حول أحزاب الطليعة

 

ارنست ماندل

الحوار المفتوح العدد 60: 5\4\2007

 

يقتضي تناول مسألة الأحزاب، بناء حزب سياسي وضرورة حزب ثوري طليعي، الانطلاق من خصوصيات الثورة الاشتراكية (أو إذا لم تكونوا تحبون كلمة "ثورة"، لنقل تحويل اشتراكي للمجتمع البرجوازي). إن الثورة الاشتراكية أول ثورة في تاريخ الإنسانية تسعى الى اعادة تشكيل المجتمع بكيفية واعية، بناء على مشروع معد مسبقا. ولا يدقق هذا المشروع كل التفاصيل لارتباطها بظروف المجتمع الملموسة وبنيته التحتية المادية المتغيرة.

لكن الأمر يقتضي بالأقل مشروعا حول نوع المجتمع اللاطبقي المطلوب ، وكيفية بلوغه. كما أنها أول ثورة في التاريخ بحاجة الى مستوى عال من النشاط والتنظيم الذاتي للسكان الكادحين برمتهم، أي السواد الاعظم من رجال المجتمع ونسائه. إنه من هاتين الخاصيتين الأساسيتين والرئيسيتين للثورة الاشتراكية بوسعنا ان نستخلص على الفور جملة استنتاجات.

لا يمكن أن تكون ثمة ثورة اشتراكية عفوية. لا يمكن القيام بثورة اشتراكية دون سعي حقيقي للقيام بها. ويستحيل تحقيق ثورة اشتراكية موجهة من فوق، من قبل قائد ما أو مجموعة قادة عالمة بكل شيء. ثمة حاجة إلى مقومين اثنين للثورة الاشتراكية: أعلى مستوى وعي ممكن، وارفع مستوى تنظيم ونشاط ذاتيين لدى أوسع قطاعات السكان. تترتب كل مشاكل العلاقات بين منظمة طليعية والجماهير عن هذا التناقض الأساسي.

 

إذا عاينا العالم كما هو فعلا، اي التطور الفعلي للمجتمع البرجوازي خلال 150 سنة الأخيرة (تقريبا منذ نشاة الحركة العمالية الحديثة)، نلاحظ باستمرار ذلك التناقض. إنه يساعدنا على تجاوز نقاش أساسي قديم بصدد الطبقة العاملة والحركة العمالية ومعرفة من المحق اليوم. هل تمثل الطبقة العاملة أداة للتغيير الاجتماعي الثوري؟ هل الطبقة العاملة مندمجة بالمجتمع البرجوازي؟ ماذا كان دورها الحقيقي خلال 150 سنة الأخيرة؟ ما ذا تبين لنا هكذا حصيلة تاريخية بصدد تلك الأسئلة؟

مؤدى الخلاصة الوحيدة الممكن استنتاجها من الأحداث التاريخية الواقعية أن الوعي النقابي، "التريديونيوني" (كما سماه لينين)، هو المهيمن بوجه عام في الحياة اليومية للطبقة العاملة، في الحياة اليومية. وقد اسميه "الوعي الأولي الطبقي للطبقة العاملة". لا يقود ذلك الوعي إلى تمرد دائم ويومي ضد الرأسمالية، ولكنه، كما اوضح ماركس مرارا، أساسي وضروري قطعا لإمكانية حدوث تمرد العمال ضد الرأسمالية. إذا لم يناضل العمال من أجل أجور أفضل، وإذا لم يناضلوا لخفض ساعات العمل، وإذا لم يناضلوا، واقولها بتعبير مستفز، لإيجاد حلول اقتصادية يومية، فانهم سيصبحون عبيدا فاقدي العزيمة. وان يتأتى أبدا لعبيد قانطين القيام بثورة اشتراكية ، ولا حتى كسب التضامن الطبقي الأولي. يتعين عليهم إذا النضال من أجل مطالب مباشرة. لكن النضال من أجل تلك المطالب المباشرة لن يقودهم آليا أو عفويا إلى وضع وجود المجتمع البرجوازي نفسه موضع اتهام.

