الإنسان و القوة

 

 

مازن كم الماز

 

الحوار المفتوح العدد 103: 9\6\2004

 

قبل 40 سنة احتاجت إسرائيل إلى 6 أيام لهزيمة ثلاث جيوش عربية فيما احتاجت قوات المارينز الأفضل تدريبا و تسليحا إلى أكثر من 3 أسابيع للسيطرة على الفالوجة و لم يكن حظ نظرائهم الإسرائيليين أفضل حالا في مواجهة مخيم جنين الذي يشبه مخيم نهر البارد بمنازله الواطئة المتلاصقة الذي ما تزال دبابات و مغاوير الجيش اللبناني تحاول اقتحامه منذ أيام أما في صيف العام الماضي فقد اضطر أكبر جيوش المنطقة تسليحا و تطورا إلى تحمل خسائر غير مسبوقة و أن يواجه نكسة حقيقية بعد مواجهة طالت ل 34 يوما بتغطية أمريكية دولية..تبدو الجيوش النظامية ال"وطنية" تعاني صعوبات حقيقية أمام مجموعات أضعف و محدودة التسليح من المقاتلين المؤمنين بقضيتهم و هذا لا يتوقف على مصاعب و تعقيدات القتال في المناطق المدينية فالقضية الأساسية تتلخص في طبيعة هذه الجيوش "المحترفة" و اعتمادها أساسا على التكتيك العسكري مقابل اعتماد تلك المجموعات إضافة إلى التكتيكات المدعومة بالأسلحة المناسبة على إرادة قتال عالية و استعداد عالي للتضحية يربك الجيوش النظامية و خطط قادتها و جنرالاتها..هنا تتفوق هذه الجيوش "محترفة القتل" بقوة النيران الهائلة و استخدامها الهمجي لهذه القوة تحت غطاء "الشرعية الوطنية" التي تتمتع بها أو "الشرعية" الدولية التي تزعمها..في الحالة العربية الرسمية في النكسة الحزيرانية و ما تلاها تبدو أزمة الحالة السلطوية العربية أشد و أعمق فيما تبدو مؤسسات هذه السلطة أكثر تهالكا و غربة عن المجتمع و انتهاكا له و لذلك كان السقوط و الهزيمة نتيجة أية مواجهة مع أي عدو خارجي..أما في مواجهاتها الداخلية كانت السلطة عادة شديدة القسوة ضد "العدو الداخلي" و من حماة إلى قمع صدام لانتفاضة 1991 في الجنوب و الشمال إلى اقتحام قوات السلطة القائمة اليوم في بغداد للفالوجة و الرمادي و أيلول الأسود كانت السلطة تمارس أشنع وسائل القمع الجماعي وصولا إلى المجازر , كانت شرعية الموت و القمع تفرض على الناس بأقسى الوسائل الممكنة..تختلف إستراتيجية الغزاة ففي مقابل الإصرار الإسرائيلي على تكريس حالة من الخوف و العجز تؤسس لاستسلام الخصم يريد الأمريكان كما في فيتنام و حروبهم المختلفة تحييد عناصر المقاومة عند الخصم بطريقة أكثر "تحضرا" ينسجم هذا مع الدور التبشيري المزعوم الذي يدعيه الكاوبوي الأمريكي رغم أنه في مواجهة تحدي المقاومة أثبت الأمريكان استعدادهم للجوء إلى القمع و القتل الجماعيين..عبادة القوة هذه هي شرعية العالم اليوم..يصبح الهدف في شوارع الضفة و غزة كما في شوارع الفالوجة و بغداد و نهر البارد هو الفرد المقاتل الذي تستخدم لاصطياده المدفعية الثقيلة و الدبابات و الطائرات بمختلف أنواعها و أخيرا المشاة المدججين , المقاتل الذي يقاتل حتى النهاية دون أمل ربما لكن بإصرار لافت..إن القوة تنتج نقيضها الذي يؤمن بالقوة في مواجهة القوة..لا يثير القتل بحد ذاته غضب النخب فما يثير سخط النخب هو أن يأتي القتل من الطرف المقابل أو من الطرف المهزوم في إطار عبادة القوة كمصدر للشرعية و الفعل و يستطيع نازيون صغار في حكوماتنا أو ما يقابلها أو في حكومات أمريكا و تل أبيب أن يطالبوا بالمزيد من الدماء أو القمع أو القتل دون أن يثير هذا بذاته استنكار أحد..لم تنته أي من هذه المواجهات إلى انتصار القوة المقاومة ما عدا حالة حزب الله التي سرعان ما تمكنت السياسة من محاصرة نتائج انتصاره و بدأت محاولة تحييده و تحجيمه إضافة إلى حالة المقاومة العراقية التي يشكل استمرارها عمليا انجازها الأساسي حتى اليوم مع ضرورة الإشارة إلى أنها تستمر لأنها تتغذى على العنف المجاني الذي أنجبته الحالة السياسية الطائفية السائدة في العراق اليوم..من غروزني إلى جنين و الفالوجة و بالتأكيد نهر البارد سيكون بمقدور الدبابات أن تهزم مؤقتا مجموعات المقاتلين فقتال هذه المجموعات هو في سبيل تسجيل حالة الصمود أكثر من أن يشكل جزءا من مشروع متكامل للمقاومة المنتصرة , يشكل هذا محور أزمة هذه المجموعات المعزولة عن واقعها عن محيطها المؤمنة بالأساليب التآمرية الإرهابية للرد على الخصم التي لا تمتلك أية مشروع جدي أبعد من مجرد مقاومة العدو , إن الهزيمة نتيجة منطقية لهذه المواجهة لكن المأساوي في المشهد اليوم أن عبادة القوة عند النخب و ممارستها المتعسفة من قبل كل أشكال السلطة أو مشاريع السلطة يعيد إنتاج هذه الحالة بشكل مستمر في تعبير عن عمق المأزق الراهن في حين يحضر الإنسان بصفته الضحية دوما

 

 

اشترك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1