّة،
ويتحقق ما جاء في التوراة بأنَّ الإنسان قد خلق على مثال الله وصورته.
خُلاصة القول بأنَّ تَحَمُّل حضرة بهاء الله لهذه البلايا ما كان إلاّ
لكي تستنير القلوب بنور & |