مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو(الجزء الاول)

 

 

جورج حداد الكاتب والمحلل السياسي
ghaddadbg@hotmail.com

الحوار المفتوح العدد 293: 29.02.2008

 



 مؤامرة اغتيال فرج الله الحلو
في اواخر السنة الماضية، عقد الحزب الشيوعي اللبناني مؤتمره التاسع، وسط جو من الازمة السياسية العامة التي تشمل البلاد، على خلفية الهجمة الاميركة ـ الصهيونية على المنطقة العربية والاسلامية، والازمة العامة التي تمر بها المنطقة ككل، بنتيجة هذه الهجمة. وهذا من ضمن الازمة الفكرية والسياسية والتنظيمية الشاملة، للحزب الشيوعي ذاته، على خلفية انهيار المنظومة السوفياتية السابقة، والازمة العامة للحركة الشيوعية العالمية.
ونظرا للاهمية السياسية والفكرية والبنيوية، التي تضطلع بها الحركة الشيوعية، وبالاخص الحزب الشيوعي اللبناني، في حركة اليسار العربي خاصة، وحركة التحرير الوطني العربية عامة، فإن كل ما يجري ضمن اطار الحزب الشيوعي اللبناني ومحيطه، كان وسيكون له اهمية خاصة، بالنسبة له، وبالنسبة للوضع اللبناني والعربي بمجمله، وقد لا نغالي القول: وبالنسبة للوضع الدولي ايضا.
ولعله ليس من الصدفة ان الشيوعيين اللبنانيين رفعوا، في صدر قاعة اجتماعات المؤتمر، لوحة كبيرة للقائد الشيوعي التاريخي الشهيد فرج الله الحلو.
فهذا القائد ـ الذي عاش بتواضع وتفان مثاليين، ومات مرفوع الرأس تحت التعذيب، ووطئ بموته، كما بحياته الكفاحية، رؤوس قاتليه، كما ورؤوس الذين سلموه للموت ـ هو مدرسة حقيقية لكل مثقف ولكل كادر قيادي، شريف، وقدوة حقيقية لكل مناضل وطني، من اي انتماء حزبي وعقائدي وسياسي كان. ولهذه الجهة، فهو جدير بكل تكريم، من قبل حزبه، كما من قبل الحركة الوطنية والبلاد بأسرها.
وانها لمفخرة للبنان، انه اعطى للوطن العربي، وللانسانية جمعاء، شهداء للفكر والحرية والوطنية والعروبة، من امثال انطون سعادة وفرج الله الحلو وكمال جنبلاط. وإن اقل واجب الوفاء والتكريم تجاه مثل هذه القمم الانسانية، هو تطويبهم، من قبل المجتمع اللبناني بمجمله، بما في ذلك الدولة اللبنانية، بوصفهم "شهداء للوطن"، الوطن ـ الوطن، الوطن ـ الشعب، لا الوطن ـ الطائفة، والزعامة، والوصولية والمنفعة والدكتاتورية.
ولا شك أنه، لتكريم هؤلاء الكبار، ينبغي ليس فقط تكريمهم الاحتفالي الشكلي، وكيل المديح العائم لهم، بل انصافهم تاريخيا، اي اجراء "المحاكمة السياسية التاريخية" الضرورية، لاسباب ودوافع قتلهم، وذلك ليس من زاوية قضائية شكلية، وليس لاجل الانتقام الشخصي او السياسي، بل لاعطاء شهادتهم قيمتها التاريخية، بتسليط الضوء على قضيتهم، وكشف وتبيان اسباب ودوافع قتل كل منهم، لا سيما وان القضية التي قدم كل منهم حياته لاجلها لا تزال ليس فقط حية وآنية، بل ولا تزال هي القضية الاهم بالنسبة للحركة الوطنية اللبنانية والعربية عامة، ولا تزال ـ بالنسبة لاستشهاد فرج الله الحلو ـ هي القضية الاولى ايضا للحزب الشيوعي اللبناني والحركة الشيوعية العربية، ومن اهم قضايا الحركة الشيوعية العالمية.
