من كمال بك إلى وليد بك

 

مازن كم الماز

 

الحوار المفتوح العدد 47: 20\3\2007

 

كانت كوريا في جدب عام و تغط في السواد , حينئذ ولد طفل حمل آمال الأمة..أستعيد هذه الكلمات من الذاكرة ( التي أرجو ألا تكون قد خانتني ) عن ولادة كيم إيل سونغ..هكذا عادة يؤرخ لولادة "الزعماء العظام"..في مجتمعاتنا ينقسم البشر ( كحال أية مجتمعات تنعدم فيها المساواة بين الناس ) , و تتحدد قيمة الإنسان أساسا ( بعيدا عن "مجرد" كونه إنسان ) , إما حسب نسبه ( تحدره من الأرستقراطية القبلية و العشائرية أو الطائفية أو الإقطاعية ) أو ثروته و ثروة أبيه أو حسب موقعه من السلطة...و في لبنان , البلد الذي يدعي الجمع بين الأصالة ( ممثلة في الطائفية السياسية و الفكرية و الاجتماعية ) و الحداثة ( ممثلة بتغريب مظاهر الحياة اليومية ) يتشكل معظم الزعماء كما في سائر بلادنا العربية منذ الولادة..."زعيم بالولادة أو بالوراثة" هذا يشبه بعض الأمراض الوراثية الخاصة بعوائل دون غيرها تنتقل من الآباء إلى الأبناء لكن الزعامة حقيقة ليست مرضا كالجهل و الفقر و التهميش السياسي و الاجتماعي التي يورثها معظم الآباء في مجتمعاتنا لأولادهم أي لنا نحن..هكذا كان حال كمال بك جنبلاط مثلا عندما وجد نفسه في موقع زعامة طائفة رئيسية يوما في لبنان لكن و لأن الزعيم إنسان في النهاية قابل للتغير و التطور و حدوث المستجدات حسب مزاجه الشخصي أو تطور وعيه الفردي كان من المنطقي أن يضيف كمال  جنبلاط شيئا من نفسه على تفاصيل هذا الدور الذي كتب له "التاريخ" أن يقوم به..هذا بالضبط ما سيفعله أيضا وليد بك الابن المتوج على رأس الطائفة لكن بطريقته الخاصة..من تقدمية كمال إلى التزام وليد بك بالعروبة و من ثم ليبراليته الحالية أو ما شئتم أن تسموا به مواقفه الأخيرة التي مضت به أخيرا إلى العاصمة الأمريكية و قاعات الاستقبال في الكونغرس و مؤسسات صنع القرار في أمريكا..كان كمال تقدميا في وقت جرى فيه اختزال التقدمية لمجرد الحديث عن الاتحاد السوفيتي الطيب و الدعوة لعلاقات صداقة معه , هذا التعريف للتقدمية الذي سمح لعبد الناصر و حافظ الأسد و صدام حسين و حتى لمعمر القذافي أن يدعي التقدمية مهما فعل بشعبه أو بالقوى التقدمية ( اليسارية أو الشيوعية ) في بلاده..لا ينفي هذا الكلام أي شيء إيجابي عن هؤلاء "التقدميين" رغم أن أي تغيير إيجابي طرأ على مجتمعاتنا كان عليه أن يمر من بوابة قهر المجتمع من قبل البيروقراطية الحاكمة بأمر الزعيم و تغييب صوت الناس و مصادرة أي حراك مستقل و الأهم هو بناء نظام بيروقراطي أمني مطلق اليدين في البلد دون أي وازع أو قدرة جدية من طرف المجتمع على الاحتجاج..كان وليد بك كابن أي مسئول سوري مثلا يهوى السيارات الحديثة و النساء و تقليعات الموضة..نعرف نحن السوريون أن أبناء المسئولين هم عادة أكثر سوءا و أصعب مراسا من آبائهم و أن هوسهم بالسيارات الحديثة يكلف ميزانيتنا المسكينة أموالا طائلة حتى في ظل عهد الإصلاح و التطوير..