اليسار و الإسلاميون

 

مازن كم الماز

 

الحوار المفتوح العدد 74: 25\7\2004

 

هناك من يحاول الإيحاء بأن اليسار ما هو إلا فرقة من فرق الغلاة المطاردة الملاحقة من سيوف التيارات الإسلامية المعزولة في قلاعها أو مخابئها , أو أنها فرقة يتمحور خطابها السياسي و الفكري حول معارضة الإسلام الأرثوذوكسي..أو أن تصور اليسار على أنه يبحث عن ملجأ آمن من اتهامات التكفير و لو على حساب التحالف "غير المتكافئ" بالطبع مع أنظمة قمعية أو مع قوى خارجية تريد الهيمنة على المنطقة..لكن اليسار في الواقع لا يعتبر معركته ضد الإسلام في الأساس و لا يرى لزاما عليه أن ترضى عنه الحركات الإسلامية أو لا تفعل..إن كلا الطرفين ينطلقان بالطبع من مبادئ مختلفة لكن تعارضهما رهن بقراءة كل طرف للواقع و للآخر , ينطلق اليسار عكس الإسلاميين من موقف دنيوي لا يرتبط بالمقدس رغم أنه لا يعاديه بالضرورة..لا تطمح هذه المقاربة إلى إثبات وجود توافق أو تناقض قاطع بين اليسار و الإسلاميين..إنني أريد أن أركز على العلاقة التي عادة ما قامت على تكفير الإسلاميين لليسار و رميه بالإلحاد هذا الحق الذي يبدو أن الإسلاميين يصرون عليه اليوم و غدا..أنا لا أريد أن أحبط الإسلاميين هنا لكن قتل الآخر و محاكمته على ما يفكر به و يعبر عنه ليس بوصفة سحرية مبتكرة لهزيمة الخصوم و إن جرى تعميدها بالمقدس..إنها بالضبط جوهر ممارسة أمريكا و الأنظمة التي تستبيح بلادنا و شعوبنا..لم يكن اليسار بريء من هذه الممارسات في الماضي و لو أن اليسار العربي لم ينخرط في أي عمل مباشر قمعي ضد الآخر لكنه أيد ممارسات ما سمي يوما بالأنظمة الاشتراكية الستالينية و الأنظمة القوميوية التي قمعت الإسلاميين و أغلب فصائل المعارضة بما في ذلك بعض أو أغلب اليساريين..الإسلاميون من جهتهم بذلوا كل شيء و شرعوا كل شيء لحربهم ضد الإلحاد العالمي الشيوعي كما سموه و وقفوا إلى جانب الأمريكان و أنظمة القمع لتحقيق غايتهم تلك و هم اليوم يحملون سيف التكفير الفعلي أو الفكري ضد اليسار أو أي خطاب لا يتوافق مع مفاهيمهم عن المقدس..رغم أن الإسلاميين و اليساريين في فترات مختلفة تعرضوا للقمع الشديد أحيانا لكن هذا القمع لم يستثير كما يبدو الشهية إلى التحرر من سياط و قيود الجلادين و لا الاستبداد استفز الحنين إلى الحرية..بقي هناك من يدعي الحق في سوق الآخر إلى المقصلة في سحله و قتله و حرق كتبه من جديد كما جرى مع ابن رشد و سواه متوهمين أن حرق الكتب و قتل الكاتب سينهي القضية سينهي الفكر و المفكر..يمكننا هنا أن نؤكد أن اليسار لا يبحث عن سلامة أفراده أو عن اعتراف الآخرين به , إن اليسار صاحب مشروع تغييري جذري يتجاوز مجرد واقع يتيح له شيئا من الحركية أو الفعل..هناك اجتهادات كثيرة في اليسار لكن الخط الأساسي لليسار اليوم لا يرى في أنظمة القمع البيروقراطية أنظمة اشتراكية كما أن الخط الأساسي في تيار اليسار يناهض العولمة الليبرالية المتوحشة التي تستبيح شعوبنا و أوطاننا..اليسار اليوم يقف أقرب إلى الناس بعد أن تخلص من ظل الستالينية القاتم..لا يمكن إخافة اليسار بالإلغاء و التكفير فهو تعرض في السابق لمثل هذا القمع و إذا كان البعض يرى أنه أحق بدماء الناس بسبب الأفكار التي يحملونها فهذا حق تمنحهم إياه البنادق و الأفكار التي يحملونها و لن يتملقهم أحد بغرض سلامته فقط..قد لا يكون هذه مناسبة للتناصح لكن من الضروري التأكيد أن أية سجون أو مشانق أو كواتم صوت لم تتمكن لا في الماضي و لا في المستقبل من إلغاء فكرة أو قتل رغبة الإنسان بالحرية..لن يمكن إلغاء اليسار بسهولة كما قد يظن الكثيرون لسبب بسيط جدا قد لا يتعلق بقوة اليسار الفعلية أو بصحة مواقفه السابقة أو الراهنة بل يتعلق بالإنسان ذاته الإنسان ككائن عاقل ينزع إلى الحرية مهما كان ظل القمع الأسود قويا أو شديدا ككائن ما يزال ينزع إلى العدالة قبل ماركس بآلاف السنين هذا بالتحديد ما يجعل الإنسان عصيا على القمع و كل أسلحته

 

اشترك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء  

 

سيء

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

جيد جدا

صوت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

100%

نتيجة التصوت 100%                                                    عدد المشاركين:1