واننا نرى ان الحزب الشيوعي اللبناني، بالرغم من تكريمه المعنوى العام والعائم لفرج الله الحلو، فإنه لا يزال مقصرا جدا لهذه الناحية، التي بدونها يفقد التكريم العائم اي معنى حقيقي له، بل يصبح اشبه شيء بعملية إلهاء وتخدير، وتستير غير مقصود على الجريمة واسبابها ودوافعها، وبالتالي دفاعا غير مقصود عن قتلة فرج الحلو واليوضاسيين الذين سلموه اليهم.
ان محور ازمة هذا الحزب ـ لا سيما بعد انهيار تجربة النظام السوفياتي، الذي كان الحزب الشيوعي اللبناني يرتبط به، وكانت قيادته تتبع لأجهزته ـ هي ازمة البحث عن "الهوية الذاتية" للحزب. و"قضية فرج الله الحلو"، ولا سيما استشهاده، تمثل على وجه التحديد، في كل تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري، ابرز مظهر من مظاهر ازمة البحث عن "الهوية الذاتية
للحزب.
وفي هذه الظروف الحرجة، لبنانيا وعربيا وعالميا، يرتفع أكثر من اي وقت مضى التساؤل المشروع: إلام يتم التستير على مؤامرة تصفية فرج الله الحلو، التي تضافرت على المشاركة فيها عدة اطراف، متعارضة في الظاهر، "متعاونة" في الجوهر؟!
ونحاول فيما يلي ان نلقي نظرة على بعض "القرائن والتفاصيل الوقائعية" البسيطة، التي في متناولنا، والمتعلقة بالجريمة، وعلى الخطوط العريضة لـ"المسارات السياسية" التي تقاطعت فيما بينها، لينتج عنها الحكم بالموت على هذا المناضل والقائد الشيوعي الحقيقي، من خلال التناقض الجذري بين تلك "المسارات السياسية" المكيافيلية، وبين "القناعات المبدئية" الاساسية التي عاش ومات لأجلها فرج الله الحلو:
الجريمة
1 ـ من المهم اولا، ولا سيما بالنسبة للجيل الشاب من الشيوعيين، والمناضلين الوطنيين الاخرين، ان نعود بالذاكرة قليلا الى الوراء، لنذكر بأن فرج الله الحلو (اللبناني الاصل) اعتقل في سوريا في 1959، ابان الوحدة السورية ـ المصرية، على ايدي المخابرات التي كان يقف على رأسها في "الاقليم الشمالي" لـ"الجمهورية العربية المتحدة" (اي سوريا) ضابط سوري يدعى عبدالحميد السراج. وفور اعتقاله، اخضع فرج الله الحلو للتعذيب الوحشي، ومات تحت التعذيب بعد بضع ساعات فقط. ولاخفاء معالم الجريمة، تم في البدء دفن الجثة سرا، ووضعت "المقبرة" تحت الحراسة. ولكن فيما بعد، وبعد ان شك حرس "المقبرة" بسيارة تحوم بشكل "مشبوه" في المكان، وخوفا من "سرقة" الجثة وانفضاح الجريمة، تم نبش الجثة من جديد وجرى تذويبها بالاسيد. (وهذه الرواية تم نشرها في جريدة "الاخبار" التابعة للحزب الشيوعي، وذلك بعد انهيار الوحدة السورية ـ المصرية).
وهناك اربعة جوانب ينبغي تناولها، تتعلق بعملية قتل فرج الله الحلو:
اولا ـ الجريمة بحد ذاتها، والتي تنقسم الى قسمين:
أ ـ عملية القتل.
ب ـ عملية "ارسال" فرج الله الحلو الى سوريا، وبالتالي تسليمه عمليا الى ايدي القتلة.
ثانيا ـ مسؤولية النظام الناصري واجهزته عن الجريمة.
ثالثا ـ مسؤولية القيادة البكداشية عن "تسليم" فرج الله الحلو.
ورابعا ـ مسؤولية القيادة السوفياتية عن قرار "ازاحة" فرج الله الحلو شخصيا وسياسيا.
ونتناول فيما يلي الجانب الاول، اي الجانب الفيزيائي للجريمة، او جانبها "الفني"، اذا صح التعبير.
من قتل فرج الله الحلو؟
للاجابة على هذا السؤال هناك جواب اولي واضح وهو: ان الذي نفذ عملية القتل هو اجهزة النظام الدكتاتوري، الذي فرض على "الجمهورية العربية المتحدة". وقد قتل كثيرون غيره ايضا حينذاك تحت التعذيب. كما اعتقل، واضطهد، وعذب، وشرد، عشرات الالاف، من الشيوعيين، كما من مختلف الاتجاهات الحزبية الاخرى، في سوريا، وكذلك في مصر.
فهل تم قتل فرج الله الحلو عن طريق الخطأ، كضربة "حظ سيئ" لم يكن يريدها القتلة انفسهم؟
او هل ان قاتليه الصغار ارتكبوا جريمتهم، بقصد او بدون قصد، دون ان يعرفوا من هو، وبغير علم المسؤولين الكبار، اي المسؤولين السياسيين؟
ان الوقائع التي نشرتها جريدة "الاخبار" التابعة للحزب، بعد انهيار الوحدة، تشير الى ان عناصر المخابرات الذين اعتقلوه في البيت الذي توجه اليه في دمشق، استقبلوه "مرحبين": "أهلا ابو
فياض!" (وهذا كان لقبه الحزبي حينذاك)، اي ان الذين اعتقلوه، وطبعا المسوؤلين المباشرين الذين ارسلوهم لاعتقاله، كانوا يعرفون من هو "الضحية"، قبل، او على الاقل من لحظة اعتقاله بالذات.
وحتى لو افترضنا جدلا ان اعتقاله تم بالصدفة، او بنتيجة وشاية ما، مفاجئة، فنظرا لكونه "صيدا ثمينا"، فمن المستبعد "منطقيا" ان لا يكون العناصر الذين اعتقلوه و"المسؤولون" المباشرون عنهم، قد قاموا فورا، بابلاغ المراجع الاعلى منهم، اي المسؤولين الكبار في "الجمهورية العربية المتحدة"، او على الاقل في "الاقليم الشمالي" (اي سوريا)، عن "نجاحهم الكبير" في اعتقال فرج الله الحلو. من هنا الاستنتاج انه، حتى يستقبله معتقلوه بالترحاب ( "اهلا ابو فياض!" )، فهذا يدل ان اعتقاله كان محضرا سلفا، ومن ثم ان قتله السريع كان ايضا مقررا سلفا، وان العناصر المجرمة التي نفذت الاعتقال، ثم نفذت حكم الاعدام، لم تفعل سوى تنفيذ "الاوامر الصادرة من فوق" (قبل الاعتقال او بعده فورا). وفي حينه كان عبدالحميد السراج هو المسؤول الاول عن الامن واجهزة المخابرات في "الاقليم الشمالي"، وهو كان من اقرب المقربين من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. وبالرغم من هذه القرائن، فإن سلطات الجمهورية العربية المتحدة حينذاك لم تتورع عن نفي اعتقال فرج الله الحلو. واكد هذا النفي الزعيم عبدالناصر شخصيا، حينما سأله عن الموضوع الصحافي الهندي المشهور كارانجيا، خلال زيارة عبدالناصر للهند في 1960 او 1961، حسبما نشرته ايضا جريدة "الاخبار".
