|
مفهوم الايديولوجيا يشير هنا، وبشكل
بسيط،الى الخطاب الذي لا يقول الواقع كما هو بل يسعى الى ستره و
تعميته. و رغم نعي الايدويولوجيات يبقى لكل سلطة سياسية إيديولوجيا
تسعى الى نشرها في الجتمع كإطار نظر عام يتضمن رؤية للعالم بشقيه
الطبيعي و المجتمعي.وتسعى السلطة السياسية، بالاعتماد على العديد من
الطرق و الوسائل الى إقناع و تربية المجتمع، وخاصة المجموعا الاجتماعية
المتضررة من العلاقات الاجتماعية المهيمنة ، على القبول بتصورها
للأشياء و العلاقات. و هي من خلال مسعاها ذلك تهدف الى تلافي النقد و
الرفض الممكنين لها كسلطة سياسية
و للبرامج و المخططات و السياسات و المصالح الاجتماعية التي تمثلها.
و يعني ذلك أن السلطة السياسية تعتمد إيديولوجيا كمصدر من مصاد شرعيتها
أي كأداة تساعدها على الدوام والتواصل.إن إديولوجيا السلطة السياسية
تساعدها على أن تكون مقبولة من طرف من تمارس عليهم، رغم أنها يمكن أن
تكون مناقضة لمصالحهم. و بالتالي فان الايديولوجيا تساعد السلطة
السياسية على إعادة إنتاج ذاتها كشرط أساسي لتواصل المجتمع و دوامه،
بحكم الطابع التعددي و المتناقض له مما يولد فيه الصراعات التي يمكن أن
تنتج الفوضى و بالتالي زوال المجتمع ذاته.فتأطير ذلك التناقض المجتمعي
و الصراعات التي تنشأ عنه في إطار المجتمع ذاته يتطلب وجود سلطة سياسية
، هي التي تقوم بعملية التأطير تلك بقطع النظر لمصلحة من تقوم بذلك.
الخطاب الرسمي التونسي حول العولمة يمكن وضعه في ذلك الاطار. و ما
يدفعنا الى ذلك ، ضمن اسباب أخرى، طبيعته الملتبسة.حيث ينشطر ذلك
الخطاب الى تصوريين للعولمة و نتائجها. فهو من جهة يصور الاندماج فيها
كخيار، كعمل إرادي، و من جهة ثانية، يصور ذلك الاندماج كضرورة، كقضاء و
قدر، كاكراه نسقي. و في بعض الأحيان يجتمع التصوران في خطاب نفس الشخص
الرسمي و في وهلة واحدة.
في علاقة بالتصور الأول يقول وزير المالية التونسي "إن إختيارات البلاد
الاقتصادية و الاجتماعية و المالية نابعة من حوار وطني شاركة فيه كل
الفئات و الشرئح محليا وجهويا و وطنيا".(1)
متى حصل ذلك الحوار وأين و من شارك فيه؟. لا نعلم شيئا عن كل ذلك. لكن
ما يهمنا هو حديثه عن "إختيارات البلاد". في نفس الاتجاه تذهب اللائحة
العامة الصادرة عن مؤتمر التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم في
تونس، المنعقد في شهري 07/08/1998إذ"يبارك المؤتمرون الخيار التونسي في
المجال التنموي… و التفتح على الاقتصاد العالمي… وسلامة الاختيارات و
صواب المنهج. و هو ما أهل البلاد لمزيد الاندماج في المحيط العالمي
بابرام عقد الشراكة مع الاتحاد الأوروبي و الانخراط في المنظمة
العالمية للتجارة و الانطلاق في إنجاز برنامج التأهيل الشامل".(2) واضح
من خلال ذلك الحديث عن "الخيار التونسي في المجال التنموي…وسلامة
الخيارات".تأكيدا لذلك يعتبر وزير الصناعة التونسي"أن القطاع الصناعي
يمر خلال هذه السنوات بمرحلة هامة تتطلب منه الرفع من قدرته التنافسية
بنسق متصاعد بالمقارنة مع بقية القطاعات و في فترة وجيزة حتى يكسب رهان
التفتح على المنافسة العالمية طبقا لإخيارات بلادنا".(3) لا يختلف عن