 

بالعكس، يعلمنا التاريخ أيضا أن العمال يتمردون فعلا بشكل دوري على المجتمع البرجوازي، ليس بمئة أو 500 مئة أو ألف شخص، لكن بالملايين. إن تاريخ القرن العشرين تاريخ الثورات الاجتماعية. وعلى كل من ينفي ذلك أن يعيد قراءة كتبه حول التاريخ. بالكاد مرت سنة واحدة منذ 1917، وإلى حد ما منذ 1905، دون اندلاع ثورة في مكان ما بالعالم شارك فيها العمال بشكل هام الى هذا الحد أو ذاك.

 

صحيح أنهم لم يشكلوا دوما معظم مناضلي الثورة. لكن ذلك لن يستمر مستقبلا لأن طبقة العمال باتت تشكل أغلبية المجتمع عمليا في كل البلدان الهامة بالعالم. إن واقع تمرد العمال دوريا على المجتمع البرجوازي واقع تشهد عليه إحصائيات عشرين سنة الأخيرة بأوربا. تحدى العمال للرأسمالية في سنوات 1960-1961 ببلجيكا، وفي العام 1968 بفرنسا، وفي سنوات 1968-69 بإيطاليا، وفي سنوات 1974-75 بالبرتغال وجزئيا بإسبانيا سنوات 1975-76. يعطي هذا صورة مختلفة تماما عن صورة طبقة سلبية بشكل دائم ،و مندمجة و"متبرجزة". وقد شارك بفعالية في تلك النضالات ما يفوق 45 مليون عامل.

الخلاصة الممكن استنتاجها من تلك الخصوصيات مفادها أن ثمة تطور متفاوت للنشاط الطبقي وتطور متفاوت للوعي الطبقي في صفوف البروليتاريا. لا يناضل العمال يوميا، ولا يمكنهم فعل ذلك بسبب مكانتهم في سير الاقتصاد الرأسمالي. إن استحالة بقائهم على قيد الحياة دون بيع قوة عملهم تجعل ذلك مستحيلا. قد يتضورون جوعا بسرعة إذا ما تمردوا يوميا. ولا يسعهم بالطبع القيام بالثورة كل يوم أو كل سنة أو حتى كل خمس سنوات، وذلك بفعل أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية لا يتسع الوقت لتفسيرها بإسهاب. ثمة إذا تطور دوري للكفاحية والنشاط الطبقي يحدده جزئيا منطق داخلي. إذا جرى نضال طيلة سنوات عديدة وافضى الى هزائم فادحة، فلن يمكن معاودة النضال بنفس المستوى أو مستوى ارقى بعد الهزيمة. لا بد من وقت لاسترجاع القوى، 10 سنوات أو 15 سنة أو حتى 20 سنة.

 

والعكس صحيح أيضا لحسن الحظ. إذا جرى نضال طيلة سنوات عديدة وتحققت انتصارات، ولو متوسطة، تُكتسب قوة الاندفاع الضرورية للنضال على نطاق أوسع وعلى مستوى ارفع فيما بعد. ثمة إذا حركة دورية في تاريخ صراع الطبقات العالمي بوسعنا زيادة وصفه بتفصيل.

 

إن تطور الكفاحية الطبقية المتفاوت وثيق التركيب مع التطور المتفاوت للوعي الطبقي، لكن هذا الأخير ليس حتما نتيجة آلية للأول. قد يكون ثمة مستوى عال من النشاط الطبقي مع مستوى أدنى نسبيا من الوعي الطبقي. والعكس أيضا ممكن. قد تكون ثمة مستويات وعي طبقي أعلى نسبيا مع مستوى متدن من الكفاحية الطبقية. أتحدث طبعا عن الوعي الطبقي لجماهير واسعة، أي ملايين الاشخاص وليس الوعي الطبقي لفئات طليعية صغيرة.

 

بالوسع،على قاعدة تلك التمييزات المفاهيمية الأولية، الاستنتاج على نحو آلي ضرورة تشكيلة طليعية. لا غنى عن منظمة طليعية من أجل تخطي الهوة الناتجة عن التطور المتفاوت بين الكفاحية والوعي الطبقيين. لو كان العمال دوما في أعلى درجات الكفاحية والوعي الطبقيين لما كانت ثمة حاجة الى منظمة طليعية. لكنهم لسوء الحظ ليسوا كذلك ولا يمكنهم أن يكونوا كذلك كل لحظة في ظل الرأسمالية. من الضروري إذا أن تجسد مجموعة أفراد على نحو دائم مستوى عاليا من الكفاحية والنشاط والوعي الطبقيين.