بالاستناد الى ما تقدم، يمكن اعادة تركيب صورة الجريمة كما يلي:فرج الله الحلو يذهب الى كمين معد سلفا. عناصر المخابرات الذين اعتقلوه كانوا يعرفون مسبقا "من هو القادم". يعتقل فرج الله. يؤخ> الى اقبية المخابرات، ويقتل فورا تحت التعذيب. يدفن سرا. ثم تنبش الجثة ويتم تذويبها بالاسيد، بقصد اخفاء الجريمة تبعا للقاعدة البوليسية المعروفة "يوجد جثة... يوجد جريمة؛ لا يوجد جثة... لا يوجد جريمة". ينكر المسؤولون، بمن فيهم الرئيس عبدالناصر ذاته اعتقال فرج الله الحلو (وبالتالي ينكرون قتله).
ان هذه القرائن تعني منطقيا تأكيدا لأمرين:
1 ـ نية القتل العمد لفرج الله الحلو، بشكل تآمري "سري"، يتيح التنصل من الجريمة.
2 ـ ان عبدالناصر شخصيا، اما انه كان عالما بالجريمة قبل وقوعها. او انه لم يكن في البدء عالما بها، ولكنه "دخل في اللعبة" بعد وقوع الجريمة. واما انه "قد وُرّط" هو ايضا في الجريمة، سواء علم بها فور الاعتقال، او فور القتل، ام لم يعلم. وهذا الموضوع سنبحثه لاحقا.
ومن سلمه؟
ونأتي الى الجانب الاخر من الجريمة وهو: كيف "وصل" فرج الله الحلو الى سوريا، وكيف وقع في قبضة المخابرات والقتلة؟
ان الاجابة عن هذا السؤال تقع بالدرجة الاولى على الحزب الشيوعي، وربما كان هذا اهم واخطر ما يجب على الحزب كشفه، وقد آن الاوان لذلك منذ وقت ليس بالقصير، لانه يتعلق ليس بـ"انصاف" فرج الله الحلو فحسب، بل يتعلق بمدى جدية الحزب في التعامل مع أخطائه التاريخية، وبالتالي في تحديد "هويته" الاساسية ذاتها.
ونحن لا شك لا ندعي اننا نمتلك جوابا متكاملا على هذا السؤال الشائك. ولكننا نجد من واجبنا طرح ما لدينا، مهما كان بسيطا، كمحاولة لوضع حد من التهرب، العبثي والمشين، من جلاء هذه النقطة السوداء في تاريخ الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، وتاريخ الحركة الشيوعية العربية والعالمية بأسرها.
ـ قبل اعتقاله مباشرة، في اوج حملة الاعتقالات ضد الشيوعين في سوريا، كان فرج الله الحلو موجودا في لبنان. وشخصيا يمكن ان أؤكد على ذلك بالواقعة التالية: كنت حينذاك اعمل محررا للشؤون النقابية والمعيشية في جريدة "النداء"، التابعة للحزب. وفي تاريخ لا اذكره بالضبط في 1959، جرت محاولة من قبل مخابرات السراج، لاغتيال المحامي الشيوعي فاروق معصراني، بتفجير سيارته، في مدينة طرابلس. وقد استدعاني الرفيق فرج الله الحلو، في مكاتب "النداء"، وطلب مني الذهاب الى طرابلس لتغطية الحادث صحفيا للجريدة. وفي هذه الاثناء، وصل الى مكاتب الجريدة الرفيق كريم مروة. فطلب منه الرفيق فرج الله ان يذهب هو لتغطية الخبر بدلا مني. ولا شك ان الرفيق كريم يتذكر هذه الحادثة. وقد جرت حينذاك ايضا محاولة اغتيال القائد الشيوعي التاريخي المرحوم ارتين مادويان. وفي هذه الاجواء المضطربة كان الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري، الموحد حينذاك، يسحب اعضاءه ومناضليه، حتى ابسطهم، من سوريا الى لبنان، ويخبئهم ويحميهم. وبعد ايام قليلة من مقابلتنا مع الرفيق فرج الله في مكاتب جريدة "النداء"، فوجئنا بنبأ اعتقاله في سوريا، الذي وقع على الحزب كله وقوع الصاعقة.