نفس المرجعية مايقوله الوزير الأول التونسي إذ"أن التحرر الاقتصادي
خيار جوهري يستجيب للمصلحة الوطنية و التحولات العالمية".(4) في نفس
الاتجاه يسير المنجي صفرة، كاتب الدولة سابقا لدى الوزير الأول المكلف
بالبحث العلمي و التكنولوجي حيث"أن تونس التغيير، شعورا منها بالتحولات
العميقة التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة،إختارت الاندماج في هذه
الحركية العالمية و رفع تحدياتها".(5) الى كل ذلك يضيف رئيس الدولة في
تونس "لم تباغتنا التحولات التي شهدها العالم لأننا كنا سباقين في
خياراتنا".(6) و في نفس الاطار يؤكد"إن العولمة التي إخترنا الانخراط
فيها بثقة و عزم تضع أمامنا تحديات كبرى علينا رفعها و هي تتيح أمامنا
فرصا علينا إغتنامها". و في مكان أخر"إنخرطة بلادنا بوعي في مسار
العولمة".(7)
لقد إختارت تونس الاندماج في العولمة ،ذلك ما يقوله الدالي الجازي وزير
التعليم العالي.(8) نعتقد أن ما تم ذكره يكفي لتأكيد وجود التصور
الأول. و في هذا المستوى لسنا في حاجة لنقد ذلك التصور، فقط نقوم بوضعه
في مواجهة الشطر الثاني المكون لتصور السلطة السياسية في تونس حول
العولمة.و هو التصور الذي ينظر لها كضرورة،كاكراه نسقي ، كقضاء و قدر.
و من الوضح أنه مناقض للتصور الأول.
الصادق رابح وزير النقل يقول لنا"خلال السنوات العشرة الأخيرة شهد
العالم تحولات عميقة و كبيرة في كل المستويات. و هي التحولات التي تولد
عنها واقع جديد مفروض على العالم كله بواسطة منطق إقتصاد السوق".(9) و
هو نفس التصور الذي يعبر عنه سعيد بن مصطفى عضو اللجنة المركزية للجمع
الدستوري الديمقراطي و كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف
بالشؤون المغاربية، حيث يقول"نحن مقتنعون بشكل عميق أن العولمة هي مسار
لا رجعة فيه".(10) و بشكل واضح يقول لنا الحبيب بولعراس، رئيس مجلس
النواب سابقا أن "الضرورة الداخلية للاندماج في الاطار العالمي تفرض
علينا كلنا و لا تمثل بأي شكل من الأشكال خيارا".(11) لا يخرج عن ذلك
ما يذهب اليه صلاح الدين الشريف كاتب الدولة لدى الوزير الأول المكلف
بالاصلاح الاداري و الوظيفة العمومية ذلك "أن سياسات الخوصصة في
الوظيفة العمومية أمر تحتمه التحولات الاقتصادية الحديثة و يقتضيه
تحرير السوق و التفتح على الاقتصادات العالمية".(12) و بالنسبة لوزير
الثقافة "ظاهرة العولمة التي غدت سمة أساسية لهذا العصر تفرض علينا أن
نكون على بينة من آلياتها".(13) نفس التصور يعبر عنه الوزير الأول في
رده على التدخلات في إحدى الجلسات البرلمانية التي دعت الى حماية
المنتوج التونسي، في إطار النقاش العام لمشروع ميزانية عام 1999 في
الجلسة المنعقدة يوم 08/12/1998 إذ يعتبر الوزير الأول "أن خير حماية
للمنتوج التونسي و الاقتصاد الوطني تمر بكسب رهان المنافسة و التصدير و
كذلك بنقل المنافسة الى خارج التراب الوطني ، كما أن الأجانب سيدخلون
حتما الى تونس بمنتوجاتهم و لايمكن غلق الأبواب أمامهم…"(14) وفي
تعقيبه على مداخلات النواب عند مناقشة مشروع ميزانية وزارة الشؤون
الاجتماعية يوم 25/12/1997 و توضيحا لمسألة الحد من الانعكاسات