 

بعد كل موجة نضال ووعي طبقي صاعدة، لما يحدث تقلب ويشهد نشاط الجماهير الحقيقي انحدارا، يعود الوعي إلى مستوى متدن والنشاط إلى درجة الصفر تقريبا. إن أول وظائف منظمة طليعية ثورية يجب أن تكون الحفاظ على استمرار النضال من وجهة نظر فكرية وبرنامجية، وعلى المكاسب السياسية والتنظيمية للطور السابق الصاعد المطبوع بنشاط ووعي طبقيين عماليين عاليين. تصبح تلك المنظمة عندئذ بمثابة الذاكرة الدائمة للطبقة وللحركة العمالية، ذاكرة مدونة، على نحو أو آخر، في برنامج يتيح تثقيف الجيل الجديد كي لا يعيد البداية من الصفر.

 

قوام تلك الوظيفة الأولى ضمان الوصل بالدروس المستخلصة من التجربة التاريخية المتراكمة، و ليس البرنامج الاشتراكي غير ذلك: مجموع الدروس المستخلصة من كل تجارب الصراعات الطبقية، والثورات والثورات المضادة خلال 150 سنة الأخيرة. إن قلة صغيرة جدا من الأشخاص قادرة على بلورة ذلك، وما من أحد مطلقا بوسعه ذلك منفردا. لا غنى إذا عن منظمة وطنية و أممية على السواء (بفعل الطبيعة العالمية لتلك التجارب) قادرة باستمرار على تقييم مجمل تجارب صراع الطبقات والثورات التاريخية والراهنة، وإغنائه بدروس جديدة مستنتجة من ثورات جديدة، وتكييفه أكثر فأكثر مع الحاجات الراهنة لصراع الطبقات وللثورات.

 

ينطوي هذا على بعد ثان. انه البعد التنظيمي، الذي ليس في الحقيقة تنظيميا وحسب، بل وسياسيا أيضا في الواقع. إننا هنا إزاء مسألة المركزة الشهيرة. يؤيد الماركسيون الثوريون المركزية الديموقراطية. لكن يجب ألا تؤخذ كلمة "المركزة" بالمقام الاول في بعدها التنظيمي ، وبالاحرى، و مهما قيل، بمعنى "إداري". لأن الامر مسألة سياسية قبل كل شيء. ماذا تعني "المركزية"؟ انها تعني مركزة التجارب ومركزة المعارف ومركزة الخلاصات المستنتجة من الكفاحية الفعلية. يكمن هنا من جديد خطر جسيم يهدد البروليتاريا والحركة العمالية ما لم يكن ثمة مركزة للتجارب: إنه خطر "القطاعية" و"التجزيء"، الذي لا يتيح لأي كان استخلاص النتائج الملائمة للممارسة.

 

إذا لم تنخرط مناضلات نساء سوى في نضالات نسائية، وإذا ل لم ينخرط مناضلون شباب سوى في نضالات شبابية، وإذا لم ينخرط طلبة سوى في نضالات طلابية، وإذا لم ينخرط عمال مهاجرون سوى في نضالات عمال مهاجرين، وإذا لم تنخرط قوميات مضطهَدة سوى في نضالات قوميات مضطهَدة، وإذا لم ينخرط مناضلون سياسيون سوى في الحملات الانتخابية أو في نشر الجرائد، وإذا اشتغل كل واحد منهم بمعزل عن الآخر، فإنهم سيناضلون فقط على قاعدة تجربتهم المحدودة والمجزأة ولن يتمكنوا بالتالي من استنتاج خلاصات صحيحة سوى من تجربتهم الخاصة. لن تؤدي هكذا تجربة نضال مجزأة سوى الى وعي جزئي لأنهم لا يرون سوى جزء من الصورة بأكملها. ويتعذر عليهم بوجه عام عموما امتلاك رؤية صائبة للواقع الكلي لأنهم يرون قسما مجزأ من ذلك الواقع فقط.

 

والأمر ذاته صحيح طبعا من وجهة نظر أممية. إذا جرى التركيز على أوربا الشرقية وحدها، ستنتج عنه رؤية جزئية لواقع العالم. إذا جرى التركيز على البلدان المتخلفة وشبه الاستعمارية والتابعة وغض الطرف عن غيرها، ستنتج عنه رؤية جزئية لواقع العالم، إذا جرى التركيز على البلدان الإمبريالية دون غيرها، ستنتج عنه رؤية مجزأة لواقع العالم. وحده تجميع تجربة نضالات الجماهير الملموسة في قطاعات العالم الثلاثة (المسماة أيضا القطاعات الثلاثة للثورة العالمية)، يتيح امتلاك رؤية عامة لواقع العالم.

