Open-dialog

Open-Dialog

سحر حويجة

saharh6@yahoo.com

الحوار المفتوح العدد 146: 6\8\2004

 

في ظل الانقسام الذي يعاني منه المجتمع اللبناني ، الممسوك بفعل التوازن القائم بين الأطراف المختلفة، خوفاً من الانزلاق في مهاوي الفوضى، و الاقتتال، رغم المظاهر والتجليات المختلفة للأزمة يكمن أساس الأزمة في بنية وبناء الدولة اللبنانية، حيث إن التجربة تؤكد إن عملية تأسيس دولة ديمقراطية معاصرة، لا تتحقق إلا إذا تأسست من فوق الطوائف ، وإن الدولة الطائفية ، هي الدولة التي توجد فيها الطوائف مؤسسياً وسياسياً ، حيث إن الميثاق لبناني عجز منذ الاستقلال عن احتواء تناقضات الواقع ، بل صعدها، عندما اتخذ التناقض الاقتصادي شكلاً طائفياً من خلال امتيازات البرجوازية المارونية، والمواقف القومية والوطنية اتخذت طابعاً طائفياً ، حتى انفجر الصراع وبدأت الحرب الأهلية ، لحق الانهيار المجتمع لبناني والدولة اللبنانية، دخل الجيش السوري إلى لبنان ، ليشكل المعادلة الأقوى على الساحة اللبنانية، من خلال آلية التحكم العسكرية والسياسية ، القائمة على إضعاف جميع القوى من أجل ارتهانها له ، لإعادة تشكيل الواقع اللبناني، وفق ما تمليه مصالح النظام السوري، أذعنت القوى السياسية اللبنانية للأمر الواقع وفق نظام من المحاصة الطائفية. بدأت مرحلة أخرى مع الاحتلال الإسرائيلي، وصعود المقاومة ، لقد تعزز الدور السوري في لبنان، من خلال حزب الله الذي أصبح ورقة ضغط بيد النظام السوري، ضد الخارج، لم يهتم حزب الله أثناء الوجود السوري في لبنان في لعب دور في السلطة ، فالسياسة اللبنانية كانت تسير وفق مصالحه، بما يضمن أهمية وجوده ونفوذه العسكري ، و دعم بناء قواه الذاتية وضمان الدعم والمساعدة المستمرة. برزت قوة أخرى ، ممثلة بشخص الحريري وتيار المستقبل الذي برز كقوة اقتصادية واجتماعية بدعم وتحالف مع الرأسمال العربي خاصة السعودي، والرأسمال الغربي ، استطاع إشراك قوى اقتصادية ليبرالية لبنانية من مختلف الطوائف "لاحظ أن الحريري اصبح قاعدة لدعم فرنسا التي كانت تلعب سابقاً على الوتر الطائفي المسيحي"، استطاع الوصول للسلطة السياسية ، تضاربت هيمنته الاقتصادية والسياسية ، مع مصالح النظام السوري ، ومع مصالح قطاع الدولة، ممثلة بالرئيس، ومع حزب الله، بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000.
بعد انسحاب الجيش السوري تحول حزب الله إلى ورقة ضغط داخلية في ميزان القوى السياسية اللبنانية، وبرز كلاعب سياسي على السلطة للحفاظ على دوره.
في الفترة التي أعقبت الانسحاب السوري، موقف الدفاع عن النفس كان السمة الأساسية للنظام السوري وحلفاؤه في لبنان، بسبب المد الشعبي المعادي للنظام السوري ، والضغط الدولي، تجلى ذلك أثناء الانتخابات، حتى اضطر حلفاء سوريا للانضمام إلى أحد الفريقين المتنافسين ، ميشيل عون كان أعطى جزءاً من قوته الشعبية لبعض أطراف هذه القوى، التي جهدت لإظهار استقلالها عن موقف النظام السوري ، حزب الله سعى إلى استمالة القوى الأساسية في البلد المؤهلة لكسب معركة الانتخابات، لابد من الإشارة في هذا السياق إن قضية الدفاع عن المقاومة شكلت عنواناً أساسياً لتحالف حزب الله مع قوى 14 آذار، في مرحلة كان لسان حال النظام السوري يقول، بأن سلاح حزب الله مسألة لبنانية بحتة، وأتت نتائج الانتخابات وفق مصالح المعارضة للنظام السوري، وحزب الله وأمل، ثم جاء البيان الوزاري معبراً عن توافق هذه القوى.
قضية التحقيق الدولي، شكلت عنصراً هاماً مؤثراً ، في توجيه سياسية القوى اللبنانية، بعد إثارة الشكوك حول دور النظام السوري، واعتقال الضباط اللبنانيين الأربعة، مما أضعف موقع الرئاسة اللبنانية ، وأثار الرعب في أوساط حلفاء النظام السوري، فسارت هذه القوى على مبدأ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، وتم عرقلة أعمال الحكومة الاقتصادية والأمنية، واستمر التصعيد وردود الأفعال المتبادلة، في أكثر من مناسبة تحت ذرائع مختلفة.
جاء الحوار الوطني ، أحد المخارج من الأزمة القائمة، كل العناوين الأساسية التي طرحت فيه ، كانت سوريا طرفاً مباشراً أو غير مباشر فيها، حيث تم الاتفاق على بعض القضايا مثل : ترسيم الحدود مع سوريا والتمثيل الديبلوماسي ، لبنانية مزارع شبعا، وتنظيم السلاح الفلسطيني، جاءت الاتفاقات بصيغة لا غالب ولا مغلوب، وضعت حداً للجدل والخلافات وردود الأفعال. لكن لم يطبق منها شيء ، والسبب الرئيس إن سوريا طرفاً معنياً ، و غير مشارك بشكل مباشر في الحوار ، وليس من السهل فرض قرار عليها إضافة إلى أن النظام السوري لديه من الأسباب مايبرر رفضه التعاون مع الحكومة اللبنانية، مع ما يشكله هذا الموقف من إحراج لحلفاء النظام السوري في الحكومة .
أما عقد بنود الحوار الأكثر إثارة للخلاف كانت ومازالت سلاح المقاومة، ورئاسة الجمهورية، لتأثيرهما الكبير على موازين القوى الداخلية اللبنانية ، والإقليمية .