الاجتماعية لعمليات الخوصصة و "تطهير" المؤسسات العمومية التي تمر
بصعوبات إقتصادية، إعتبر وزير الشؤون الاجتماعية "أن هذه العمليات
ضرورية في خضم التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي".(15) و بالنسبة
لصلاح الدين عبد الله، المدير العام للمعهد الديبلوماسي للتكوين و
الدراسات " نحن نقول نعم للعولمة…بل لا بديل عنها"(16) و في علاقة
بالتحولات التي يشهدها العالم بما في ذلك العولمة الاقتصادية يقول رئيس
الدولة "إن تلك التحولات تحتم تطوير دور الدولة و تكييفه مع مقتضيات
المجتمع المفتوح".(17) و حسب محمد الغنوشي وزير التعاون الدولي و
الاستثمار الخارجيس سابقا و الوزري الاوال الحالي، إندماج تونس في
الاقتصاد العالمي و الفضاء الأوروبي-المتوسطي هو خيار إرادي،لكنه
الخيار الوحيد الذي يسمح بالمحافظة على المكتسبات المنجزة و خلق فرص
جديدة للإستثمار. في نفس السياق الحتموي نجد الوزير الأول يؤكد أمام
أعضاء المجلس الأعلى للتخطيط في إجتماعه يوم 16/09/1998 "إن هذا
الاجتماع يوفر فرصة هامة لمزيد التعمق في المسائل المطروحة في ظل محيط
عالمي سريع التحول يشهد تغيرات متواصلة على جميع المستويات لا مفر من
مواكبتها و التأقلم معها".(18) هذا التصور يأخذ شكل حتمية إقتصادوية
واصحة لا لبس فيها.إذ في علاقة بالتحولات التي شهدها العالم في النصف
الاول من التسعينات يقول رئيس الدولة في أحد خطبه "أصبحت العوامل
الاقتصادية هي المحدد الاول لتلك التحولات".(19) و عند محاولة تفسير ما
سمي المقاربات المستندة الى مفهوم العالم الثالث و عدم الانحياز كمكون
من مكونات "الأحداث بالغة الأهمية" التي شهدتها "الساحة الدولية في هذا
القرن"..." يعزى تراجع هذه التيارات، رغم ما إستأثرت به هذه العوامل من
أهمية، حيث أصبحت العنصر الأساسي في قيام التحافات و التوازنات
الجغرافية-الاستراتيجية الجديدة". هذا ما كتبه حرفيا واضعوا المخطط
التاسع للتنمية 1997/2001.(20) و لا يقتصر دور الحتمية الاقتصادوية على
تفسير تراجع"المقاربات المستندة الى مفهوم العالم الثالث و عدم
الانحياز" بل "أضحت العوامل الاقتصادية المحدد الأول و الخلفية
الأساسية لما يشهده العالم من تحولات"(21).
هنا نلاحظ ،فقط، أن بعض التفسيرات ذات الالهام الماركسي، والتي كانت
تفسر كل شيء بالعامل المحدد، العامل الأول، بضيغة في التحليل الأخير،
كانت تلك التفسيرات توصف بكونها منافية للواقع و العلم و بالتالي هي
ذات طبيعة إيديولوجية.
لكن حتمية واضعي المخطط التاسع للتنمية ليست حتمية مطلقة، لأنها إن
كانت كذلك سوف تنزع الشرعية عن النظام السياسي و تجعله خاضعا كليا
للعبة "المحدد الأول" و لن يتجاوز دوره غير الخضوع لهذا "المحدد". لكن
الأمر ليس كذلك إذ أنه "في هذا المحيط المتميز ببروز تجمعات جهوية و
إشتداد المنافسة إعتمدت تونس جملة من الاختيارات
الجغرافية-الاستراتيجية بهدف ضمان ديمومة العمل الانمائي".(22) هنا
يعبر واضعوا المخطط التاسع، أحسن تعبير، عما سبقت الاشارة اليه من
تداخل داخل الخطاب الايديولوجي الرسمي ،بصدد العولمة، بين الارادية و
الحتمية.