هنا تكمن اكبر مزايا الأممية الرابعة، لأنها منظمة أممية لها رفاق يناضلون على نحو ملموس، وليس في التحليل النظري وحده، في قطاعات العالم الثلاثة. لا تنجم تلك الميزة عن ذكاء خارق لدى قادة الأممية الرابعة، انها مجرد نتيجة تلك المركزة الاولية لتجارب نضال ملموسة على نطاق كلي، مصحوبة ببرنامج تاريخي صحيح.

بذلك يتعلق الأمر مع المركزة. وتعني المركزة أن يجتمع المناضلون الجيدون، لا أقول ألافضل لأن في الأمر مبالغة، في النقابات والمناضلون الجيدون ضمن العمال والعاطلين، وضمن النساء والشباب والطلاب، ومناهضو الإمبريالية، أي المناضلون الجيدون في كل قطاعات العالم الثلاث من أجل مركزة تجاربهم، ومقارنة دروس نضالاتهم على نطاق وطني وعالمي. يتيح ذلك استنتاج خلاصات وتفحص وإعادة تفحص نقديتين لكل مرحلة من مراحل البرنامج والخط السياسي على ضوء الدروس الممكن استخلاصها من تلك التجارب بقصد امتلاك رؤية إجمالية للمجتمع والعالم وديناميته وتطلعاتنا الاشتراكية وسبل بلوغها. هذا ما نسميه برنامجا صائبا واستراتيجية وتكتيكا صحيحين. وهذا ما يتعذر على جماهير العمال برمتها ان تحققه، بفعل التطور المتفاوت للوعي الطبقي ومستويات النشاط الطبقي المتفاوتة والمتقطعة. و اعتقاد عكس ذلك يوطوبيا ليس إلا.

 

ليست هذه النتيجة بمتناول سوى الاشخاص الانشط على نحو اكثر دواما واستمرارا. فمن لديهم تلك الخاصية يواصلون النضال حتى عندما اكف الجماهير دوريا عن النضال، ويواصلون تطوير وعيهم الطبقي، وبلورة سياسات ونظريات، ويحاولون دوما التدخل في المجتمع. إن كل من يعارض هذا الحق يعارض أكثر حقوق الإنسانية أولية. تنطوي هذه «الاهلية»، رغم طابعها المحدود، على جملة مزايا ملموسة وعملية يستند عليها تبرير منظمة طليعية.

 

وكما اسلفت القول، ثمة تناقض فعلي بين منظمة الطليعة والجماهير. ثمة توتر ديالكتيكي حقيقي – ان جاز التعبير- يتعين علينا الإجابة عليه. أولا وقبل كل شيءاستعمل تعبير «منظمات طليعية»، وليس «أحزابا طليعية». يتعلق الأمر بفرق مفاهيمي أود الإلحاح عليه. لا اومن بالأحزاب التي تعلن نفسها طليعية. لا أومن بـ 50 شخصا أو 100 يضربون على صدورهم صائحين: «نحن حزب الطليعة!». لا شك أنهم كذلك في أذهانهم، لكن إذا كانت بقية المجتمع غير مكترثة بهم، فبوسعهم مواصلة الصياح في الشارع على ذلك النحو امدا طويلا دون الحصول على أدنى نتيجة في الحياة العملية أو أسوأ من ذلك أيضا، سيسعون لفرض اقتناعاتهم على الجماهير بواسطة العنف. إن منظمة طليعية كائن دائم. والحزب الطليعي يجب بناؤه عبر سيرورة طويلة. وتتمثل إحدى خصائص وجوده في وجوب نيل الحزب الاعتراف به بما هو طليعة بالأقل من أقلية أساسية من الطبقة ذاتها. لا يمكن أن يكون حزبا طليعيا إذا لم يكن له أنصار في الطبقة.