اضطر وليد بك ( مثله في ذلك مثل الدكتور بشار الأسد مثلا أو سعد الحريري ) أن يضع حدا لحياته العابثة المستهترة أو ( لنستخدم كلمة أكثر تهذيبا ) الصاخبة ليصبح زعيما للحزب التقدمي الاشتراكي و الطائفة الدرزية في لبنان عند اغتيال والده..وجد وليد بك نفسه "تقدميا" كجزء من تركة كمال جنبلاط الخاصة و ليست تركته كزعيم للطائفة ثم تعمق "إيمان" وليد بك بالعروبة و تجذر مع احتضان سوريا له في حرب أهلية طويلة ضد خصومه من عوائل المارونية السياسية ( هذا هو معنى العروبة و الخيانة في لبنان الحرب الأهلية أي المصدر الذي يمدك بالسلاح : سوريا أم إسرائيل ؟ ) الحرب التي انتهت بهزيمة غير قاصمة لأعدائه و نصر غير كامل للفريق الذي وجد نفسه و طائفته واحدا من مكوناته بسبب تعقيد المعادلة الداخلية و الإقليمية و الدولية..لكن وليد بك الذي خلع بزة أمير الحرب الأهلية تحول إلى سياسي "ناجح" جزءا من الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان بحكم الانتماء الطائفي و العائلي أو الدعم الإقليمي و الدولي , وليد بك سيجد نفسه في إطار تحالفات ذات طبيعة جديدة و لأسباب مختلفة..هذه هي السياسة كما يمارسها "زعماؤنا" سياسة "واقعية" "عملية" و أضف ما شئت لوصف هذه السياسة الميكافيلية الانتهازية..بعد أن كان وليد بك و أغلب من يسمى اليوم بالأغلبية الحاكمة تلاميذ مطيعين في مدرسة يسوسها غازي كنعان نيابة عن طاغية دمشق انتقلوا إلى الثورة لكرامتهم و ركبوا موجة الانفجار الشعبي الذي أعقب اغتيال الحريري فامتطوا من جديد ظهور الشعب اللبناني و حولوا انتفاضته إلى حالة تخدم أهدافهم الشخصية و أهداف القوى الإقليمية و الدولية التي حولوا وجوههم إليها و أصبح وليد بك صديقا لأعداء الأمس الألداء خصومه في حرب الجبل و غيرها من مواقع الحرب الأهلية الدامية ( أمين الجميل و سمير جعجع ) و حط رحاله في الرياض و باريس و أخيرا في واشنطن..هذه الطبقة السياسية التي لا تخجل من نفسها و هي تتحدث عن حلحلة الأمور في البلد و حل الأزمة بين أطرافها عبر تفاهم سعودي-إيراني و تقر علنا و على رؤوس الأشهاد أنها غيرت الدستور و انتخبت الرئيس الحالي امتثالا لإرادة خارجية و تعايشت ل 15 عاما مع نظام أمني امتهن كرامة أفرادها تماما كما فعل مع كرامة كل لبناني و سوري..هذه الإضافات الخاصة بوليد بك للموقع الذي شغله قد لا تختلف كثيرا عما أضافه الطبيب بشار الأسد الذي وجد نفسه بين ليلة و ضحاها على رأس إمبراطورية من أجهزة الأمن و من طبقة حاكمة تتألف من أفراد عائلة الرئيس الأب و أفراد الحاشية المقربين أي الطبقة المتنفذة في سوريا..ربما كان الرجل غير مهتم بالسياسة و منصرفا إلى مشاريعه الخاصة حتى غيب الموت أخيه الأكبر باسل الوريث المفضل لوالده فوجد نفسه الوريث الوحيد لعرش سوريا..كانت عملية غير سهلة تلك التي شقت له الطريق إلى رأس الهرم مع وجود كل تلك القوى المتنفذة تاريخيا داخل أجهزة الأمن و الحكم و العائلة و المفاصل الرئيسية للجيش..و كجزء من إضافته الخاصة على الحالة انضم أصدقاء الطالب و الطبيب بشار الأسد إلى تلك الأجهزة ليولد مفهوم جديد في السياسة السورية و هو الحرس الجديد إلى جانب حرس أبيه القديم..