الحتمية الى جانب لبوسها الاقتصادوي تتلبس في جانب من الخطاب الرسمي
لبوسا دينيا-مقدسا. نتبين ذلك من خلال ما ورد لائحة الشؤون الاقتصادية
و التنمية الجهوية التي سبق الاستشهاد بها. حيث أعتبر تحرير الاقتصاد
التونسي"خيارا لا رجعة فيه".(23)
بقطع النظر عن كون تحرير الاقتصاد شيئا إيجابيا أو سلبيا في المطلق،
وبقطع النظر كذلك عن كونه خيارا أم لا، فان هذه الـ "لارجعة فيه" هي
التي تلخص لنا المسألة من مجهة النظر التي ذهبنا اليها.أي تحويل برامج
و مخططات السلطة الساسية في تونس الى قضاء و قدر.ذلك أن الصيغة سابقة
الذكر لا تترك أي هامش ، و لو نسبي لنقد تلك البرامج و المخططات، بحكم
كونها كذلك.
أليس هذا تفكيرا مطلقا؟ أليس هذا تفكيرا أحادي الجانب؟
ألسي هذا تفكيرا يقوم على المسلمات و البداهات و المصادرات؟
اليس هذا تفكيرا ينفي كل إمكانية لمساءلته و نقده؟
أليست تلك هي خصائص كل تفكير ديني؟. ثم أليس ما "لارجعة فيه" في
"الثقافة الوطنية" هو إرادة الله فقط،قضاءه و قدره، شره و خيره، فقط؟.
إن هذا الفهم الذي نقدمه هنا لا يعتمد على خيال شاسع و قدرة جبارة على
التأويل و الفهم. بل الخطاب الرسمي التونسي ذاته، بصدد العولمة، يتضمن
ذلك و بشكل واضح لا لبس فيه.
مفتي الجمهورية، السابق محمد المختار السلامي في محاضرة له ألقاها يوم
20/01/1998، قبل تنحيته، بعنوان "الإسلام و العولمة"، في إطار مسامرة
دينية، بحضور رئيس الدولة، وبعد التوجه الى هذا الاخير قائلا "إنه من
عناية الله بهذا الشعب أن ولاكم أمره لقيادته بعد أن إختلطة السبل و غم
الأمر"، بعد ذلك يذهب المفتي السابق الى اقول" تقوم العولمة الاقتصادية
على تمكين البشرية من السير في موكب واحد نحو رفاهيتها بازالة كل
المعوقات و الحواجز التي تعترض سبل تبادل المنافع في ما بينها و ذلك
بتحرير التجارة العالمية" و الى جانب ذلك إن الاقتصاد "هو الذي أتى
بهذا المصطلح وأدخله في حياة الافراد و الدولة و أقنع به كل الناس على
أنه المرحلة التي سعت اليها الانسانية عبر تاريخها الطويل و إنها اليوم
قد بلغت غايتها التي ليس للانسانية بعدها من غاية...إن الليبرالية
الديمقراطية لم تنتصر فقط، و لكن ببساطة هي الموجود، و هي كل ما يمكن
أن يكون موجودا" والأهم من كل ذلك قوله "إنا لا نجد دينا يقوم على
العولمة...إلا الدين الاسلامي" لذلك " فان العولمة تتحقق في الاسلام في
منهج تقديم تعاليمه و مضامين ما يدعو اليه".(24)
هل يقتصر هذا التوظيف للدين على المفتي السابق، فيكون تصوره معزولا و
لا يعبر ألا عن رأيه الشخصي، أم أن ذلك التصور الذي عبر عنه المفتي
السابق جزء أصيل مكون للخطاب الرسمي التونسي حول العولمة؟.
