|
|
ماركس الديمقراطي
لكن إذا كان عليك أن تتناول نسخة 1895 من هذا الخطاب فستواجهك مقدمة
جديدة من أنجلز . فيها يقوم بإخبارنا :
"إن شكل الصراع في عام 1848 هو باطل اليوم في كل جوانبه" .
لماذا ؟ ببساطة :
"لأنهم ( العمال الألمان ) قدموا خدمة أخرى كبيرة لقضيتهم....لقد زودوا
رفاقهم في كل البلدان بسلاح جديد , و هو أحد أكثرها قوة , عندما أظهروا
لهم كيف يمكنهم الاستفادة من حق التصويت الكلي" .
إنه يقتبس من ماركس كيف أن الانتخاب قد ) :12)
"تحول بأيديهم من وسيلة للخداع , و هي كذلك بالفعل , إلى أداة للانعتاق"
"نحن لسنا مجانين لنترك أنفسنا و نندفع إلى قتال الشوارع كي نسعدهم (
البرجوازيون )" .
هذا ما قاله أنجلز في 1895 .
لكن في نقد ماركس لبرنامج غوتا عام 1869 و في رسالة الاثنين إلى بيبل
عام 1879 فإنهما يهاجمان الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بقسوة
لدعمه الانتخابات البرلمانية :
"لا يمكننا لذلك أن نتعاون مع الأشخاص الذين يعلنون علنا أن العمال
جاهلين أكثر مما ينبغي ليقوموا بتحرير أنفسهم" .
هل أنت مشوش الآن ؟ عليك أن تكون كذلك في الحقيقة . إن ماركس و أنجلز
متساوقان ( في كتاباتهما عن الدولة ) مثل بيان حزب العمال و في عدة
مراحل يبدوان تماما مثل بيان كهذا . لقد عالجنا ماركس الديمقراطي ,
الشيوعي , المدافع عن سيطرة العمال و ماركس نصير الديمقراطية التمثيلية
. إن الدولة بالنسبة لماركس و أنجلز لم تكن سوى اللجنة التنفيذية لطبقة
ما . عندما تذهب الرأسمالية ستذهب الدولة كذلك .
"تخلص من الرأسمالية و ستسقط الدولة من تلقاء نفسها" .
هكذا قال أنجلز في ( عن السلطة 1872 ) .
لقد كان على خطأ على نحو دراماتيكي . كما سنرى أن غموض ماركس و أنجلز
في هذا الموضوع ينبع من مشاكل أعمق . في الحقيقة هناك معضلات كبرى في
مفهومهم العام عن الاشتراكية .
ما هي الاشتراكية ؟
إن الجواب الأناركي على هذا السؤال هو أن الاشتراكية هي , في الأساس ,
يجب أن تكون عن الحرية . مجتمع يدار جماعيا لزيادة عدد الفرص المتاحة
للأفراد إلى الحد الأقصى . مجتمع يقوم على تلبية حاجات و مطالب
الأغلبية و ليس فقط منفعة الأقلية مع مشاركة كاملة على كل المستويات .
إن الثورة عمل واعي يقوم به العمال لتحرير أنفسهم من إكراه المجتمع
الطبقي . إنه عمل ذاتي .
هناك تناقض أساسي في الماركسية بين الذاتي و الموضوعي . (13) . تمر
الإنسانية حسب ماركس بمجموعة من مراحل تاريخية متمايزة استنادا إلى
مستويات متزايدة من الإنتاج . من المؤكد أنه صحيح أن مستوى الإنتاج في
مجتمع ما يحدد نطاق الاحتمالات المتاحة لأولئك الذين يحاولون تغييره .
لكن ماركس يميل إلى اختصار كل التطور البشري في هذه القضية . تماما كما
سقطت الإقطاعية لصالح قيام الرأسمالية , فستستبدل الرأسمالية
بالاشتراكية . إنه يهمل أو يقلل من أهمية متغيرات أخرى مثل دور
المؤسسات السياسية , الثقافة , الإيديولوجيا و الأفراد . بالنسبة
لماركس كل هذه الأشياء "الذاتية" مشترطة تماما ب"الظروف الموضوعية"
للتطور الاقتصادي .
تظهر المؤسسات الاجتماعية و السياسية و تسقط بسبب قدرتها أو عدم قدرتها
على تحسين حياة أهلها ماديا . إن كل نظام جديد يظهر لأنه يقوم بعمل
أفضل في تحسين الإنتاج من النظام الأقدم . إن الانتقال من الرأسمالية
إلى الاشتراكية يبدو بالنسبة إليه حتميا كالانتقال من العبودية إلى
الإقطاع . هنا يقع ماركس في الخطأ . لأنه لأول مرة في التاريخ يتطلب
الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر مشاركة الجماهير . إن الرأسمالية ,
كالإقطاعية و كل النظم التي سبقتها , تتضمن بالفعل بذور القضاء عليها
في أنها تخلق حفاري قبرها : الطبقة العاملة . لكن ماركس في معظم أعماله
الأخيرة يذهب أبعد من ذلك و يشير إلى أن موت الرأسمالية حتمي :
"سيستبدل الإنتاج الرأسمالي بقسوة قانون طبيعي نفيها هي بالذات..." .
