|
|
مقابلة مع توم لين , 23 ديسمبر كانون الأول 1996
1 – ما هي الجذور الفكرية للفكر الأناركي , و أية حركات طورتها و منحتها الحياة عبر
التاريخ ؟
إن اتجاهات الفكر الأناركي التي تثير اهتمامي ( هناك الكثير منها ) تمتد بجذورها ,
كما أعتقد , إلى الأنوار و الليبرالية الكلاسيكية , و حتى يمكن تعقب آثارها بطرق
مشوقة إلى الثورة العلمية في القرن 17 , بما في ذلك جوانب غالبا ما تعتبر رجعية ,
مثل العقلانية الديكارتية . هناك أدب يتناول هذا الموضوع ( تأريخ أفكار هاري براكين
كواحدة , و قد كتبت عن هذا الموضوع أيضا ) . بدون أن أحاول أن أختصر , ما عدا القول
أنني أتفق مع الكاتب و الناشط الأناركي النقابي الهام رودولف روكر أن الأفكار
الليبرالية الكلاسيكية قد قوضت المياه الضحلة للرأسمالية الصناعية التي لم تسترد
عافيتها أبدا بعد ذلك ( أنا أشير إلى روكر في الثلاثينات لأنه بعد عقود أخذ يفكر
بشكل مختلف ) . لقد أعيد ابتكار هذه الأفكار باستمرار , في رأيي , لأنها تعكس
الحاجات و المدارك الإنسانية الفعلية . ربما تكون الحرب الأهلية الإسبانية هي
الحالة الأكثر أهمية , رغم أنه علينا أن نذكر أن الثورة الأناركية التي اجتاحت قسما
كبيرا من إسبانيا في علم 1936 لم تكن انتفاضة عفوية , بل جرى الإعداد لها عبر عقود
من التثقيف و التنظيم و النضال و الهزائم و الانتصارات في بعض الأحيان . لقد كانت
هامة جدا . بما فيه الكفاية لتستجلب حنق كل نظام سلطوي رئيسي : الستالينية و
الفاشية و الليبرالية الغربية و معظم الاتجاهات الفكرية و مؤسساتها المذهبية –
مشتركين جميعا ليشجبوا و يدمروا الثورة الأناركية , كما فعلوا , علامة على أهميتها
في رأيي .
2 – يزعم المنتقدون أن الأناركية "لا تمتلك أية صيغة فعلية و طوباوية" . أنت ترى
أنه لكل مرحلة من التاريخ شكله الخاص من السلطة و الطغيان التي كان لا بد من تحديها
, لذلك لا يمكن تطبيق عقيدة ثابتة . ما هو برأيك الجوانب الخاصة من الأناركية
القابلة للتحقق في هذه الفترة ؟
أنا أميل للاتفاق مع أن الأناركية لا تمتلك أية صيغة و طوباوية , رغم أنها ليست
أكثر في ذلك من المبادئ الجوفاء للنيو ليبرالية و الماركسية اللينينية و بقية
الإيديولوجيات التي استهوت ذوي النفوذ و خدمهم الفكريين عبر السنين , لأسباب يسهل
جدا شرحها . إن السبب وراء غياب الصيغة عموما و الفراغ الفكري ( التي تختفي غالبا
وراء الكلمات الكبيرة , لكنها أيضا في المصلحة الشخصية للمفكرين ) أننا لا نفهم
كثيرا المنظومات المعقدة , كالمجتمعات الإنسانية , و نملك فقط الشعور الحدسي
بالحقيقة المحدودة كما بالطرق التي يجب من خلالها إعادة تشكيلها و إنشائها .
الأناركية برأيي تعبير عن فكرة أن عبء الإثبات يقع دوما على عاتق أولئك الذين
يحاجون أن السلطة و السيطرة ضرورية . عليهم أن يظهروا بحجج قوية أن هذا الاستنتاج
صحيح . إذا لم يستطيعوا فإن المؤسسات التي يدافعون عنها يجب أن تعتبر غير شرعية .
كيف يجب أن تكون ردة فعل المرء على سلطة غير شرعية يتوقف على الظروف و الأوضاع : لا
توجد وصفات جاهزة .
في الوقت الحالي تنبعث القضايا من كل شيء , كما هي عادة : من العلاقات الشخصية في
الأسرة و في أي مكان آخر , إلى النظام العالمي السياسي \ الاقتصادي . و الأفكار
الأناركية – التي تتحدى السلطة و تصر أنها تبرر نفسها – هي ملائمة على كل المستويات
.