اتفق الفرقاء اللبنانيين، على أهمية دور المقاومة حتى تحرير كامل الأراضي اللبنانية، ولكن اختلفوا في حينها على قضية احتكار المقاومة بحزب الله، إن امتلاك الكم الهائل من السلاح، يزيد نفوذ حزب الله ويعطيه حجماً أكبر بكثير من حجمه التمثيلي في البرلمان، ويشكل قوة ضغط، كبيرة، مهددة، لدرجة يبدو أنه دولة في قلب دولة، في المقابل يعتقد حزب الله، أنه الممثل الرئيس للطائفة الشيعية وهي لم تمثل تمثيلاً، صحيحاً، وفق التوزيع الطائفي القائم وطالب بإعادة التقسيم على مبدأ المثالثة، هذا الطرح يتعارض مع التوزيع الطائفي القائم وينقض اتفاق الطائف، وهو يعارض المسيحيين أولاً، ويكرس الانقسام في الصف الإسلامي بين شيعة وسنة، الحوار لم يكن سوى وسيلة إقناع الأطراف الأخرى بأهمية سلاح المقاومة، وليس العكس.
سلاح المقاومة ودوره والخلاف حوله ، كان أحد الأسباب الأساسية التي دفعت حزب الله ، لجر إسرائيل إلى حرب تموز السنة الفائتة، لوضع حد للجدل حول أهمية ودور سلاح المقاومة ، حيث أظهرت الحرب في أحد جوانبها فشل الدولة اللبنانية ممثلة بالجيش اللبناني عن القيام بمهمة الدفاع بدون المقاومة، وفي حال احتلت إسرائيل، جزءاً جديداً من الأراضي اللبنانية، سوف يعطي مبرراً لاستمرار وجود المقاومة، من جهة أخرى لعبت الحرب دوراً في إضعاف حزب الله على الصعيد المادي الذي يمكن تعويضه طالما المساعدات تأتي من الخارج، جاء القرار 1701 ليقلص دور حزب الله ، عبر إبعاده عن نقاط الاحتكاك والتحرش مع إسرائيل، هذا الوضع الجديد الذي خلفته الحرب ، وضعت حزب الله أمام خيار آخر، من أجل توسيع وتقوية نفوذه السياسي و حلفائه في الحكومة والسلطة، من أجل منع ولجم السلطة من اتخاذ قرارات إضافية تضعف المقاومة ودورها، جاءت خطوة حزب الله وأمل في قرار الانسحاب من الحكومة، وتعطيل أعمال المجلس التشريعي من خلال رئيسه، وبدأت المطالبة بتشكيل حكومة جديدة على أسس جديدة، لتغيير الموازين القائمة في السلطة ، وقطع الطريق على الأكثرية في المضي قدما بتحقيق مشروعها السياسي والاقتصادي بما يمنحها من قوة ويساهم في إضعاف المعارضة. فأصبح على أرض الواقع أزمة حكومة ، إلى جانب أزمة الرئاسة القائمة. وبرز الترابط بين الأزمتين في عملية الصراع السياسي الدائرة، والخيارات صعبة أمام أغلبية السلطة، إما تشكيل حكومة وفق شروط المعارضة، بما تحمله من تهديد على نقض أي قرار لا توافق عليه المعارضة، وإمكانية إسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، ناهيك عن دور مؤثر للحكومة المفترضة، في مرحلة الاستحقاق الرئاسي من أجل مكاسب على صعيد الرئاسة، وإما التوافق على رئيس وفق مشيئة المعارضة، مقابل تنازلات من المعارضة للسلطة، بشأن التشكيل الحكومي، ويبدو هذا الحل أقل خسارة بالنسبة لقوى السلطة، مع ما يحمله من متاعب في الحكم، وازدواجية السلطة بين الرئيس والحكومة.
