|
|
" بالفعل كيف يقترح هؤلاء الناس أن يديروا مصنعا , يشغلوا سكة حديد أو
يقودوا سفينة بدون أن يكون لديهم , كمرجع أخير , أحد يقرر , بدون أية إدارة , إنهم
لا يجيبونا "(1)
أنجلز
منذ القرن التاسع عشر واجهت الماركسية و الأناركية بعضهما البعض على أنهما
الاتجاهين المسيطرين في الفكر الثوري . يزعم بعض الماركسيين أن الماركسية ليست
إيديولوجيا دولتية أو طليعية- نسبة إلى الطليعة - المترجم . و كسائر الماركسيين
فإنهم عموما ينبذون الأناركية كطوباوية , هامشية و غير علمية .
غرض هذه المقالة أن تبين أن ماركس و أنجلز كانا غامضين بشدة فيما يتعلق بطبيعة
الدولة و الحزب و أن نقد الأناركيين لهما كان و لا يزال صحيحا . بعيدة عن أن تكون
طوباوية فإن للأناركية نفس الأصول المادية للماركسية , و بعيدة عن أن تكون هامشية
فإنها امتلكت تأثيرا كبيرا بين العمال منذ القرن التاسع عشر . كما وصفها دانييل
غورين : "عند النشوء شربت الأناركية و الماركسية من نفس المنبع البروليتاري" .(2)
منذ ذلك الحين قام كثير من الأناركيين , لسوء الحظ , بشيطنة ماركس . كانت عبقرية
ماركس و أنجلز تتمثل في الطريقة التي تمكنا فيها من دمج مادية هيغل مع نظريات
اقتصادية مختلفة ليخرجا بنقد للرأسمالية . باعتراف ماركس نفسه فإن رأس المال عمله
الاقتصادي الكبير هو تحليل لأفكار اقتصاديي الجناح اليميني مثل آدم سميث و حتى
اشتراكيين مثل الايرلندي ويليام طومسبون .
واحدة من مساهمات ماركس الرئيسية هو نشر النظرية العمالية عن القيمة ( رغم أنه لم
يكن أول من توصل إلى هذه الفكرة ) . و هي تقريبا فكرة أن كل المنتجات المادية أو
السلع لديها قيمة أخرى إلى جانب نفعها الفعلي ( قيمة استخدامها ) . هذه القيمة
تتحدد بمقدار العمل اللازم لإنتاجها . لا يدفع الرأسمالي كامل هذه القيمة كأجر (
الذي توفر ما يكفي فقط لإطعام و استمرار حياة العامل ) ما تبقى يحتفظ به كفضل قيمة
أو ربح .
من هنا لدى العمال مصلحة مادية فعلية للإطاحة بالرأسمالية . بالإضافة إلى هذا يشير
ماركس إلى ميل الرأسمالية لجمع العمال معا في أماكن عمل كبيرة حيث يمكنهم النضال
سوية . هذا يوفر الأساس الاجتماعي لتنظيم العمال و إدراك مصالح الطبقات المتجمعة .
قبل ماركس كان الاشتراكيون مدركين أنه يتم استغلال العمال لكن لم يكن لديهم أي
تفسير للأساس الاقتصادي لهذا الاستغلال . ميكانيزمات الرأسمالية لم تكن مفهومة .
باكونين و أتباعه قبلوا بشكل كامل هذه الفكرة و سواها من نقد ماركس للرأسمالية . في
الحقيقة بدأ باكونين ترجمة رأس المال إلى الروسية و أصدر الأناركي الإيطالي كارلو
كافييرو موجزا عن نفس العمل بالإيطالية .
فيم يتعلق بالمادية بدأ باكونين كتابه التنويري "الله و الدولة" (4) بتحديد المواقف
بوضوح . لقد سأل :
" من هو المحق , المثاليون أم الماديون ؟ عندما يطرح السؤال على هذا النحو يصبح
التردد مستحيلا . من دون شك أن المثاليين على خطأ و الماديين هم المحقون ."
ما هو الخلاف بين الماركسيين و الأناركيين ؟ أنت لا تحتاج درجة في العلوم السياسية
لتستنتج الفرق الرئيسي :
الدولة
رأى ماركس و أنجلز الدولة على أنها نتاج لصراع الطبقات . إنها اللجنة التنفيذية
للطبقة الحاكمة . إنها وسيلة تحكم من خلالها طبقة طبقة أخرى . في معظم كتاباتهما
يبدو أنهما يعتبران الدولة أداة حيادية . يمكن أن تتم السيطرة عليها و استخدامها من
قبل الرأسماليين أو العمال على حد سواء .
يعتبر البيان الشيوعي هو إعلانهما السياسي الكلاسيكي (5) . في مطالبه العشرة يدعو
إلى مركزة القروض و المواصلات و وسائل الإنتاج تحت الدولة . إن هذا مبرر ( بالنسبة
لماركس ) لأن :
"السلطة السياسية , كما يجب أن تسمى بدقة , هي تماما أداة طبقة لقهر أخرى" .
لدينا هنا فكرة أن الدولة هي أداة يمكن أن تستعمل من أي من الطبقتين ( الرأسماليين
أو العمال ) .