( رأس المال , المجلد الأول , ص 837 )
أبعد من ذلك , يذهب في نفس الفصل إلى أن يصف الرأسمالية على أنها :
"تقوم بالفعل عمليا على إنتاج مشترك" .
أو كما وصفها في غروندريسيه ( ملاحظات عن رأس المال ) :
"بعد نقطة محددة , فإن تطور قوى الإنتاج يصبح عائقا أمام رأس المال" و
إن "تدميره العنيف" سيجري "كشرط لحمايته" .
إن هذا حتمية خالصة . إنها تستبعد الدور المركزي للناس في تغيير قدرهم
. إنها تستبعد العمال , كأفراد مفكرين و فاعلين , من مركز المنصة .
إنها تتجاهل البذور الحقيقية التي يمكنها أن تتفتح في الثورة : العمال
. إذا كان سقوط الرأسمالية متأصلا في تطورها الخاص لذا لا توجد أية
حاجة للنضال ضدها . إذا كانت زيادة الإنتاج هي المفتاح فلماذا لا نعمل
بصورة أكثر اجتهادا لنسرع في تحقيقها ؟
في الحقيقة ان الرأسمالية , تاريخيا , مع زيادة إنتاجيتها تسير ببطء
شديد نحو الزوال . عوضا عن ذلك أصبحت أكثر مركزية و بيروقراطية , مع
قيام الدولة بدور متزايد . لذا فإن النمر قد غير آثاره قليلا . لكن
الرأسمالية الاحتكارية اليوم لا يوجد أي تشابه بينها و بين الاشتراكية
أكثر من رأسمالية المؤسسة الحرة من أيام ماركس .
هذه الفكرة أخذت و وسعت من قبل لينين الذي اعتقد أن :
"الاشتراكية هي رأسمالية الدولة الاحتكارية و قد أجبرت على خدمة مصالح
الشعب بأكمله و عند هذا الحد توقفت عن أن تكون رأسمالية الدولة
الاحتكارية" .(14)
كما سبق أن قلت فإن هذا هو تماما نقيض الاشتراكية . إن الاشتراكية هي
عن الحرية و المشاركة الجماعية , و ليست أية ديكتاتورية بيروقراطية أو
رأسمالية دولة .
إن باكونين جيد خاصة فيما يتعلق بموضوع الاشتراكية "العلمية" :
"يصنع التاريخ , ليس من قبل الأفراد المجردين لكن من قبل الأفراد
الفاعلين , الأحياء و العابرين" (15)
لقد عارض فكرة العلماء السياسيين الذين يقودون البشرية رغما عن أنفها
نحو ديكتاتورية متنورة :
"ما أبشر به هو , إلى حد معين , ثورة الحياة ضد العلم , أو على الأصح
حكومة العلم , و ليس أن نقضي على العلم , فهذا سيكون خيانة كبرى
للبشرية , و لكن لوضعه في نصابه بحيث لا يمكنه أن يغادره مرة أخرى"
مما يستحق الإشارة , كي نكون منصفين , أن ماركس الشاب قد أخذ بعين
الاعتبار العامل الذاتي خاصة في مخطوطات 1844 الاقتصادية و الفلسفية
حيث أعلن أن الشكل السياسي للقضاء على الملكية الخاصة سيكون "انعتاقا
إنسانيا شاملا" .
لكن الكتابات الأخيرة لماركس و أنجلز ركزت أكثر فأكثر على نتاج التطور
الرأسمالي و أقل فأقل على كيف يمكن كسب العمال إلى الثورة . هذا
بالاشتراك مع التقدير الأعمى للسلطة ( انظر الاقتباس الأول ) قاد
الماركسية إلى أن تكون الوصفة الكبرى لديكتاتورية استهلالية حتى
بافتراض أفضل نوايا الكاتبين .
إن الأفكار السياسية لماركس و أنجلز ( بغض النظر عن تحليلهما الاقتصادي
الرائع للرأسمالية ) هي غامضة و متناقضة . حتى في أحسن أحوالهما لم
يتمكنا من الاقتراب من عمق و وضوح مفهوم باكونين عن الاشتراكية .
(11) الثورة , حكومة العامل الذاتية و كل ذلك
(12) مقدمة لبرنامج حزب العمال الفرنسي ( 1880 )
(13) الظروف الموضوعية هي تلك التي لا يمتلك الفرد أية سيطرة عليها .
على سبيل المثال أن تمطر غدا أو لا . يمكن للمرء على أية حال أن يتخذ
قراره الذاتي بإحضار مظلته .
(14) لينين , الأعمال المختارة , المجلد 25 , الصفحة 358
(15) كلا الاقتباسين من الله و الدولة 1872
نقلا عن www.wsm.ie/story/178
ترجمة : مازن كم الماز
|
|