ولإعطاء "فكرة" عن الاجواء التي كانت سائدة حينذاك، وعن "مشبوهية" وفظاعة "ارسال" فرج الله الحلو الى سوريا، اذكر ايضا ان الحزب كلفني بتقديم المساعدة لعدد من الرفاق السوريين، الفارين من الملاحقة على ايدي مخابرات السراج. وقمت بتوصيل العشرات منهم لتخبئتهم في بيوت الشيوعيين العرب والارمن واصدقائهم في محلة الاشرفية ببيروت. وللمقارنة وحسب، اذكر انه من بين الذين خبأتهم طالب جامعة مسكين، يدعى الياس ش. وكان شابا انيقا، ذا جسم رياضي ويظهر عليه انه كان "ابن نعمة". ولما كان الحزب غير قادر على الانفاق على جميع الفارين، كنا نحاول ان ندبر عملا لمن يسمح وضعه الامني بذلك. وقد دبرنا لـ"الرفيق الياس" عملا مع معلم بناء. وبعد ايام اخذ الياس يشكو من سوء حالته، وانه غير معتاد على العمل، وان يديه تؤلمانه الخ. وفجأة اختفى الياس، ليطلع علينا صوته بعد ايام من اذاعة السراج، وهو يتهجم على الحزب الشيوعي. خلاصة القول ان الحزب كان في حالة انسحاب شاملة امام هجوم شرس. فكيف يجوز المغامرة بمصير قائد تاريخي معروف، وركن اساسي من اركان الحزب، مثل الرفيق فرج الله الحلو، حينما كان الحزب يسحب ويخبئ ويقدم الحماية حتى لعناصر لا بالعير ولا بالنفير مثل ذلك الطالب المسكين، الذي لم يطق العمل الجسدي بضعة ايام، والذي لا ادري لماذا كان قد "عمل شيوعيا"؟
كان هذا السؤال يقلقني جدا. ولم اجد لـه حينذاك جوابا.
وفي ايلول 1959، ارسلني الحزب الى بلغاريا، للدراسة في المدرسة الحزبية فيها. وكان الحزب الشيوعي البلغاري قد عقد قبل ذلك بفترة وجيزة جدا مؤتمره الثامن. وكان الرفيق خالد بكداش قد حضر المؤتمر، والتقى خلال وجوده هناك مع الطلبة السوريين في المدرسة الحزبية. وكان مسؤولا عنهم رفيق يدعى م. غ.، وبطبيعة الحال ان موضوع اعتقال فرج الله الحلو كان مطروحا بشدة. واذكر ان الرفيق م.غ. كرر امامنا بالحرف ما قاله لهم الرفيق خالد بكداش: "اذا خلص الرفيق فرج الله من إيد عبدالناصر، ما رح يخلص من إيدنا". وكان تفسيرنا لهذا القول هو: اما ان فرج الله الحلو ذهب الى سوريا "من رأسه"، والقيادة ستحاسبه على هذا "التفرد". واما ان فرج الله سبق وارتكب اخطاء جسيمة ستحاسبه عليها القيادة "اذا خلص من إيد عبدالناصر". وهذا القول بحد ذاته يتضمن، من جهة، تبرؤا واضحا من "ارسال" فرج الله الحلو الى سوريا، ولكنه، من جهة ثانية، يشي ضمنا بأن القائل كان يعرف بأن فرج الله الحلو كان معرضا للموت، او انه قد مات فعلا، وهو ما كانت تخفيه القيادة، وسأعود للحديث عن ذلك لاحقا.