تبدو هذه الأيام صورة الشلل في مفاصل الدولة، المجتمع اللبناني يسير على كف عفريت في ظل مخاوف من ازدياد الأزمة ، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وإن كانت الأحداث التي تجري في لبنان، من تفجيرات متنقلة، واغتيالات، إضافة إلى أحداث نهر البارد، ساهمت في التغطية على تقصير وضعف أداء الحكومة، في نفس الوقت لجمت جماح المعارضة. لكن في كل الحالات يبرز عجز السلطة في المضي قدماً وفق منطق الأغلبية والشرعية، نتيجة البناء الطائفي لهرم السلطة الثلاث، والعرف التوافقي الذي تحول إلى حق. " هنا لا بد من الإشارة إلى أن التوافق القائم في السلطة اللبنانية يختلف عن التوافق الذي يقوم في دول عريقة الديمقراطية حيث يكون قصد حزب الأغلبية، إعطاء حصص في السلطة للمعارضة أو أطراف منها، وبمبادرة منه، للتخفيف من حدة المعارضة ويكون التنازل من خلال مشروع أو برنامج الحكومة، أما في لبنان يأخذ طابع الحق وفق شروط لإضعاف السلطة و يأتي بمبادرة من المعارضة، تكون نتيجته عرقلة دائمة وصراع القوى والمصالح تبدو قوية في هرم السلطة.
مضى الوقت واقترب أجل الاستحقاق الرئاسي، فشل الحوار الداخلي وفشلت المساعي العربية في التوصل إلى نتيجة ترضي الأطراف المختلفة، وبدأت المساعي الخارجية ، عبر المبادرة الفرنسية، رشح من المبادرة الفرنسية، السعي لحل الأزمة من زاوية الرئاسة، ودعمها للتوافق حول عون، بما يخالف رأي قوى السلطة التي تجد أن من حقها الاختيار أو التوافق على رئيس لا يشكل عقبة في مسيرتها، يوافقها الرأي أطراف دولية مثل أمريكا، من معركة الرئاسة هذه، دخل التنافس بين القوى المسيحية مرحلة جديدة مع ترشيح أمين الجميل نفسه ، وترشيح عون أحد أنصاره منافساً له في المتن، وإن بدت منافسة تبررها الديمقراطية، لكن وجه عون من خلالها رسالة تحدي للزعيم الجميل في أن يظهر حجمه ضئيلاً، يساوي أو أقل أو أكثر بقليل من حجم شخص درجة ثانية من تيار عون، وما التسوية التي طلبها عون سوى الاعتراف بأحقيته في الرئاسة من قبل أقطاب السلطة.
هنا تبرز أحد الحقائق، إن التناقض والتنافس الانتخابي وفقاً لتوزيع الحصص الطائفي ، تكون كبيرة بشكل أساسي داخل الطائفة نفسها، وهذا يساهم بتكريس الطائفية السياسية حتى لو كانت تعبر عن رؤى و شخصيات غير طائفية. هناك شرخ وتنافس بين عون وبين القوى المسيحية الممثلة في 14 آذار، على أساس تقوية النفوذ المسيحي واستقلاله ، بما يعارض طرح عون العلماني، في سبيل نزع الهيمنة التي يراها في تيار المستقبل، سبيله إلى ذلك مؤسسة الرئاسة والجيش، تراجعت شعبية عون لسبب أساسي يعود إلى إن مواقفه أخذت تنحدر باتجاه النظام السوري وحزب الله ، بعكس المزاج المسيحي الشعبي.
في المقابل الشلل الاقتصادي، وبطأ التحقيق الدولي، والوضع الأمني المتردي ساهمت في إضعاف قوى السلطة المختلفة، حيث الشعب اللبناني أصبح أبعد عن القوى المتنافسة سواء في السلطة أو في المعارضة ، لكن الطائفية مازالت تلعب دوراً مركزياً في عملية الاستقطاب، خاصة في ظروف الأزمات القائمة، حيث لا وجود للرقابة وضعف العمل المؤسساتي المدني والخوف الذي يلف المجتمع اللبناني. كل توافق جديد وحل للمشكلة لن يكون إلا عملية تجميل، الأزمة مستمرة والحل لا يكون إلا بتعديل الدستور وبناء دولة تلغي الطائفية السياسية بجميع أشكالها

 

 

 
   

 الموقع الفرعي  سجر حويجة

 
 

اشترك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1