من خلال اللائحة العامة الصادرة عن أحد مؤتمرات الدستوري الديمقراطي
"يدرك المؤتمرون الرهانات المطروحة على ثقافتنا الوطنية من جراء
العولمة... و هو ما يؤكد أكثر من أي وقت مضى مكانة الثقافة في رفع
تحديات العولمة و كسب رهاناتها".(25) بلغة أخرى أوضح، و بحكم "تراجع"
دور الدول الاقتصادي و ما ينتج عنه من نتائج إجتماعية سلبية، فان ذلك
"يؤكد أكثر من أي وقت مضى مكانة الثقافة في رفع تحديات العولمة" أي و
بحكم أن "الثقافة" هي جزء من البناء الفوقي الايديولوجي، فان ذلك يؤكد
أهمية الدور الايديولوجي للدولة في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية
المهيمنة. فـ"لثقافة الوطبية" سوف تلعب دورا أساسيا في "رفع تحديات
العولمة و كسب رهانها". و هنا يجد تدخل المفتي للافتاء في كيفية "رفع
تحديات العولمة" معناه الحقيقي.إذ أنه بتدخله ذلك يحول واقعة
إجتماعية-تاررخية الى شيء مقدس، متعاليا على التاريخ و لا سلطة للانسان
عليه.ألا تساعدنا "الثقافة الوطنية" في تحقيق ذلك المسعى،
و هي من خلال ذلك تسبغ الشرعية الدينية على مخططات و سياسات و برامج
الدولة.أي تجعلها غير قابلة للنقد و الرفض و الشك، غير قابلة لأن توضع
موضع تساءل.و لن يقوم بذلك أحسن من "الثقافة الوطبية". فهي قدرية في
محاتواها الأساسي،أي في محتواها المنتشر لدى أغلب أفراد المجتمع
التونسي. و تلك القدرية لا تعود، مثلما يذهب الى ذلك الكثيرون الى
إسلامية المجتمع. بل تلك القدرية تجد أصولها في الطابع الزراعي للمجتمع
الذي ترتبط دورة حياته بالظواهر الطبيعية التي ليست له أية سلطة
عليها.. و هو عجز في مواجهة الظوهر الطبيعية و الاجتماعية يتلبس لبوسا
دينيا. فالطابع القدري للمجتمع التونسي هو ما يتم توظيفه عند تصوير
العولمة كخيار و حيد، كخيار لا بديل عنه، كخيار لا رجعة فيه، كقضاء و
قدر.و هو توظيف يسعى الى تحويل السوق و قوانينه الى قضاء و قدر لا يمكن
للمجتمع التونسي إلا قبوله مثل قبوله الموت و الرياح و الأمطار
المرتبطة بالارادة الإلاهية. هذا المسعى يهدف الى إصباغ القداسة على
المركنتيلية الجديدة بالاعتماد على "الثقافة الوطنية" التي سوف تساهم
بالفعل، بصوراتها تلك في "رفع تحديات العولمة"، أي جعلها مقبولة من طرف
المتضررين منها في المجتمع التونسي، وهم أكثر الناس قدرية فيه، بحكم
غلبة الايديولوجيا الزراعية-الدينية على وعيهم الاجتماعي. أليس التحرير
الاقتصادي "خيارا لا رجعة فيه"، و مثلما سبقت الاشارة الى ذلك ، فان ما
لا رجعة فيه في "الثقافة الوطنية" هي إراة الله و قضاءه و قدره ، شره و
خيره. و هذا المعطى هو اساس من أسس الإيمان و بالتالي يصبح الخروج عن
"تحرير الاقتصاد" خروجا عن المقدسات و إنتهاك لها، و هو الكفر عينه.
وزير الثقافة نفسه يعتبر أنه "كي نتمكن من التصدي لأخطار الذوبان و
فقدان الخصوصية ...تكون الثقافة الوطنية ضامنا لعملية التلاؤم بين
التجذر في الخصوصية و الهوية من جهة و التفتح من جهة أخرى" و حتى تتم
"عملية التلاؤم"على أحسن وجه فـ"إن أهم ما يجري حاليا إنجازه بالتعاون
مع البنك العالمي و بواسطة هبة يابانية هو دراسة تتعلق باحياء التراث
الوطني و توظيفه في التنمية الشاملة"، وذلك دائما حسب وزير الثقافة
التونسي.(26) و في نفس الاطار يعتبر النائب البرلماني محمد الحبيب حمزة
"أن الوسائل الكفيلة بالمحافظة على هويتنا في زمن العولمة هي الاهتمام
بخصوصياتنا الثقافية المحلية و الجهوية".(27) التي من ضمنها الاعتناء
بالأولياء الصالحين. و كانت النائبة السيدة حبشي بن صالحة قد دعت عند
مناقشة مشروع ميزانية وزارة الثقافة في جلسة مساء 22/12/1997 الى
العناية بفرق المدائح و الأذكار.(28) و عند مناقشة مشروع ميزانية وزارة
الشؤون الدينية لسنة 1998 طالب النائب البرلماني أحمد الفارحي بـ "حسن
إستغلال الجانب الديني لتطوير العقليات و تغيير السلوكات".(29) في نفس
الاطار، و في رده على مداخلات النواب يعلمنا وزير الشؤون الدينية "أن
الطرق الصوفية هي سند للدولة في تاريخ تونس" بعد أن بين الفرق بين
التصوف و بعض المظاهر الأخرى مثل الحضرة و غيرها.