فهل ذهب فرج الله الحلو الى سوريا "من رأسه"، بدون علم الامين العام، وبدون قرار قيادي؟
ان الحزب الشيوعي يتستر حتى الان على هذه النقطة، تهربا من الجواب على الأسئلة اللاحقة: من؟ وبتأثير من؟ ولماذا، ارسل فرج الله الحلو الى الاعتقال، فالموت، في سوريا؟
واحاول فيما يلي، جلاء ما يمكن جلاؤه حول هذه النقطة:
ـ طبقا للممارسة القيادية المألوفة في تلك الاوقات، فإن الرفيق فرج الله الحلو لم يكن بالامكان ان يذهب الى سوريا بدون موافقة الامين العام، وبدون موافقة الهيئة القيادية المعنية بالساحة السورية.
ولا يمكن لاي عاقل ان يصدق ان الرفيق فرج الله ذهب الى سوريا في تلك الفترة العصيبة "من رأسه"، وبدون ان يبلغ احدا. فقد كان قائدا مثقفا، ناضجا، مجربا ومحنكا، بعيدا كل البعد عن اي تصرف يتصف بالفردية ورد الفعل غير المحسوب. ولذلك يستبعد تماما ان يكون قد ذهب الى سوريا "من رأسه". وحتى ولو كان حينذاك هو المسؤول عن الساحة السورية، وقرر ذاتيا الذهاب اليها لمتابعة الوضع ميدانيا "على الارض"، فهذا القرار، المتعلق بشخص مثله، ينبغي، اولا، ان يبحث مع الامين العام، وأن ينال موافقته، وكان حينذاك الرفيق المرحوم خالد بكداش، الذي لم تكن "تسقط شعرة" من رأس انسان (حزبيا) في الساحة السورية بالاخص، بدون رأيه وموافقته. وينبغي، ثانيا، ان يبحث في الهيئة القيادية المعنية، المسؤولة مباشرة عن الساحة السورية.
اذن يفترض منطقيا انه كانت هناك موافقة من قبل الامين العام، وكذلك كان هناك قرار، من قبل الهيئة القيادية المعنية، التي تضم عدة اشخاص على الاقل، بالطلب من فرج الله الحلو، او بالموافقة لـه على رغبته الخاصة، بالذهاب الى سوريا.
فكيف أخذت موافقة خالد بكداش على "ارسال" فرج الله الحلو الى سوريا؟ وما هو قرار الهيئة المعنية، بهذا الشأن؟ وما هي حيثياته؟ ومن هو المبادر لاقتراح مثل هذا القرار؟ ومن هم اعضاء هذه الهيئة، التي ارسلت فرج الله الحلو الى المقصلة؟
وحتى لو كان اقتراح ذهاب فرج الله الحلو الى سوريا كان بمبادرة شخصية منه، فإن الامين العام، اي خالد بكداش، من جهة، والهيئة القيادية المعنية، من جهة ثانية، كان بامكان كل منهما على حدة، عدم الموافقة على مبادرته، ومنعه من الذهاب.
ـ فيما بعد، علمت من احد الرفاق، من المطرودين الكثر من الحزب (ولا اسمح لنفسي بالاشارة حتى الى الاحرف الاولى لاسمه، بناء لرغبته)، بأن الرفيق فرج الله بات ليلته الاخيرة في لبنان في منزل مسؤول حزبي هو الرفيق المرحوم ط. د.، الذي سار في "الخط البكداشي ـ الاولترا سوفياتي" في ازمة 68، وان شقيق الاخير، الرفيق ج. د.، كانت لديه "تغطية امنية" للانتقال الى سوريا، حيث كان يعمل في نقل بضاعة ما (ربما الكتب على ما اذكر) بين لبنان وسوريا، وهو الذي نقل بسيارته الرفيق فرج الله الى دمشق، وتركه في وسط المدينة. ومن هناك ذهب فرج الله لوحده الى حيث يريد (اي، وهذا ما سأذكره لاحقا: الى البيت "السري" لصبحي الحبل)، واعتقل على الفور في ذلك البيت.