 

تتحول منظمة طليعية إلى حزب عندما تعترف بها أقلية أساسية من الطبقة، من العمال والشبيبة الثورية والنساء الثوريات، الخ، بما هي حزبها الطليعي (اي أن يتبعوه في ممارسته). أن تمثل تلك الاقلية نسبة 10 أو 15 في المئة أمر عديم الاهمية، لكن يجب أن تكون قطاعا فعليا من المجتمع. ان كان الامر مغايرا، يتعذر وجود حزب حقيقي، وليس ذلك سوى بذرة لحزب في المستقبل. أما مصير تلك البذرة، فبوسع التاريخ وحده ايضاحه. يبقى سؤال مفتوحا، لم يجب التاريخ عنه بعد. هل لا غنى عن وجود نضال دائم من أجل تحويل هذه المنظمة الطليعية إلى حزب ثوري طليعي حقيقي، منغرس في الطبقة، و حاضر في نضالات الطبقة العاملة، ومقبول كطليعة بالأقل من قبل قسم حقيق من الطبقة؟

 

يجب ان نعتمد هنا مفهوما جديدا. قلنا سابقا إن الطبقة ليست دائمة النشاط ، وأنها لا تبقى في مستوى وعي طبقي عال بشكل دائم. وهنا يجب ادخال تمييز. جماهير الطبقة غير متجانسة، ليس لأن ثمة أفرادا ينتمون لمجموعات سياسية مختلفة، ذات مستويات وعي متباينة، تحت تأثير إيديولوجيات برجوازية مختلفة وحسب، بل لأن ثمة أيضا تمايز يجري داخل بنيتها الجماهيرية. ثمة سيرورة تمايز اجتماعي وسياسي تحدث بشكل دائم وسط الطبقة الحقيقية. وثمة فرز جماهير- طليعة تجري داخل الطبقة العاملة خلال بعض المراحل. لقد كتب لينين الكثير حول هذا الموضوع، كما تروتسكي وروزا لوكسمبورغ. إن بوسع من يطمحون الى بناء منظمة ثورية بنشاط، وأنا منهم، تقديم أسماء وعناوين وأرقام هواتف هؤلاء العمال الطليعيين في بلدهم الخاص. لا يتعلق الأمر مسالة ملغزة. إنه مشكل عملي. من هم هؤلاء العمال الطليعيين ببلجيكا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال واسبانيا وألمانيا الغربية؟ انهم من يقود الإضرابات وينظم المعارضة المناضلة في النقابات، ويعد النضالات الجماهيرية، ويتمايز عن الجهاز البيروقراطي التقليدي.

إن التمايز اجتماعي بقدر ما هو سياسي، رغم إمكان مناقشة الوزن المضبوط لكل عنصر والتبدلات الطارئة حسب الاوضاع. لكن ثمة شرائح strate جقيقية. ويتفاوت حجم تلك الشرائح تبعا لمختلف المراحل. كان ما عرف في المانيا باسم « Obleute Revolutionnaire »، في النقابات والمقاولات الكبرى ببرلين التي كانت تقود ثورة نونبر 1918 وأسست الحزب الاشتراكي المستقل و اتحدت لاحقا مع الحزب الشيوعي في مؤتمر التوحيد في هال Halle ، شريحة ملموسة من المجتمع الألماني، لا في برلين وحسب، بل أيضا بمناطق صناعية أخرى بالبلد. كان الجميع يعرفهم، لم يكونوا كمية مجهولة. كانوا مئات الآف الأشخاص. وإذا عاينا طليعة الطبقة العاملة بعد 15 سنة من ذلك، حوالي 1930-1933، نرى تقلص تلك الشريحة عدديا بشكل بالغ لكنها كانت ما تزال قائمة.

ونلاحظ الشيء ذاته إذا درسنا روسيا. ففي 1905، كان الجميع يعرفون أولئك الأشخاص. فهم من كان يشن الإضرابات والنضالات الطبقية ضد القيصر. لم يكن معظمهما ينتمي للاشتراكية الديموقراطية ما قبل عام 1905، واقتربوا منها خلال ثورة 1905-1906 لينفصلوا عنها جزئيا (عن البلاشفة والمناشفة على حد سواء) خلال مرحلة الردة. ومارسوا من جديد السياسة وشهدوا نموا عدديا في عام 1912 ومع بداية ثورة فبراير 1917. و استقطب الحزب البلشفي معظمهم في أبريل 1917 بعد تبنيه الخط الواضح، خط «كل السلطات لمجالس العمال»، أي خط ديكتاتورية البروليتاريا.