في تعليقه على باكونين يزعم ماركس أن العمال :
"عليهم أن يستخدموا الوسائل العنفية و بالتالي الوسائل الحكومية" .
هذا ميل شائع في تفكير ماركس و أنجلز ( انظر أيضا أول اقتباس ) . يصفه كروبوتكين
جيدا على أنه(7) :
"المدرسة الألمانية التي تصر على الخلط بين المجتمع و الدولة" .
ربما سيتعين على العمال استخدام القوة عند قيامهم بالثورة لكن لماذا على هذا أن
يستلزم إنشاء حكومة ؟
يعارض باكونين بقوة المفهوم الماركسي عن الدولة . إن الدولة أكثر من مجرد نتاج
للعداء الطبقي . إذا تم تطبيق برنامج البيان الشيوعي عندها ستظهر طبقة بيروقراطية
جديدة تستند إليه عوضا عن السوق . هذا بالنسبة لباكونين ليس له أية علاقة مع
الاشتراكية :
"إن الاتحاد الأكثر فتكا الذي يمكن تشكيله سيتكون من اتحاد الاشتراكية مع
الاستبداد" .(8)
كان باكونين على حق . إن الإطاحة بالمنافسة و قانون القيمة لم يمنع الدولة
اللينينية من أن تكون مجتمعات طبقية . جسدت الدولة مصالح الطبقة الحاكمة و انتزعت
الأرباح من العمال بالقوة الوحشية و الاستغلال القاسي . لم تنقرض الدولة . إن توقع
أنجلز بأن الاستيلاء على الملكية و مركزتها ستكون آخر عمل رسمي تقوم به الدولة ثبت
أنه مزحة سمجة على عمال الدول الستالينية .
في نهاية المطاف لا توجد دولة يمكنها أن تعبر عن مصالح الجماهير أفضل من الجماهير
ذاتها . كما قال باكونين في "كومونة باريس و فكرة الدولة"(10)
"أين هي تلك الأدمغة القوية بما فيه الكفاية واسعة الأفق بما يكفي لتشمل التعدد و
التنوع اللا متناهي للمصالح , الطموحات , الأمنيات و الحاجات الحقيقية تلك التي
يشكل مجموعها الإرادة الجماعية للشعب ؟" .
ماركس التحرري ؟
بالطبع سيشير الكثير من الماركسيين التحرريين إلى أن ماركس و أنجلز قد تجاوزا في
بعض الأحيان موقف البيان الشيوعي من الدولة . بعد انتفاضة برلين 1848 و كومونة
باريس 1871 مثلا . في كتبه "الحرب الأهلية في فرنسا" ( 1871 ) يقول ماركس أن الدولة
قد :
"اكتسبت أكثر فأكثر صفة السلطة الوطنية لرأس المال على العمل...آلة اضطهاد طبقي.."
.
لذلك :
" لا يمكن للطبقة العاملة ببساطة أن تضع يدها على ماكينة الدولة جاهزة الصنع و
تستخدمها لأغراضها الخاصة" .
و أن تحرير الطبقة العاملة لا يمكن أن ينجز بدون تحطيم جهاز سلطة الدولة الذي
أقامته الطبقة الحاكمة .
و دعا أيضا للحكم الذاتي للمنتجين و تحويل الكومونات إلى أجهزة أعلى من السلطة من
مفوضين يمكن للجماهير استبعادهم لاحقا . لكنه حتى هنا يفشل أن يرسم بأي تحديد صيغ
حكم العمال لأنفسهم التي قد تظهر : أفكار مجالس العمال , الميليشيا , التعاونيات
على الأرض الخ . ( كلها جرى تبنيها من قبل باكونين في رسائل إلى فرنسي ( 1871 ) .
في خطابه عام 1850 إلى عصبة الشيوعيين ( أيضا خطاب تحرري و ثوري نسبيا ) يقترب
ماركس أكثر ما يمكن من رسم موقف هذا عندما يقول أنه على العمال :
"أن يقيموا فورا حكوماتهم الثورية , سواء في شكل لجان بلدية أو مجالس بلدية أو في
شكل لجان أو نوادي عمالية " .
(1) أنجلز , عن السلطة
(2) الأناركية و الاشتراكية 1973
(3) هذه صورة مبسطة فقط . في الواقع هناك حشد من العوامل الأخرى مثل المنافسة التي
تؤدي لإنقاص الأسعار , الأتمتة التي تنقص مقدار العمل , كلفة المواد الخام و الطاقة
و غير ذلك , لكن شرح مستفيض أكثر خارج اهتمام هذه المقالة
(4) كتبت عام 1872
(5) صدر لأول مرة عام 1847 و أعيدت طباعته في صيغة غير معدلة . ( إذا كنت لا تتفق
مع موقف أصلي يمكنك أن تغيره في الإصدار التالي ! )
(6) 1874
(7) الدولة , وظيفتها التاريخية ( 1897 )
(8) باكونين عن الأناركية ( أعده سام دولغوف ) الصفحة 4
(9) ضد دوهرينغ ( 1878 )
(10) كتب بعد كومونة باريس 1871 بفترة قصيرة و نشر عام 1878
نقلا عن www.wsm.ie/story/178
ترجمة : مازن كم الماز
|
|