ـ وفي شتاء 59 ـ 1960، كنت مع بعض الطلبة العرب في المدرسة الحزبية في بلغاريا، في منتجع شتوي خاص باللجنة المركزية. وقد التقينا هناك، صدفة، بمسؤول رفيع المستوى، هو وزير المالية البلغاري، الذي جرت لنا معه نقاشات عديدة. وكان موضوع الوحدة السورية ـ المصرية والموقف من عبدالناصر من اهم مواضيع النقاش. وقد هاجم الوزير المذكور عبدالناصر بشدة، وكال له ما كال من النعوت، مشبها اياه حرفيا بهتلر. وهاجم كذلك "الوحدة"، معتبرا ان
"عبدالناصر يريد ضم سوريا، ولكن فمه صغير و"الملعقة" (حسب تعبيره الحرفي) كبيرة عليه". وهذا يدل انه كان هناك موقف معمم، ضمن الكتلة السوفياتية و"حلفائها" (وبكداش في طليعتهم)، ضد الوحدة المصرية ـ السورية، وضد عبدالناصر بسبب الوحدة، كما ضد اي اتجاه "قومي" مؤيد للوحدة، خصوصا في صفوف الشيوعيين، كما كان فرج الله الحلو.
ـ وفي سنة 63 او 64 لا اذكر تماما، تعرفت على رفيق من طرابلس يدعى ر. ك.، اخبرني بـ"قصة طريفة"، مفادها انه جاءه شخص يدعى صبحي الحبل، وهو ـ حسب قول ر. ك. ـ حزبي سابق اتهمه الحزب بتسليم فرج الله الحلو. وحسب رواية ر.ك.، ان صبحي الحبل شكا له وضعه قائلا: انه ـ اي صبحي ـ كان هو المسؤول عن بيت حزبي "سري" في دمشق، هو البيت الذي اعتقل فيه الرفيق فرج ألله، فور وصوله الى البيت، وطرقه على الباب، بالاشارة المتعارف عليها، (حيث كانت عناصر من المخابرات بانتظاره داخل البيت، كما اسلفت، و"رحبوا" به قائلين: "اهلا ابو فياض"). وقد خرج صبحي من السجن في سوريا، حسب روايته للرفيق ر. ك.، بعد انهيار الوحدة، وجاء وسكن في المينا في طرابلس، لا اذكر لماذا. وحسب قوله انه كان مهددا من قبل الحزب، لاتهامه اياه بـ"تسليم" الرفيق فرج الله. ويقول ر.ك. ان صبحي هذا ابلغه انه بريء من تهمة تسليم الرفيق فرج الله، ودافع عن نفسه بأنه كان قد تم اعتقاله قبل شهرين من اعتقال فرج الله، وانه علم باعتقال فرج الله وهو في السجن، وبالتالي لم يكن يتصور ان الرفيق فرج الله يمكن ان يأتي الى "بيته"، في حين انه هو كان قد اعتقل قبل شهرين. ويقول انه فوجئ بأن الرفيق فرج الله اعتقل في البيت "السري" ذاته الذي كان هو مسؤولا عنه، وهو بيت ـ حسب قوله ـ لم يعد بالطبع "سريا"، بعد اعتقاله (اي صبحي). ويقول صبحي ـ ايضا حسب رواية ر.ك. ـ ان الحزبيين المعنيين كانوا يعلمون باعتقال صبحي، وبـ"انكشاف" البيت "السري" الذي كان هو مسؤولا عنه. ويتساءل صبحي: كيف يمكن ان يأتي الرفيق فرج الله الى بيت حزبي "سري" صاحبه معتقل منذ شهرين؟ وهل كان الرفيق فرج الله يعلم بأن "صاحب" هذا البيت "السري" (اي صبحي) هو معتقل؟ وهل كان يعلم ان البيت اصبح "مكشوفا"؟ وقال صبحي لـ ر.ك. انه جاهز لتقديم نفسه لمحاكمة حزبية حول اتهامه بتسليم فرج الله الحلو، وانه مستعد لتحمل النتائج. وسلم رسالة بهذا كله الى الرفيق ر.ك.، وطلب منه ان يوصلها الى القيادة. وقد اوصلها ر.ك.، حسب قوله، الى الرفيق المرحوم نقولا الشاوي، على ما اذكر من حديث الرفيق ر.ك.، وقد طلبت القيادة من الاخير قطع اي اتصال له مع صبحي الحبل، على اعتبار انه عدو للحزب، والحزب "رح يدبرو". ماذا حدث بعد ذلك؟ ما هو مصير صبحي الحبل؟ ليس لدي اي علم عن "بقية الحكاية". ولكن الرفيق ر. ك.، المطرود من الحزب في ازمة64 ـ 65 هو حي يرزق، وهو يمتلك الاخلاق والشجاعة الادبية اللازمة لتأكيد روايته.