على أساس ذلك فان ما يقوله المفتي السابق للجمهورية، وهو قول يحول
العولمة الى شيء مرتبط بالارادة الإلاهية و بالتالي مقدس، إن ذلك القول
ليس موقفا شخصيا، بل هو تصور يعتبر جزءا أساسيا من خطاب الدولة في تونس
حول العولمة
و القضية ليست داخلية فقط بل" من الضروري أن يعمل الجميع حتى تكون
التحولات الثقافية المسجلة في عالمنا اليوم أساس نظام ثقافي إنساني
يعكس ثراء الحضارات البشرية المختلفة و ما بلغته من نضج وتقدم في إطار
القيم و الثوابت الكونية المختلفة و إحترام ميزات المجتمعات المختلفة
وخصوصياتها فلا هيمنة لثقافة على أخرى...(و) على هذا التصور الثقافي
المنشود أن يكون القوة الحضارية المعدلة لحدة أثار العولمة و عنصر
الترشيد للإنفجار الاعلامي و الاتصالي ... و التعددية الثقافية في
تصورنا تقوم على إعتبار حق مختلف الثقافات الوطنية في الحضور الفاعل
داخل المشهد الثقافي العالمي...و ذلك على أساس التكافىء و إحترام الأخر
و حق الاختلاف حتى يصبح الحوار بديلا للصراع بين الثقافات و وسيلة
لإستبعاد مخاطر التعصب والتطرف و العنف" (30)،على حد قول رئيس الدولة
في تونس.
بلغة أخرى ما معنى ذلك؟. المقصود هنا هو تجنيس العالم
ثقافيا-إيديولوجيا.ذلك أنه من الملاحظ أن هناك نزعة الى هيمنة الثقافة
الغربية بشقها الأنقلو-ساكسوني على العالم ، و بالتالي إمكانية إلغاء
الثقافات-الايديولوجيات الأخرى، أي هناك مسعى الى أن تهيمن إيديولوجيا
واحدة في إعادة إنتاج النظام العالمي بمختلف مكوناته، هي الايديولوجيا
أو الثقافة الرأسمالية في نسختها الأمريكية.و هي عملية إحلال لابد أن
تولد "التعصب والتطرف و العنف". و هي تولده بالفعل، مما يجعل العديد من
الأنظمة السياسية تجد صعوبات في التحكم في مجتمعاتها و المحافظة على
وجودها. كما أن إتجاه التجنيس ذلك يمكن أن ينزع من بعض السلطات
السياسية أدوات ايديولوجية محلية يمكن أن تكون " القوة الحضارية
المعدلة لحدة اثار العولمة". و بالتالي فان المطلوب ، من خلال
الاستشهاد السابق ، هو ترك هامش من الحرية للإنظمة السياسية خارج
الفضاء الايديولوجي الإنقلو-ساكسوني كي تستعمل "الثقافة الوطنية"
لتعديل "حدة أثار العولمة". و من أجل تلافي "مخاطر التعصب و التطرف و
العنف"، خاصة و "الثقافة الوطنية لا تتناقض مع الربح الراسمالي" و
"إقتصاد السوق"...الخ.
و إذا كانت "الثقافة الوطنية" تحول العولمة و نتائجها الى قضاء و قدر،
فالموقف الوحيد الممكن في مواجهتها هو التاقلم والتكيف و التلائم معها.
