بعثيون وان لم ينتموا(5)

 

 

 

 

 

  

أبو الكيا البغدادي
buday60@yahoo.com

الحوار المفتوح العدد 189: 5\10\2007

 

 

لا يفترض في المستقلين أن لا تكون لهم أية خلفية فكرية أو انتماء عقائدي، بل على العكس إن هذه الخلفيات هي التي جعلت منهم مستقلون بمعنى رافضين للانتماء إلى البعث فكرا وممارسة، فالمنطلقات الفكرية للبعث لا تتمثل في نظرية أو رؤية للوجود أو عقيدة كونية أو بشرية، ولم تكن الأولى من نوعها فقد سبق الكثير ممن كتب عن الحركات القومية ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وشبلي العيسمي وأمين الحافظ وعبد الخالق السامرائي وصدام حسين، كما أن الحركات القومية في العالم بدأت منذ زمن بعيد وهي في عمومها نتاج عزلة فكرية وتاريخ مليء بالتناقضات القيمية.
ففكرة القومية بسيطة في تشكيلها الفلسفي والفكري تقوم على أساس الاعتزاز بالعرق ورفعة ليعلو على غيره من الأجناس البشرية ومحاولة البحث عن مسوغات طبيعية لهذا الاستعلاء في التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والحضارة لإقناع معتنقي العقيدة، ولا تملك الحركات القومية عادة تفسيرا لحركة الاقتصاد أو التاريخ أو الدين أو تحديد موقف من مسائل الوجود والعدم، بالتالي لا تمتلك من الناحية النظرية مفهوما للحكم والياته.
ومهما كانت الفكرة البعثية بسيطة وساذجة فان السلطة البعثية في واد والفكرة البعثية في واد آخر، لقد كانت الممارسات تتم من منطلقات شخصانية وعائلية ومناطقية وربما طائفية، بعيدة كل البعد عن البعد الأيديولوجي الذي اطر به منظرو البعث فكر حزبهم.الذي هو في أفضل الأحوال فكرا شوفينيا رجعيا متخلفا.
كان المستقلون كغيرهم من المثقفين الماركسيين والإسلاميين المتنورين أو التنويريين يسخرون من البعث الفكرة والتطبيق وتجلت هذه السخرية في كثير من اللقاءات الخاصة وعلى نطاق محدود جدا اللقاءات العامة قبل مجيء الرفيق صدام حسين أمين سر القيادة القطرية والقومية لاحقا بعد نفوق صنيعته محمد ميشيل عفلق.ولقد شهدت بنفسي سخرية الماركسيين من البعثيين في مقهى الشابندر في شارع المتنبي والتي كانت في وقت من الأوقات تعج بالمثقفين ورجال الأمن السري والبعثيين وغيرهم.وعندما انتبه صدام إلى الخواء الفكري للبعث قرر القيام بهذه المهمة بنفسه.لقد كانت عقدة الدونية inferiority complex تطارده في نواحيه الشخصية منذ بداياته الأولى، فكيف وقد وجدها تطارده في كيانه الثقافي والفكري.، وهذا ما دفع به إلى تجربة حظه في هذا المضمار الذي كان لابد هو الآخر أن يفشل به فشلا ذريعا.لقد بدا بإطلاق شعارات من قبيل من لا ينتج لا يأكل، وأضاعت دقيقة من العمل إضاعة فرصة من التقدم، ونضمن الشباب لنكسب المستقبل وغيرها الكثير، وبدون الحاجة إلى الكثير من التفاصيل، فان هذه الشعارات أثبتت فراغ الرجل الثقافي، بما فيها الشعار الأخير الذي يبدو منطقيا، لكن الشباب هم الذين كانوا في واجهة الأحداث أثناء حكم صدام الذي كان شابا هو الآخر عندما كان نائبا ورئيسا وأمينا عاما للحزب.كان الأجدر به أن يقول نهتم بالطفل لنكسب المستقبل على سبيل المثال، ولكن حتى الطفولة وبراءتها لم تنج منه ومن ممارسات حزبه ورجاله فقد يتم الأطفال أو هجروا أو قتلوا ولا يملك من تبقى منهم ممن ما يزال على مقاعد الدراسة في حينها إلا أن يردد بابا صدام، نعم نعم للقائد صدام، بالروح بالدم...الخ.
ثم انتقل سيادته إلى مرحلة التنظير بالكراسات التي لا تحوي إلا سفسطات وعبارات غير متماسكة تعوزها الفكرة وتخونها الصياغة اللغوية ومن أهمها كراس الدين والتراث، وخندق واحد أم خندقان.وفيما بعد فقد صار كل كلامه، وما أكثره، منهاج عمل لأتباعه من أفراد حزبه ومناضلي أجهزته الأمنية ولطالما تكلم سيادته مع الناس البسطاء عن النظافة ودورة المياه وشواء البصل ولبس الكيوة أو التحفي، وكيفية الإنجاب.فيما كان الرفاق من حوله بأقلامهم وقراطيسهم منهمكين في التقاط الحكم التي تجود بها قريحته النقية والنظيفة نظافة فكره ويده ونفسه!.لقد استمرت هذه المرحلة طويلة حتى وجد ضالته فيما اسماه بالوصايا..نعم وصايا السيد الرئيس البضع والخمسون وصية والتي أضيف لها لاحقا عددا آخر لا أتذكر بالضبط كم.واغرب ما بهذا الموضوع أن هذه الهرطقات التافهة كانت (تدرس)في الجامعات والمدارس العراقية وكان يجري الترويج لها على أنها خلاصة الحكمة وروح التجربة البشرية الحضارية.....اجعل عدوك أمامك واسبقه ولا تجعله وراء ظهرك...قال احدهم وهو يسخر من هذا الكلام فهموني أين أضعه ؟وكيف؟.
كان المستقلون يرقبون كل النشاط (الثقافي )للحزب عبر وسائل إعلام الدولة التي استولى عليها بالكامل وكان معظمهم يجيد إطلاق النكتة والطرفة وكانوا يروجون لهذه النكات بطريقة أو أخرى ويجعلون من الاحجيات الصدامية البعثية مادة للتندر والضحك ما إن يطمئن احدهم إلى البيئة التي يتحرك فيها وكما أسلفت في الأجزاء السابقة فلقد كان لهؤلاء حسا أمنيا عاليا ولباقة ومكرا ودهاءا مكنهم من الاستمرار طيلة مدة حكم البعث.وكان الكثير منهم يحمل صحف الثورة والجمهورية وغيرها (كان اليساريون ي يحملون جريدة طريق الشعب دون خوف أو وجل)من الصحف ذرا للرماد في عيون البعثيين من ناحية والبحث عن سقطات وشطحات خصومهم من ناحية أخرى، الأمر الذي ولد عندهم مناعة من الأمراض البعثية التي خبروا التعامل معها وربما ضلل بعضهم بعض الحزبيين البعثيين وذلك للفوارق الثقافية الجلية الموجودة بينهما.
كل ذلك كان يجري في قرية على سطح كوكب بعيد عن المجموعة الشمسية..سكانها بشر أسوياء يشبهون كل بني البشر ويختلفون عنهم في بنائهم النفسي والاجتماعي والحضاري..قرية اسمها العراق وسكانها من العراقيين وفيهم بعثيون لم ولن ينتموا.
 







 

 
 

    

اراء وتعليقات على الموضوع

http://opendialog.ourtoolbar.com/contact/

 
 

للاشتراك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1