قد نناقش ما إن كان البلاشفة قد تحولوا إلى حزب طليعي، بمعنى الكلمة الحقيقي، في 1912-1913 أو فقط عام 1917. أعتقد شخصيا أن ذلك تم في 1912-1913 إذ يصعب عليهم للغاية ان ينموا بتلك السرعة في ربيع العام 1917. لكن الأمر لا يتعلق سوى بمسألة تحليل تاريخي. إن الفكرة الحقيقية المطلوب استيعابها هي الانصهار في الحياة الفعلية بين تلك الفئة الطليعية من الطبقة العاملة، أي القادة الحقيقيين للعمال على صعيد المقاولات والأحياء ونضالات النساء والشباب الخ، وبين المنظمة الطليعية السياسية. عندما تم الانصهار، بالأقل جزئيا، كان ثمة حزب طليعي حقيقي، معترف له بتلك الصفة من قبل اقلية دالة من الطبقة. ومن المحتمل إذا ألا يصبح أغلبية سوى خلال الأزمة الثورية ذاتها، بشرط اتباعه خطا سياسيا سليما. اذا لم يحدث انصهار، فثمة بذرة حزب طليعي في المستقبل فقط، أي منظمة طليعية تمثل شرطا مسبقا لهكذا انصهار في مرحلة قادمة.

 

يقودنا هذا إلى بعد ثالث: تنظيم الطبقة. يمر هذا التنظيم عبر أشكال متباينة خلال لحظات مختلفة من الصراع الطبقي. إن المنظمات الأكثر أولية هي النقابات. ثم ثمة مختلف الأحزاب السياسية بمستويات وعي متباينة، الأحزاب العمالية البرجوازية، والمستقلة، وألاحزاب العمالية الثورية. إنما في سياق أزمة ثورية يبلغ التنظيم ارقى مستوياته، مستوى التنظيم السوفياتي ( المجالسي)، لجان العمال ولجان المواطنين، ولنسميها كما نشاء، اللجان الشعبية. لماذا تُعتبر أرقى اشكال التنظيم؟ لأنها تضم سواد العمال الأعظم الذين لا ينخرطون بوجه عام، وخارج مراحل ثورية، لا في الأحزاب ولا النقابات. تمثل المنظمات المتحدرة مباشرة من الطبقة ذاتها، على غرار لجن العمال، الشكل الارقى ليس لأني أفضلها نظريا أو إيديولوجيا أو عاطفيا – رغم أن هذا قائم- بل لسبب موضوعي وبسيط للغاية: إنها من ينظم نسبة عمال وجماهير مستغَلة أعلى بكثير. في ظروف عادية حيث لا تعرقلها الأجهزة اليبروقراطية، عليها تنظيم 90% الى 95% من الجماهير المستغَلة، وذاك ما لا يتحقق أبدا في نقابة أو في حزب سياسي. هذا ما بجعلها تمثل الشكل الارقى للتنظيم الذاتي.

 

ليس ثمة باي وجه تناقض بين منظمات المناضلين الثوريين الطليعيين المنفصلة ومشاركة هؤلاء في المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة. بالعكس، يثبت التاريخ عموما أن الامر البناء أكثر، ايا كان مستوى تنظيم المنظمات الطليعية ووعيها، يتمثل في العمل داخل المنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة. يعني ذلك وجوب تفادي الانحرافات النظرية للعصبوية، ووجوب احترام ديموقراطية العمال، الديموقراطية الاشتراكية، وديموقراطية السوفييتات أو لجان العمال، واللجان الشعبية، وذلك على نحو صارم وبدقة متناهية. بعد قول هذا، ليس ثمة إذن أي تناقض. ومن جديد، يتمثل الحق الوحيد الممكن ممارسته في النقابات، وفي الأحزاب الجماهيرية، وفي المجالس العمالية، في حق أن يكون المناضل هو الأكثر التزاما والاشد فعالية والاعظم شجاعة والأنفذ بصيرة والاشد حماسا لبناء النقابات والأحزاب الجماهيرية والسوفييتات، وأن يكون مدافعا عن مصالح الطبقة العاملة، لا يمنح مع ذلك نفسه امتيازا ما إزاء العمال الآخرين، باستثناء حق السعي لإقناعهم.