3 – على أي شكل من الطبيعة الإنسانية تستند الأناركية ؟ هل سيكون عند البشر دافعا
أقل للعمل في مجتمع قائم على العدالة ؟ هل سيسمح غياب الحكومة بأن يسيطر القوي على
الضعيف ؟ هل سيؤدي اتخاذ القرارات الديمقراطي إلى صراع مفرط أو إلى الارتباك أو "حكم
الغوغاء" ؟
كما أفهم كلمة "الأناركية" فإنها تقوم على الأمل ( في حالتنا الجهل , لا يمكننا أن
نتجاوز أبعد من ذلك ) بأن العناصر الصميمية للطبيعة الإنسانية تتضمن عواطف التضامن
و الدعم المتبادل و التعاطف و الاهتمام بالآخرين و ما إلى ذلك .
هل سيعمل البشر أقل في مجتمع يقوم على العدالة ؟ نعم , بمقدار ما هم مدفوعون للعمل
بضرورة البقاء , أو بالمكافأة المادية , هو نوع من علم الأمراض , أنا أعتقد , أنه
يشبه ذاك النوع من علم الأمراض الذي يقود البعض للحصول على المتعة في تعذيب الآخرين
. أولئك الذين يجدون مذهب الليبرالية الكلاسيكية مصيبا في أن الدافع للمشاركة في
العمل الإبداعي موجود في مركز الطبيعة الإنسانية – شيء نراه باستمرار من الأطفال
حتى المسنين , عندما تسمح الظروف – سيكونون متشككين جدا بهذه الأفكار المفيدة جدا
للقوة و السلطة , لكن التي يبدو أنه ليس لها أية فضائل أخرى .
هل سيسمح غياب الحكومة للقوي بالسيطرة على الضعيف ؟ نحن لا نعرف . إذا كان الأمر
كذلك فيجب عندها إعادة بناء أشكال التنظيم الاجتماعي – هناك احتمالات كثيرة –
للتغلب على هذه الجرائم .
ماذا ستكون نتائج اتخاذ القرارات الديمقراطي ؟ الأجوبة غير معروفة . سيتعين علينا
أن نتعلم بالتجربة . دعنا نجرب و نكتشف .
4 – تسمى الأناركية أحيانا بالاشتراكية التحررية – كيف تختلف عن بقية الإيديولوجيات
التي تقترن بالاشتراكية كاللينينية ؟
يتمسك المذهب اللينيني بأن حزبا طليعيا سوف يتولى السلطة و يقود السكان نحو التطور
الاقتصادي , و بواسطة معجزة لا يمكن شرحها , نحو الحرية و العدالة . إنها
إيديولوجيا تثير بطبيعة الحال إعجاب الأنتجلنسيا الراديكالية و التي تعطيهم مبررا
لدورهم كمدراء للدولة . أنا لا أجد أي سبب – سواء منطقيا أو من التاريخ – لنأخذ هذا
الكلام على محمل الجد . إن الاشتراكية التحررية ( بما في ذلك تيار كبير داخل
الماركسية ) تنبذ كل ذلك باحتقار عن حق .
5 – يقول كثير من "الأناركيين الرأسماليين" أن الأناركية تعني الحرية في أن تفعل ما
تشاء بملكيتك و أن تدخل في عقود حرة مع الآخرين . هل الرأسمالية متوافقة بأي شكل من
الأشكال مع الأناركية كما تراها ؟
إن الأناركية الرأسمالية في رأيي هي نظام فكري سيؤدي في حال تم تطبيقه إلى أشكال من
الطغيان و الاضطهاد وجد القليل مما يشبهها في التاريخ الإنساني . لا يوجد أدنى
احتمال ( بنظري احتمال رهيب ) أن أفكارها سوف توضع موضع التنفيذ , لأنها ستدمر
بسرعة أي مجتمع يقترف هذه الخطأ الكبير . إن فكرة "العقد الحر" بين الملوك و
مواطنيهم الجوعى هي مزحة سمجة , ربما تستحق بعض الدقائق في اللقاءات الأكاديمية
للبحث في نتائج هذه الأفكار ( التافهة في رأيي ) لكن ليس في أي مكان آخر .