مثل القضاء و القدر الديني، ليس علينا إلا قبوله، تحت طائلة إنتهاك
المقدسات و الخروج عنها و الدخول في منطقة الارتداد و الكفر.
برقية صادرة عن أعضاء جامعة التصدير التابعة لمنظمة الأعراف ،موجهة الى
رئيس الدولة، بمناسبة الإجراءات التي أقرها خلال إشرافه يوم 09/10/1998
على الدورة الثالثة للمجلس الأعلى للتصدير،تضمنت "إلتزام المصدرين ببذل
مزيد الجهد من أجل كسب الرهانات التي تقدم عليها تونس بثقة و إقتدار و
في مقدمتها رهان التشغيل و المنافسة و التأقلم مع التطورات الاقتصادية
العالمية".(31) و في تدخل لأحد رؤساء الغرف التجارية الفتية في الملتقى
الوطني الثاني الذي نظم في أكتوبر 1998 بحمام سوسة، تم التأكيد على
"ضرورة التأقلم مع مفاهيم جديدة أفرزتها العولمة الاقتصادية والتفتح
على الاتحاد الأوروبي".(32) و حسب وزير الثقافة "إن العولمة تستوجب
التأقلم"، مضيفا الى ذلك ، في علاقة بمسألة الانتاج الثقافي، أن
الدولة"ليس لها من دور سوى تقديم التشجيع و توفير ظروف النجاح للمبدعين
و المساهمة في إعداد المجتمع والناشئة،خاصة، للتأقلم مع متطلبات
العولمة".(33)
ناقدا لهذه الدروينية الاجتماعية، يعتبر سامي نير (34) أن النخب
الحاكمة في العالم الثالث، وهي تتأقلم مع العولمة المالية،لم تعد
منجذبة ، مثلما كان الحال عشرين أو ثلاثين سنة خلت، الى تجارب إنفصال
بأسم تنمية وطنية تتضمن بعدا إجتماعيا هاما الى هذا الحد أو ذلك.فعوامل
النجاح بالنسبة لهذه النخب تدور حول فكرة التلاؤم مع ضغوطات الاقتصاد
العالمي.
الى حد هنا تكون العناصر المكونة للإيديولوجيا الرسمية في تونس هي
القضاء و القدر و الدروينية الاجتماعية-التاقلم و الاقتصادوية. و هذه
الأخيرة ليست إلا نسخة علمانية من القضاء و القدر الديني. فحين يقول
لنا سعيد بن مصطفى،كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف
بالشؤون المغاربي، "نحن مقتنعون بشكل عميق أن العولمة هي مسار لا رجعة
فيه".(35) ألا يشكل ذلك ترويجا لما يسميه محمد عابد الجابري "ثقافة
الإختراق"، إذ العولمة، بالنسب له، تشكل إختراقا للهوية الثقافية
وتمييع لها و هو ما يجعل "الهدف النهائي للعولمة هو السيطرة على
الإدراك". و بالسيطرة على هذا الاخير يتم "إخضاع النفوس" أي تعطيل
"فاعلية العقل" و تكييف المنطق والتشويش على نظام القيم و توجيه الخيال
و تنميط الذوق و قولبة السلوك...الخ. و ثقافة الاختراق هي ، بالنسبة
لمحمد عابد الجابري، دائما، "التطبيع مع الهيمنة و تكريس الاستتباع
الحضاري".(36) أليس تصوير العولمة و "الاقتناع العميق" بأنها "مسار لا
رجعة فيه" هو "التطبيع مع الهيمنة"؟. ألا يؤدي تصوير العولمة من داخل
الخطاب الايديولوجي الرسمي التونسي كقضاء و قدر لا رجعة فيه الى "تعطيل
فاعلية العقل".لأن هذه الأخيرة مناقضة بالضرورة للقضاء و القدر بكل
أشكاله سواء الدينية أو الطبيعية أو الاقتصادوية. و العولمة تتلبس كل
هذه الأشكال داخل الخطاب الرسمي التونسي.فاذا كانت العولمة "مسارا لا
رجعة فيه " فان كل دور "للعقل" سواء كان ذلك الدور نقديا أوباحثا عن
مسارات و خيارات أخرى أو مصلحا لسلبيات المسار الذي "لارجعة فيه"، كل
ذلك يصبح غير ممكن مما يجعلنا أمام خطاب منطقه يتجانس مع منطق الخطاب
الديني القائم على البداهات و المسلمات و المصادرات و ضرورة قبول
القضاء و القدر شره و خيره و خلاف ذلك هو الكفر و الزندقة و إنتهاك
للمقدسات. أليس هذا ما يسميه "إقناسو رامونيه"الفكر الوحيد و الظلامية
الجديد في نسختها التونسية؟.