 

إن موقفنا المؤيد الديموقراطية داخل الطبقة العاملة، وللديموقراطية الاشتراكية، وللتعددية الاشتراكية، يرتكز على الفهم البرنامجي لانعدام تناقضات بين مصالح الشيوعيين، والمناضلين الطليعيين، والطبقة العاملة والحركة العمالية برمتها. ليس ثمة أي ظرف نخضع فيه مصالح الطبقة لمصالح فئة مغلقة secte ما، أو جماعة أو منظمة منفصلة. لا نعتقد أن البرنامج الماركسي، الذي يجسد استمرار تجربة النضالات الطبقية والثورات الأصيلة خلال 150 سنة الأخيرة، كتاب مغلق. إن من يعتقد ذلك يعتبر المناضل الماركسي الثوري دمية متحركة تستظهر درسها عن ظهر قلب ولا تنتظر نتائج إلا بعد تدوين كافة المعطيات رموزا في كومبيوتر. الماركسية بنظرنا منفتحة دوما لأن ثمة باستمرار تجارب جديدة ووقائع جديدة، منها حتىا وقائع من الماضي، يجب دمجها في منظومة الاشتراكية العلمية. إن الماركسية منفتحة دوما، و نقدية دوما و اصيلة دوما.

 

ليس صدفة أن ماركس لما سئل «ما القول المأثور المفضل لديك؟»، أجاب:

، « De omnibus est dubitatum »، «يجب الشك في كل شيء». عموما ما يُعزى الموقف النقيض إلى ماركس ، صانعا بهذا النحو دينا بلا إله. إن ذهنية الشك في كل شيء، ووضع المرء نظرياته الخاصة موضع تساؤل نقيض كل دين أو عقيدة جامدة.

يرى الماركسيون أن لا وجود لحقيقة أزلية، وما من أحد بامكانه العلم بكل شيء. جاءت في مطلع المقطع الثاني من نشيدنا الأممي أقوال رائعة:

. لا وجود لمنقذ أسمى

. أو إله أو قيصر أو زعيم،

. أيها المنتجون لنحرر أنفسنا بأنفسنا

. ولنعلن الخلاص العام

جماهيرالمنتجين برمتها بوسعها، دون غيرها، تحقيق التحرر الذاتي. ليس ثمة إله أو قيصر أو زعيم (أو أمين عام أو لجنة مركزية الخ)، قد يحل محل الجهود المشتركة للطبقة. لذلك نسعى لبناء منظمات طليعية و منظمات جماهيرية في الآن ذاته.

لا يمكن خداع الطبقة العاملة أو اقتيادها إلى فعل ما لا تريد فعله. يجب إقناع الطبقة العاملة. يجب مساعدتها لتدرك جماعيا وجماهيريا ضرورة تغيير اجتماعي للمجتمع وثورة اشتراكية. تلك هي العلاقة الديالكتيكية بين الحزب الطليعي والمنظمة الجماهيرية الخاصة للطبقة العاملة. لذلك نعتبر التعددية الاشتراكية والنقاش، حتى إن اكتسى شكل التكتلات والمشاحنات السجالية غير المستحب ولا الملائم كثيرا، والذي يصدم كل مناضل جدي (لأنه في الغالب مضعية وقت)، ثمنا يجب دفعه للحفاظ على عملية النقد الذاتي هاته. وبالنظر الى ان الحقيقة المطلقة ليست بملك أحد، إذا جرى تفحص وإعادة النظر في كل وضع بشكل نقدي قياسا بتجارب جديدة لصراع الطبقات وثورات جديدة، فلا غنى عن النقد، ولا غنى عن مواجهة اقتراحات جديدة و وتنويعات جديدة. لا يتعلق الأمر بترف أو بشكل مجرد من ديموقراطية العمال. لا! إنه شرط مسبق أساسي على نحو مطلق للتمكن من انجاح ثورة ستقود إلى مجتمع بدون طبقات.

 

ليست الثورة هدفا بحد ذاتها. إن الثورة أداة، تماما كما الحزب. الهدف بناء مجتمع بلا طبقات. يجب أن نحرص على ان يتم كل ما نفعل، ولو في الامد القصير، مثل توجيه الجماهير في نضالاتها اليومية، على نحو لا يتعارض مع هدف الأمد البعيد، هدف تحررالطبقة العاملة الذاتي، وتحرر المستغَلين الذاتي، وبناء مجتمع بل