و يتهم المسكين بإضاعة لبنان درة التاج في صولجان النظام و يتهم بالمواقف و التصريحات الرعناء التي جعلت النظام تحت مرمى النيران الأمريكية المباشر في مقابل مهارة والده في المراوغة بنظامه بعيدا عن مكامن الخطر لكن يجب هنا أن نعترف أن الذي اختلف أساسا هو الهامش المتاح للمناورة الهامش المقبول من أمريكا للبقاء في اللعبة للبقاء في لبنان و حتى في السلطة..و لأن الشيء بالشيء يذكر أرجو أن تتذكروا معي صورة شاب حسن الوجه ناعم الصوت يضع على رأسه عمامة رجال الدين يشتكي أمام كاميرات و ميكروفونات الصحفيين من سوء معاملة حرس الحدود الأمريكيين عند عودته إلى بلده العراق..كان يمكن لعمار الحكيم أن يصبح إنسانا عاديا و ربما شيوعيا أو حتى بعثيا لو أنه تصرف و فكر بحرية كإنسان لكنه و كجزء من تركة أسرته وجد عمامة رجال الدين على رأسه و وجد شخصه موضع تقدير الجماهير الدائم , التقدير الذي يليق برجل دين شيعي من آل الحكيم الكرام..الغريب أنه في بلد ينتشر فيه الخراب و القتل و الموت و التدمير في بلد يعاني شعبه كل هذه الويلات أن تجد إنسان تقع على رجل تقتصر معاناته على سوء معاملة حرس الحدود الأمريكان أو ما وصفه السيد الحكيم نفسه ب"المعاملة غير اللائقة"..غير لائقة بأفراد عائلة الحكيم بالطبع بينما العراقيون في كل بقعة من العراق يهانون و يقتلون و تنتهك إنسانيتهم من الأمريكان و الشرطة و الجيش "الوطنيين" و من "المجاهدين" و جيش المهدي و كل من شاء الله من حملة السلاح في وجه الناس العاديين العزل..و من الغريب و المفارقة أن يكون حرس الحدود بين العراق ( الدولة العربية و المسلمة ) و جارتها إيران من الجنود الأمريكان و أن يكون هؤلاء هم من يفتش العراقيين العائدين إلى بلدهم و يختمون جوازاتهم حتى لو كانوا من آل الحكيم..لكن السيد عمار لا يزعجه هذا بل لا يثر انتباهه أو استنكاره قدر ما تستفزه "المعاملة غير اللائقة" من هؤلاء الجنود الأمريكان..أما ما هو أدهى فهو منح السيد سعد الحريري لقب الشيخ ؟؟.يعني المفتي قباني معقولة..حسن نصر الله على العين و الرأس..فالسيد سعد لا يملك أية ميزة تؤهله لمنصب الشيخ أو ربما لأي منصب آخر ما عدا أنه ابن رفيق الحريري..و لأنه بانتظار لقب البيك أو الرئيس من المعيب أن يبقى اسم السيد سعد هكذا دون ألقاب دون إضافة تجعله ندا لزملائه بل أتباعه أبناء الطبقة السياسية اللبنانية تساعده في ذلك إمبراطورية ضخمة تضم تلفزيون و جريدة المستقبل مهتمة أساسا بضمان لقب الشيخ لصاحبها أكثر من جوع و تعب اللبنانيين البسطاء..و بعد ؟..يمكنك بل عليك كابن مخلص لطائفتك أن تصفق لزعيم طائفتك أو عشيرتك أو أي زعيم تختاره..يمكنك أن تخرج في المظاهرات التي تحتج على إهانة السيد عمار الحكيم أو للمطالبة بثأر رفيق الحريري..لكنه حرام علي و عليك باسم كل شيء باسم الطائفة و القبيلة و التاريخ و المقدس و القومية و ما شئت أن نرى نتخيل في أنفسنا في شخوصنا صور كائنات بشرية تستحق العدالة و الحرية و المعاملة اللائقة و الحياة الكريمة..ربما أقول ربما مثلنا مثل بقية الناس ربما أقول ربما مثلنا مثل هؤلاء الزعماء......