وبناء على ذلك، يمكن اعادة تركيب الصورة كما يلي: الامين العام، اي الرفيق خالد بكداش، الذي كان منذ البداية ضد الوحدة، غادر الى موسكو، بعد بدء الحملة ضد الحزب، ليكون بعيدا عن الخطر، وفي الوقت ذاته قريبا من "مصادر وحيه" في المعركة ضد الوحدة وضد عبدالناصر. يقرر السوفيات وبكداش التخلص من فرج الله الحلو، الذي يطرح خطا شيوعيا مؤيدا للوحدة، ومعارضا للممارسات الدكتاتورية (عبر عنه في مقالة "من مواطن لبناني الى الرئيس جمال عبدالناصر"، التي نشرت في جريدة "الاخبار" حينذاك). يطلب الرفيق بكداش من الهيئة القيادية المعنية ارسال فرج الله الحلو لاستلام الساحة السورية مباشرة، وليس عبر "المندوبين" او "المراسلين" الحزبيين، كما هي الحال في الحالات الاستثنائية. وتجتمع الهيئة، ويوافق اعضاؤها على اقتراح الامين العام، عن قناعة، او عن غير قناعة، اذعانا شخصيا له، ولادراكهم ان هذه هي "رغبة موسكو
" ".
ومرة اخرى، واخيرة، يخضع فرج الله الحلو للقرار البكداشي ـ السوفياتي، كما خضع سابقا حينما استكتب "رسالة سالم" المشينة، المعروفة في تاريخ الحزب، والتي سآتي على ذكرها لاحقا. ولكنه هذه المرة خضع لقرار اجرامي، كلفه حياته ذاتها. الا ان الرفيق فرج الله رضخ لذلك القرار، للاسف، ايمانا منه بضرورة الحفاظ على "وحدة الحزب" وعلى "هيبة القيادة"، "البكداشية ـ السوفياتية"، التي لم تكن شيئا آخر سوى قيادة مكيافيلية ـ قمعية، لاشيوعية ـ لاقومية. وهذا يذكر تماما بما لا يحصى من الكوادر العليا والمناضلين السوفيات، الشيوعيين الحقيقيين، الذين ارسلهم ستالين الى الموت، وكانوا ـ امام فرق الاعدام بالذات، وايمانا منهم بقضية الحزب ـ يهتفون: عاش ستالين العظيم!
XXX
نخلص مما تقدم الى ما يلي:
ـ ان اجهزة الدكتاتورية التي كان يقودها السراج هي التي تتحمل مسؤولية اعتقال وقتل فرج الله الحلو.
ـ وإن "القيادة البكداشية ـ السوفياتية" واجهزة الكا جي بي هي التي "سلمته" يدا بيد الى الجلادين.
ويبقى ان نتساءل:
اولا ـ عن دوافع الدكتاتورية لقتل فرج الله الحلو.
ثانيا ـ عن "الاخطاء" التي ارتكبها فرج الله الحلو، والتي كان خالد بكداش، سيحاسبه عليها "اذا خلص من إيد عبدالناصر"!
وثالثا ـ عن دوافع "الرفاق السوفيات" لمعاداة الوحدة، وعبدالناصر، وفي الوقت ذاته التواطؤ للتخلص من فرج الله الحلو.
وهذا ما سنتناوله لاحقا.
 

                                                  

 



 

 
Translation of the English Language  

ترجمة للغة الانكليزية

 

الموقع الفرعي في الحوار المفتوح جورج حداد كاتب لبناني مستقل      
 
http://www.open-dialog.net/defaultARMUhmad-muhtdin.htm

 

    

اراء وتعليقات على الموضوع

http://opendialog.ourtoolbar.com/contact/

Перевод на русский язык

 الترجمة للغة الروسية     

 
 

للاشتراك في تقييم

 هذاالموضوع
تنويه ! نتيجة التصويت غير دقيقة وتعبر عن رأى المشاركين فيه، وتستخدم من اجل الاحصاء &