علي أن أضيف أنني أجد نفسي متفقا مع أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أناركيين رأسماليين
في مجموعة واسعة من القضايا , و كنت في بعض السنوات قادرا فقط على الكتابة في
مجلاتهم . و أنني أيضا معجب بالتزامهم بالعقلانية – و هذا نادر – رغم أنني أعتقد
أنهم لا يرون نتائج الأفكار التي يتبنوها أو عيوبها الأخلاقية العميقة جدا .
6 – كيف تنطبق المبادئ الأناركية على التعليم ؟ هل الدرجات و شروط التقدم و
الامتحانات هي أشياء جيدة ؟ ما هو نوع البيئة الذي يقود إلى الفكر الحر و التطور
الفكري ؟
إن شعوري المعتمد جزئيا على خبرتي الشخصية في هذه الحالة أنه على التعليم اللائق أن
يوفر طريقا يمكن للمرء أن يسلكه بأسلوبه الخاص , إن التعليم الجيد قضية أكبر من
مجرد توفير الماء للنبات لكي ينمو تحت السيطرة المباشرة , أكثر من ملئ الوعاء
بالماء ( هذه فكرة غير أصيلة كما يجب أن أضيف أعيدت صياغتها في كتابات الأنوار و
الليبرالية الكلاسيكية ) . هناك مبادئ عامة , التي أعتقد أنها صحيحة عامة . كيف
يمكن أن تنفذ تحت ظروف معينة يجب أن تقيم حسب كل حالة , بتواضع مطلوب , و باعتراف
بمحدودية ما نفهمه فعلا .
7 – هل يمكنك أن تصف لنا كيف سيعمل مجتمعا أناركيا نموذجيا يوميا ؟ أية أنواع من
المؤسسات السياسية و الاقتصادية ستوجد و كيف ستعمل ؟ هل سيكون لدينا نقود ؟ هل
سنتسوق في المتاجر ؟ هل سنمتلك منازلنا الخاصة ؟ هل ستكون لدينا قوانين ؟ كيف سنمنع
الجريمة ؟
أنا لن أحلم بالقيام بهذا . هذه أمور سيتعين علينا أن نتعلمها , بالنضال و التجربة
.
8 – ما هي حظوظ أن نحقق الأناركية في مجتمعنا ؟ أية خطوات يتوجب علينا القيام بها ؟
إن فرص نجاح الحرية و العدالة غير محدودة . الخطوات التي يتعين علينا القيام بها
تتوقف على ما نود تحقيقه . لا توجد و لا يمكن أن توجد أجوبة عامة . لقد تمت صياغة
السؤال بشكل خاطئ . إنني أذكر شعارا جيدا لحركة العمال الريفيين في البرازيل ( حيث
عدت من هناك للتو ) : لقد قالوا أن عليهم توسعة أرضية الزنزانة إلى الدرجة التي
يمكننا عندها تحطيم القضبان . في بعض الأحيان قد يقتضي ذلك حتى الدفاع عن الزنزانة
ضد مفترسين أسوأ موجودين خارجها : الدفاع عن سلطة الدولة غير الشرعية ضد الطغيان
الخاص الجامح في الولايات المتحدة اليوم على سبيل المثال , هي نقطة يجب أن تكون
واضحة لأي شخص يلتزم بالحرية و العدالة – كل شخص يعتقد مثلا أنه يجب أن يحصل
الأطفال على الطعام ليأكلوا – لكن قد يبدو هذا عصيا على الفهم للكثيرين ممن يعتبرون
أنفسهم تحرريين أو أناركيين . هذه واحدة من النوازع ذاتية التدمير و غير العقلانية
للأشخاص الجيدين الذين يعتبرون أنفسهم منضوين في اليسار , في رأيي , و التي تفصلهم
في الممارسة عن حياة و المطامح الشرعية للبشر الذين يعانون .
هكذا تبدو الأمور بالنسبة إلي . أنا سعيد لأناقش هذه النقطة و أن أصغي إلى الردود
المقابلة , لكن فقط في السياق الذي يسمح لنا بأن نذهب أبعد من مجرد ترديد الشعارات
– التي أخشى أنها تستبعد جانبا كبيرا مما يتم تجاوزه دون أي حوار من جانب اليسار ,
كلما كانت أكثر كلما كان ذلك يدعو للأسف .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن :
www.zmag.com/chomsky/interviews/
|
|