الى جانب ذلك، و في الارتباط به، نجد الخطاب الرسمي التونسي يصور تعميق
إندماج "الاقتصاد التونسي" في النظام العالمي كضرور موضوعية لا بديل
عنها من أجل تحقيق "التنمية". لنفترض،جدلا أن ذلك صحيحا، و لا وجود
بالفعل لبديل أو بدائل أخرى، فان النجاح في تحقيق الأهداف المعلنة في
الخطاب الرسمي يتطلب توفر العديد من الشروط من بينها التالية :
-- تغيير الصورة الراهنة للنظام العالمي، بحكم أن متطلبات اللحاق
بالبلدان الرأسمالية الامبريالية ، و منها خاصة رأس المال و وسائل
الانتاج، و تنظيم العمل والموارد البشرية المؤهلة تأهيلا جيدا الى جانب
البنية التحتية المتطورة و أسواق مضمونة للتصرف، إن تلك المتطلبات غير
متوفرة و يصعب الحصول عليها بحكم أن ذلك ليس في مصلحة البلدان
الامبريالية و سيطرتها على الأسواق في مختلف مناطق العالم.
-- النجاح في منافسة البلدان الامبريالية في السوق العالمية يفترض، على
الأقل، التساوي معها في مستوى الانتاجية إن لم يكن التفوقق عليها. و
تحقيق ذلك يتطلب وسائل إنتاج شديدة التطور التي ينتج عن إستعمالها
بالضرورة عدم خلق مواطن شغل جديدة هي في غاية الضرورة و الإلحاح و لا
يقتصر الأمر على ذلك بل سوف يتم إلحاق ألاف جديدة من المشتغلين بالاف
العاطلين و المهمشين.
-- تجاوز واقع كون أغلب الاستثمارات الصناعية التي يتم إنشاؤها، هي
مشاريع خاضع بالدرجة الأولى لمتطلبات و حاجات البلدان
الامبريالية(معركة الصدير) و تمثل تلك المشاريع جزرا معزولة لا تتمفصل
مع الاقتصادي المحلي و لا تحقق إلا تأثير يكاد يكون معدوما على المجتمع
المحلي.(37)
إذا صح ما تم ذكره ، يتأكد الطابع الايديولوجي لخطاب السلطة السياسية
في تونس في علاقة بهذه المسألة.
و من مظاهر ذلك الادماج العلاقة مع الاتحاد الأوروبي و الشراكة معه. و
الخطاب الرسمي يصور لنا العلاقة على أساس أنها خيار و قصبة النجات
"للإقتصاد التونسي" و "السبيل الوحيدة لتحقيق التنمية".
في مواجهة ذلك نجد بشارة خضر، بعد إنضمام إسبانيا و البرتغال الى
الاتحاد الأوروبي ، يتساءل ألا يخلق هذا "التجمع العائلي" "ريو قراندي"
جديد.(38)،مع كل تناقضات التطور و الديمقراطية و الديموغرافيا، داخل
منطقة لا تزال تحتفظ بالكثير من الخطوط المشتركة؟ هل أن منطقة المتوسط
منطقة إتصال و تبادل هي في طور التحول الى "الحدود الجديدة" لإوروبا؟
هل هو خط الانكسار بين الشمال و الجنوب؟. هذا البحر الذي كان على
الدوام جسرا، هل تحول الى هوة سحيقة؟ أو هو في طور التحول إليها، الى
حاج |